رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نايف خالد الشرشني

مساحة إعلانية

مقالات

141

نايف خالد الشرشني

إبسويتش تاون.. عندما يبدأ التطور من التفاصيل الصغيرة

28 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في كرة القدم الحديثة، لم تعد التكنولوجيا ترفاً تلجأ إليه الأندية الكبرى وحدها، بل أصبحت جزءاً من العمل اليومي لكل نادٍ يبحث عن تطوير لاعبيه، فبعد أن اعتدنا استخدامها في تحليل المباريات ومراقبة الأحمال البدنية، امتد حضورها إلى تفاصيل لم تكن تخطر على بال، حتى داخل دورات المياه في مراكز التدريب.

وتبرز هنا تجربة نادي إبسويتش تاون الإنجليزي، الذي لا يملك الإمكانات المالية نفسها التي تتمتع بها أندية مثل مانشستر سيتي وأرسنال، لكنه يسعى إلى مواكبة الابتكارات التي قد تساعده على تقليص الفوارق مع منافسيه، فقد أدخل إلى مرافقه التدريبية تقنية تُعرف باسم (S-Urinals) وهي أنظمة ذكية تقيس مؤشرات مرتبطة بمستوى ترطيب أجسام اللاعبين ثم ترسل النتائج فوراً إلى الطاقم الطبي.

وقد يتساءل القارئ: ما الفائدة من هذه الأجهزة ما دامت الفحوص التقليدية قادرة على قياس مؤشرات مشابهة؟ الإجابة تكمن في سرعة الحصول على المعلومة، فبدلاً من جمع العينات وانتظار تحليلها، يحصل اللاعب على تقييم مباشر، بينما يستطيع المختصون متابعة مستوى السوائل والأملاح، ومقارنة النتائج بقياساته السابقة، وتحديد ما إذا كان يحتاج إلى تعديل كمية السوائل التي يتناولها أو توقيت تناولها.

ولا تقتصر أهمية هذه السرعة على توفير الوقت، بل تمتد إلى إمكانية اتخاذ قرار مناسب في اللحظة التي تظهر فيها الحاجة إليه، فمستوى الترطيب يتغير مع التدريب والتعرق والظروف المناخية، وقد تساعد المتابعة المستمرة على تحسين استعداد اللاعب للمجهود البدني ودعم خطط الاستشفاء، ومع ذلك فإن التقنية لا تضمن وحدها تفوقاً رياضياً، وإنما تمنح الجهاز الطبي معلومات إضافية تساعده على اتخاذ قرارات أدق.

وتؤكد الأرقام أهمية الاهتمام بهذا الجانب إذ أشارت مراجعة علمية نُشرت عام 2020 في المجلة الأوروبية لعلوم الرياضة، وجمعت نتائج 24 دراسة، إلى أن 66.2% من اللاعبين المحترفين الذين شملتهم التقييمات كانوا يعانون من نقص الترطيب أو الجفاف، وهي نتيجة توضح أن مسألة تبدو بسيطة قد تستحق متابعة منتظمة، خصوصاً في فترات ازدحام المباريات وارتفاع درجات الحرارة.

والمثير في تجربة إبسويتش تاون أن النادي لم ينتظر امتلاك ميزانية تضاهي ميزانيات الأندية الكبرى حتى يهتم بهذه التفاصيل، فالتقنية تستخدمها أيضاً أندية أوروبية بارزة، لكن تبنيها من نادٍ أقل ثراءً يعكس عقلية تبحث عن التحسين في كل جانب ممكن لا في سوق الانتقالات وحده.

ومن هنا يمكن للأندية القطرية والعربية أن تستخلص درساً مهماً: التطوير لا يعني بالضرورة استيراد كل جهاز جديد، بل متابعة التجارب، واختبار جدواها، وتحديد ما يناسب احتياجات اللاعبين وبيئة المنافسة المحلية، وقد تكون البداية بتعزيز التعاون بين الأجهزة الفنية والطبية، وبناء أنظمة منتظمة لجمع البيانات والاستفادة منها، وهذا النهج لا يلغي أهمية التدريب الجيد أو جودة اللاعبين، بل يكملها، ويجعل الاهتمام بصحتهم واستعدادهم جزءاً ثابتاً من ثقافة النادي اليومية على الدوام.

ففي النهاية لا تُقاس قيمة التكنولوجيا بمدى غرابتها أو حداثتها، بل بقدرتها على تحويل معلومة صغيرة إلى قرار في الوقت المناسب. وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم من تجربة إبسويتش تاون: أن الفارق داخل الملعب قد يبدأ من تفصيل لا يلتفت إليه كثيرون.

مساحة إعلانية