رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

441

م. حسن الراشد

الإفتاء الشرعي وفوضى العصر

28 ديسمبر 2025 , 12:49ص

شكّلت دار الإفتاء ركنًا أساسيًا في المجتمعات الإسلامية، بوصفها المرجع الديني الذي يُبيّن الأحكام الشرعية ويُوجّه المسلمين في شؤون دينهم ودنياهم. وقد حظي المفتي عبر التاريخ بمكانةٍ مرموقة، استمدّها من سعة علمه، ورجاحة عقله، وطول ملازمته لأهل العلم، إلى جانب ما عُرف عنه من ورعٍ وأمانة وخبرة وحكمة؛ فكان الناس يقصدونه في القضايا والنوازل، ويحتكمون إلى رأيه. ولم يقتصر دوره على الإرشاد الفردي فحسب، بل أسهم أيضًا في حفظ التراث الفقهي الشرعي، وتدوينه، وتطويره.

ومع تطوّر العصر وظهور قنوات ووسائل ومنصّات إعلامية لا تُعدّ ولا تُحصى، كان من المفترض أن تصبح العملية الإفتائية أكثر دقّةً وتمحيصًا وتنظيمًا، بما يضمن سلامة الأحكام الشرعية وانضباطها. غير أنّ الواقع المعاصر وتعقيداته يكشفان عن انتشار ما يُعرف بـ «فوضى الإفتاء والاجتهاد»، وهي ظاهرة نتجت عن عوامل متعددة، أبرزها سهولة الوصول إلى المعلومات عبر شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية الخاصة، بما تحمله أحيانًا من محتوى غير دقيق، أو مجهول المصدر، أو مُضلِّل، فضلًا عن توظيف بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى ديني غير منضبط.

وقد أتاح هذا الواقع لأي شخص أن ينشر رأيه أو يُقدّم ما يُسمّى بـ «فتوى» دون امتلاك التأهيل العلمي أو الشرعي اللازم، في ظل غياب المرجعية الموحّدة، وضعف التنسيق بين أهل العلم، ووجود دوافع شخصية، أو سياسية، أو إعلامية لدى بعض المتصدّرين للمشهد الديني، كالسعي إلى الشهرة أو التأثير أو الارتزاق المالي تحت غطاءٍ دينيٍّ ظاهري.

ويُسهم ضعف الثقافة الدينية لدى المتلقّي في تفاقم هذه الظاهرة، وهو ضعفٌ يعود إلى متغيّرات متعددة، من بينها مناهج التعليم الحديثة التي لم تعد تُولي التربية الدينية العناية الكافية، مما يجعل بعض الأفراد، ولا سيما الجيل الحالي، أكثر قابلية للتأثّر والانقياد خلف المضلّلين وأصحاب المصالح والأجندات الخفية.

ولا تقتصر آثار فوضى الإفتاء على الفرد وحده، بل تمتدّ إلى المجتمع بأسره؛ إذ تُحدث بلبلةً وتشويشًا، وقد تقود إمّا إلى التطرّف والغلوّ المرفوضين شرعًا، أو إلى التساهل المفرط المخالف لمقاصد الشريعة وجوهر الإسلام الوسطي المعتدل. كما تُسهم هذه الفوضى في تشويه صورة الإسلام السمح، وإضعاف الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية والمرجعيات العلمية المعتمدة، بما يهدّد استقرار الوعي الديني ويُعمّق حالة الارتباك والانقسام.

