رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في البداية أبوح لكم بأني متمسك برأيين حول أوكرانيا صرح بهما رجلان حكيمان بلغا قرنا من العمر كل على حدة: الأول هو المفكر الأمريكي عالم الألسنيات من أصول يهودية وما زال حيا (ناحوم تشومسكي) والثاني متوفى ويسمونه ثعلب الدبلوماسية الأمريكية مخطط لقاء (كامب ديفيد) الذي أخرج مصر من المواجهة العربية الإسرائيلية (هنري كيسنجر) وسبق أن علق الرجلان على الحرب الروسية الأوكرانية فاتفقا على أن موقع أوكرانيا المنطقي والحقيقي هو الحياد وليست مؤهلة لا للعودة الى اتحاد الجمهوريات الروسية ولا للانضمام الى الحلف الأطلسي وعضوية الاتحاد الأوروبي. ولنحلل حالة العلاقات الدولية اليوم من خلال أوكرانيا ومخاطر حرب عالمية ثالثة تنطلق هذه المرة أيضا كسابقتيها من قلب أوروبا لتعم العالم. فقد نجح ترامب في الوصول إلى اتفاق تاريخي مع روسيا يبعدها عن التحالف مع الصين. وتذهب الخطة أبعد من ذلك حين تطالب خطة الرئيس (ترامب) نظيره الأوكراني بالتخلي عن أراضٍ ما تزال تحت سيطرتها لضمها رسميًا إلى روسيا مما يضطرنا للإقرار بأن الرئيس (زيلنسكي) حول أوكرانيا إلى ساحة صراع دولي لا يملك أي قرار فيه بل ترك مصير بلاده رهن حسابات قوى دولية كبرى متصارعة حين راهن على دعم أمريكي مطلق ليكتشف في النهاية أن أمريكا تتعامل معه كورقة تفاوض لا أكثر. واليوم فإن كل ما قُدم من تضحيات وكل ما خسرته أوكرانيا من أراضٍ واقتصاد واستقرار، ينتهي على طاولة تفاوض بين موسكو وواشنطن من دون أن يكون للرئيس (زيلنسكي) حق الاعتراض أو حتى مجرد الحضور! ثم إن تجاهل واشنطن للأوروبيين في هذه الصفقة ليس تفصيلًا بسيطا لأن الأوروبيين الذين أجبرتهم واشنطن ولنقل شجعتهم على الدخول في هذا الصراع هم المتأثرون مباشرة بالحرب بين روسيا وأوكرانيا ومع ذلك جرى تجاوزهم بالكامل! وكل ما استطاعوا إظهاره للعلن في قمتهم الأخيرة المنعقدة في بروكسل هو التعبير عن الانزعاج والخيبة، في مشهد يعكس عجزهم السياسي وانكشافهم الاستراتيجي. لقد اكتشفوا مرة أخرى أن واشنطن لا تتعامل معهم كشركاء بل كمجال نفوذ تتغير فيه السياسات بحسب المصالح الامريكية والروسية الاستراتيجية. لأن القوى النووية والاقتصادية الثلاث (واشنطن وموسكو وبيجين) لا تحمي أحدًا في الحقيقة بل تستخدم الجميع بدون اعتبارات أيديولوجية كانت سائدة قبل سقوط جدار برلين في نوفمبر1989 فيما عرف بالحرب الباردة. وما يجري اليوم مع (زيلنسكي) وأوروبا ليس إلا نموذجًا جديدًا يؤكد كيف تستدرج القوى العظمى بعض الغافلين من الحكام لتنفيذ أجنداتها ثم تتبرأ منهم عند أول فرصة! فهذا كان وما زال حال كل القوى العالمية المهيمنة على العالم ولم تختلف هذه السياسات إلا في مراحل الحكم الاسلامي للعالم منذ فجر الإسلام ودولة المدينة ثم الخلافة الأموية تليها العباسية انتهاء بالسلطان العثماني حتى سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924. وكما يعرفني قرائي منذ بدأت أنشر ما أعتقده فأنا لست ممن يدعو الى القطيعة بين دولنا والدول العظمى ولكن تحالفنا مع إحداها لا يعني الانسياق وراء مخططات قد تعود بالضرر على بلداننا وعيا منا جميعا أن