رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

492

م. حسن الراشد

أمن المياه والكهرباء.. يبدأ من وعي المجتمع

29 مارس 2026 , 12:00ص

في ظل التوترات السياسية الدقيقة التي تعصف بمنطقتنا، وتضع أمن البنية التحتية والصناعية، كمحطات الطاقة والمياه، في قلب المخاطر والتحديات الاستراتيجية، وجدت نفسي أمام مراجعة صادقة مع الذات، فطرحت سؤالاً واقعياً قد يتردد الكثيرون في طرحه أو مواجهته: كيف يمكن أن أعيش أنا وأفراد أسرتي إذا انقطع “عصب الحياة” من ماء أو كهرباء لساعات أو ربما لأيام؟ لم يكن هذا التساؤل مجرد قلق عابر، بل لحظة وعي حقيقية أعادت ترتيب تفكيري ونظرتي لنعمٍ اعتدت الحصول عليها كمسلمات وحقوق مكتسبة، رغم أنها في الواقع نتاج منظومة صناعية معقدة، واستثمارات ضخمة، وجهود تعمل لسنوات لضمان استدامة رفاهية المجتمع. لقد استوقفتني يوماً عبارة “صُنع في قطر” على قارورة مياه بلاستيكية؛ لتختصر قصة تحويل الطاقة الهيدروكربونية إلى “شربة ماء”. وأدركت حينها أن الماء في بيئتنا الصحراوية ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو منتج استراتيجي نادر وعالي الكلفة. فكل قطرة نستخدمها هي في الأصل طاقة مستخلصة من الغاز أو النفط، واستهلاكها يمثل كلفة فرصة بديلة ضائعة؛ فبدلاً من هدر تلك الموارد، كان بإمكاننا استثمار عوائدها في مشاريع تنموية أو توجيهها لتعزيز الاستدامة الاقتصادية للأجيال القادمة. لذا فإن الهدر هنا ليس مجرد فقدان للمورد، بل هو استنزاف لثروة طبيعية سُخّرت لتأمين هذه النعمة.

فإنتاج المياه المحلاة ليس عملية بسيطة، بل منظومة صناعية متكاملة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وتعمل وفق معايير تشغيلية دقيقة لضمان استمرارية الإمداد، ما يجعل كفاءة الاستهلاك جزءاً أساسياً من معادلة الأمن التشغيلي لهذه المنظومات. كما أن كل خفض في الاستهلاك غير الضروري يساهم عملياً في تأجيل استثمارات رأسمالية ضخمة لإنشاء محطات جديدة، وهو ما يمثل وفراً اقتصادياً غير مباشر للدولة ويعزز كفاءة إدارة الموارد. إن المسؤولية الحقيقية لا تبدأ من محطات الإنتاج، بل من وعي المجتمع. ونحن في بيئة صحراوية تعتمد فيها استدامة المياه والكهرباء على كفاءة إدارة الطاقة، تمثل مبادرات مثل “ساعة الأرض” فرصة مهمة لتعزيز ثقافة الترشيد، خصوصاً لدى الجيل الجديد، لترسيخ حقيقة أن أمن الطاقة لا تحققه الاستثمارات وحدها، بل يصنعه أيضاً وعي المجتمع قبل أي شيء.

فمشهد هدر المياه في غسل السيارات أو ري الأشجار بإسراف ليس مجرد تصرف عفوي، بل هو سلوك نمطي ناتج عن قصور في الوعي والحس الثقافي بدورنا في ترسيخ مفهوم الاستخدام المسؤول للموارد.

ورغم الجهود الجبارة في بناء الخزانات الاستراتيجية العملاقة، وتطوير بدائل الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية، ووضع خطط طوارئ محكمة للظروف الاستثنائية، فإن التكنولوجيا والتدابير الوقائية وحدها لا تكفي؛ فهي تمنحنا الحلول، لكنها لا تمنحنا الوعي. وهنا نجد أنفسنا أمام استحقاقات فكرية تضع سلوكنا اليومي تحت المجهر:

• هل ننتظر العدادات الذكية واللوائح الملزمة لضبط سلوكنا، بدلاً من أن يكون الترشيد قراراً واعياً نتبناه قبل أن تفرضه علينا القوانين؟

• هل نحن مستعدون سلوكياً لتقليص استهلاكنا إلى الحد الأدنى إذا واجهنا ظرفاً طارئاً؟

• هل سنصل لمرحلة تصبح فيها كفاءة الاستهلاك معياراً إلزامياً في تصميم منازلنا منذ لحظة التخطيط الهندسي؟

• هل يأتي وقت تُقاس فيه جودة الأصول والمباني بمعايير كفاءة الطاقة والمياه، كما تُقاس اليوم بمواقعها وتصاميمها؟

• هل ستتحول المعايير الخضراء من خيار هندسي إلى شرط أساسي تفرضه القوانين لتحديد نسبة مساهمة الطاقة المتجددة في كافة المشاريع؟

• وأخيراً… هل سيأتي وقت تصبح فيه كفاءة استهلاك الطاقة والمياه معياراً حقيقياً للأداء المؤسسي، ويُعد الهدر فيهما مؤشراً على ضعف الكفاءة التشغيلية؟

إن الفارق الحقيقي بين المجتمعات لا تصنعه وفرة الموارد، بل يصنعه مستوى الوعي الحضاري. وكما قال الفيلسوف إدموند بيرك:

“المجتمعات الراقية هي التي تضع القيود الذاتية قبل أن تُفرض عليها القيود الخارجية”.

فالترشيد ليس حرماناً بل وعي، وليس تقنيناً بل مسؤولية؛ فأمن الموارد لا يُختبر في أوقات الرخاء، بل يُقاس بمدى جاهزية الأفراد قبل المؤسسات في أوقات الأزمات. وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة: الأمن لا تصنعه الحكومات وحدها، بل يصنعه سلوكنا معاً. فكل قطرة ماء نقتصد فيها، وكل كيلوواط نُرشده، ليس مجرد توفير في فاتورة، بل مساهمة صامتة في أمن الوطن واستدامة مقدراته.

إن أمن الوطن يبدأ من سلوكنا اليومي؛ فالمشكلة ليست في أن الموارد قد تنفد… بل في أن الوعي قد يأتي متأخراً.

مساحة إعلانية