ويزداد أثر هذه الفوضى وضوحًا عند تناول القضايا المعاصرة ذات الطابع الاقتصادي والمالي، وعلى سبيل المثال لا الحصر مسألة التعامل مع البنوك التقليدية أو الإسلامية، حيث يظهر تباينٌ حادٌّ بين من يُجيز بعض صور التعامل بدعوى الضرورة أو تعقيدات الواقع المعاصر، وبين من يذهب إلى التحريم الشرعي الصريح اعتمادًا على نصوصٍ قطعية واجتهاداتٍ فقهية مستقرة. وفي هذا السياق، ومن وجهة نظري، فإن مقولة «اختلاف العلماء رحمة» لا تُطلق على الأحكام الشرعية الواضحة أو القطعية، وإنما تُفهم في إطار مسائل الاجتهاد الظنية التي تحتمل تعدّد الآراء؛ أمّا توظيفها لتبرير التناقض في القضايا ذات النصوص الصريحة أو الإجماع المستقر، فهو خلطٌ غير منضبط يُعمّق فوضى الإفتاء بدلًا من أن يُسهم في احتوائها.

ويُضاف إلى ذلك تفريغ بعض الألقاب الدينية من مضامينها العلمية والشرعية، وفي مقدّمتها لقب «الشيخ»، الذي بات يُمنح لكل من تصدّر المشهد الإعلامي أو كثر متابعوه، بعد أن كان يُطلق تاريخيًا على أهل العلم الراسخين المعروفين بالتحصيل والتزكية وطول الملازمة. وقد أسهم هذا التسيّب في تضليل العامة، ومنح شرعيةٍ شكلية لأصوات غير مؤهّلة، مما زاد من حدّة الاضطراب في فهم الدين، وكرّس حالة الخلط بين الرأي الشخصي والفتوى والاجتهادات الشرعية المعتبرة.

إن فوضى الإفتاء تمثّل تحدّيًا حقيقيًا يواجه المجتمعات الإسلامية اليوم، ولا سيّما الأجيال القادمة، وهو ما يستدعي تضافر الجهود لتعزيز دور المؤسسات الإفتائية الرسمية بوصفها المرجعية الأساس، وتوعية المجتمع بأهمية الرجوع إلى أهل الاختصاص، والتصدّي للفتاوى الشاذة والمتطرّفة تفنيدًا علميًا رصينًا، إلى جانب تطوير آليات الإفتاء بالاستفادة من التقنيات الحديثة، ولكن تحت إشراف جهات رسمية موثوقة بعلمها وورعها وخبرتها، وتعزيز الثقافة الدينية العامة بما يُمكّن الأفراد من الفهم والتمييز.

فتنظيم الإفتاء ليس مسألةً إجرائية فحسب، بل ضرورةٌ شرعية ومجتمعية لحماية الدين، وصون وعي المجتمع، وضمان سلامة الأجيال القادمة من التشتّت والبلبلة والانقسام والشك.

ويُطرح هنا سؤالٌ يراودني: هل نحن بحاجةٍ ضرورية إلى إنشاء معجمٍ للإفتاء الشرعي، على غرار معجم الدوحة اللغوي، أم نكتفي بترديد مقولة «اختلاف العلماء رحمة»؟ وبناءً على ذلك، هل تُعدّ فتاوى «فضيلة الشيخ الذكاء الاصطناعي» اجتهادًا واختلافًا ورحمةً في القضايا الدينية الشائكة مستقبلًا؟ وهل تبرز ضرورة وضع شروطٍ ومعايير واضحة لمنح لقب المشيخة الدينية، «الشيخ» سواء للخطيب أو لطالب العلم، أو المجتهد!

وأخيرًا:

«لا يحلّ لأحدٍ أن يُفتي في دين الله إلا رجلٌ عارفٌ بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتنزيله وتأويله…»

 الإمام الشافعي

اقرأ المزيد

alsharq جرد لأحداث عام ودعناه بين الألم والأمل

أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس... اقرأ المزيد

75

| 02 يناير 2026

alsharq صوتي في جيب المعطف

لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام... اقرأ المزيد

144

| 02 يناير 2026

alsharq في زمن الضجيج الرقمي: لماذا أصبح العمل العميق فعلَ مقاومة؟

أصبح التركيز في عصر الشاشات والخوارزميات من أندر الموارد التي يمتلكها الإنسان المعاصر. ففي زمن يُمجَّد فيه الانشغال... اقرأ المزيد

27

| 02 يناير 2026

مساحة إعلانية