ما يحكم العلاقات الدولية هو المصلحة والمصلحة فقط وبحكم علمنا ان كل الدول العظمى في إطار رؤيتها للقرن الحادي والعشرين تسعى مثلا للسيطرة على القارة الافريقية وتحجيم الدور الأوروبي الاستعماري فيها وهو ما عبرت عنه انتفاضات عسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وآخرها الانقلاب العسكري في غينيا الوسطى يوم 26 نوفمبر الجاري وشرعت الشعوب الفرنكوفونية منذ 3 سنوات في الخروج من سيطرة باريس على مقدراتها وستتبعها الأمم التي خضعت لبريطانيا بلا ريب. ولا ننسى أن الغاية الجيوستراتيجية لواشنطن وموسكو تبقى هي القضاء على الوجود الصيني في افريقيا فقد توصل الرئيس ترامب الى اتفاق مع بوتين تضمن به الولايات المتحدة كسب موافقة (بوتين) على أن تكون موسكو شريكة لها في تحقيق ذلك. وبالعودة الى موضوعنا الأساسي فقد حدث اتفاق بين الولايات المتحدة واتحاد الجمهوريات الروسية يدخل بموجبه الرئيسان الأمريكي والروسي في تحالف غير معلن بين القوتين العظميين في مواجهة الصين! أي ضد المنافس الصيني الأخطر وهو ما يؤدي الى قطع امدادات الطاقة عنها عبر خط سيبيريا متى طلبت واشنطن ذلك مقابل السماح لروسيا بدور متقدم حتى على أوروبا في السياسة الدولية وهو ما يرضي غرور (بوتين) ونرجسيته وحلمه القديم باستعادة الإمبراطورية القيصرية لروسيا! فبعد أربع سنوات من الحرب الروسية الاوكرانية حققت واشنطن أهدافها بإضعاف روسيا واجبارها على الدخول تحت جناحها وكان لا بد من تقديم هدية للرئيس (بوتين) وهي المتمثلة في حصوله على أراض أوكرانية أكثر مما احتل ليظهر أمام شعبه بمظهر المنتصر في الحرب. ومن جهة ثانية اضعفت الأوروبيين وكشفت واقعهم الهزيل أمام شعوبهم وأمام العالم وأنهم بدون المظلة الأمريكية في السلم والحرب غير قادرين على فعل أي شيء بل غير قادرين حتى على حماية أنفسهم وهو ما سينعكس على سياسات أغلب الدول. أما الصين التي كانت تفتخر بأنها القوة العالمية القادمة فقد أفشلت واشنطن كل خططها من مبادرة الحزام وطريق الحرير الى منظمة (البريكس) الى تواجدها في كثير من موانئ العالم وحاصرتها باتفاقيات وتحالفات مع كل الدول المحيطة بها وآخرها الاتفاق مع الهند وحاليا مع روسيا مما شكل هلالا يحصر الصين في مجالها الجغرافي ويجبرها على الانكفاء والتسليم بقيادة أمريكا للعالم في هذا القرن. وستشهد السنوات القادمة مزيدا من هذه الهيمنة خاصة لو خطط خبراء الاستراتيجيات الأمريكان لتفكيك خريطة العالم القديمة وهو ما يسعى لتنفيذه العنصريون المتطرفون في الحكومة الإسرائيلية حيث شرعوا في فصل الضفة عن القطاع وأعلن رئيس حكومتهم أنه لا يعترف بتقسيم (سايكس بيكو) لأن بريطانيا وفرنسا كانتا عام 1916 هما الامبراطوريتان الأقوى أما اليوم ونحن في سنة 2025فالعالم معترف بوحدانية القطب الأمريكي وبأن القاطرة التي تقود الشرق الأوسط هي إسرائيل! وهذا ما يجب على جميع العرب أن يعوه و يتعاملوا معه بذكاء كواقع مفروض على العالم كله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2625
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2580
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1104
| 07 يونيو 2026