رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الله ناصر عباده ولو كره الكارهون، وأن هذا الدين «يبلغ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
التدبيرات الإلهية لأمور وقعت أو ما زالت تقع أمامنا، يقلب الله بها الموازين المادية والقوانين الوضعية في حياة الناس، كثيرة ومتنوعة في التاريخ البشري، وليس شرطاً أن يستوعبها منطقنا البشري القاصر، وإن كان لا يمنع من اعتبارها فرصة للتأمل والتدبر، وما قصص معركة بدر، وموسى مع فرعون، ويوسف وإخوته، وقطز مع المغول، إلا غيضاً من فيض.
ما القصة؟
بالطبع لا حدث يعلو على أحداث غزة، ولا يمكنك الحديث عن قضية إلا وجدت نفسك تربطها بغزة بصورة وأخرى. فالأمر لم يعد عادياً يمكنك المرور عليه مرور الكرام كما السنوات السابقة. التضحيات الكثيرة المبذولة في تلك البقعة الضيقة، والمشاهد غير المتوقعة، تدفع بمن في قلبه مثقال ذرة من حس وشعور بالمسؤولية وقبل ذلك إيمان بالله، إلى التوقف برهة أمام ما يجري في غزة. الأمر صار يستحق كثير تأمل ودراسة، ولا أشك لحظة في أن أعداء هذه الأمة قد انهمكوا قبلنا سريعاً في دراسة ما يجري منذ طوفان الأقصى. هذه المرة ليست ككل المرات السابقة كما أسلفنا، حين كانت تأتي القوات الصهيونية وتقصف غزة أياماً، وتهدم بيوتاً وتقتل بشراً، لتتعالى بعد ذلك أصوات هنا وهناك بالتنديد والاستنكار، ثم تهدأ الأمور فتقف عمليات إطلاق النار، ويعود الناس إلى حياتهم..
هذا السيناريو هو الذي توقعه كثيرون منذ بدايات أكتوبر الفائت، وذهب البعض إلى أن أسبوعين إلى شهر، هي مدة متوقعة ولن تزيد الحرب أو إن صح التعبير، العدوان الصهيوني على غزة أكثر من شهر.. لكن يمضي أكتوبر ليحل محله نوفمبر ثم ديسمبر، وهكذا المشهد حي مستمر ونحن على أبواب شهر مارس أو السادس للمواجهة، والتي تعتبر أطول مواجهة عسكرية بين محتلين مجرمين وأصحاب حق مؤمنين.
إن هذه المدة غير المتوقعة لهذه المواجهة العسكرية، وهذا الصمود المبهر لحركة المقاومة الإسلامية في غزة، وسقوط آلاف القتلى والجرحى والمعاقين من الطرف المحتل المجرم، وتغير دراماتيكي للمزاج العالمي تجاه الدولة الصهيونية المحتلة لأول مرة منذ سرقة فلسطين في أربعينيات القرن الفائت، واستمرار حركة التظاهر ضد المحتلين حول العالم، بل وزيادة معدلات البحث عن جذور المشكلة، وانكشاف أمر الصهاينة المجرمين لملايين البشر، لا سيما الشباب منهم، كلها مؤشرات ودلائل على أمر لا يجب أن يمر مرور الكرام علينا نحن المسلمين، بل هذا ما يجب التفكر فيه ملياً..
غزة.. حسابات سماوية
لن أخشى أو أتردد في القول بأن ما يحدث إلى يوم الناس هذا في غزة، ليس تدبيراً بشرياً، وليست من حسابات البشر، وإن بدا لنا أنها من صنعهم، لكن في رأيي الشخصي، الأمر تعمق أكثر. نعم، الأحداث بدأ بها البشر، لكن وفق تدبير إلهي، أو حسابات سماوية خارج نطاق البشر، ولن تظهر بالطبع أمرها لمن يفسرون الأمور بشكل مادي بحت، لكن من يتأمل مجريات الأحداث، سيجد أنها قد خرجت عن نطاقات حسابات البشر المادية، بل لا يمكن أن يخرج المتأمل المؤمن لهذه الأحداث بنتيجة غير هذا.. أي أن للسماء كلمتها فيما يجري.. فماذا يعني هذا؟
أمثلة من الأحداث المفصلية في التاريخ البشري وقعت بتدبير إلهي، وإن ظن الناس لسنوات طوال أنها من صنع البشر، ولا علاقة للسماء بها. خذ مثال ذلك ما كان في مصر أيام الفراعنة، وظلمهم لبني إسرائيل سنوات طوال، حتى جاء وقت تغيير هذا الظلم وزواله، ليبدأ التدبير الإلهي لخلاص بني إسرائيل من العذاب الذي كانوا عليه، لتكون قصة موسى والنهر وتربية آل فرعون له منذ الصغر، وبقية أحداث تنتهي عند البحر، حين شعر بنو إسرائيل أن نهايتهم قد دنت. فالبحر أمامهم والعدو من خلفهم، فيحدث انشطار البحر وتصفية فرعون وجنوده في لحظات، ليتغير وجه التاريخ، ويأتي من يحكم مصر غير الفراعنة.
مثال آخر نعزز به القصة الأولى، لنتأمل التدبير الإلهي المحكم الذي أدى نهاية الأمر إلى معركة بدر الكبرى، ليفرق الله بها بين الحق والباطل، بين فئة مؤمنة مستضعفة لاقت صنوفاً من العذاب، وخسرت المال والأرض والكثير من الأرواح، وفئة ظالمة متجبرة، لم تكتف بظلمها في مكة، بل أرادت تصديره للخارج، والوصول إلى حيث الفئة المؤمنة في المدينة المنورة، من أجل مسحها من الوجود، فكان الترتيب أو التدبير الإلهي لمعركة لم يخرج لها المسلمون أساساً، لكن الله أرادها معركة حقيقية، كي يخرج صناديد قريش وأكابر مجرميها، ليحدث ما حدث وتهتز بعدها القبيلة المهابة في الجزيرة، تمهيداً لتغير واقع سيبدأ من يوم انتصار المسلمين على الكافرين في بدر.
طوفان الأقصى تغيير للواقع
هكذا الآن نشعر بأن الأمور تسير في غزة. طوفان الأقصى وما ترتب أو ما زال يترتب عليه، ليس سوى تهيئة الأرضية المناسبة لتحول سياسي دولي لم يكن في حسبان أو مخططات العدو، ولا من يسانده من الغرب أو الشرق. بدأ جل العالم يشعر بضرورة وضع حد لهذا الظلم الصهيوني المدعوم غربياً، ولابد أن ينتهي أو يتم كبح جماحه لكيلا يتواصل ويتمدد وينتشر، حتى إذا ما تم كبحه ووقفه عند الحد الذي بلغه، يبدأ هذا الظلم بالانحسار شيئاً فشيئا حتى يعود صاغراً من حيث أتى. منطقياً وبحساباتنا البشرية، لا يمكن تفسير ما يحدث من صمود وقدرة المقاومة الإسلامية في غزة على البقاء فاعلاً مؤثراً، ميدانياً وسياسياً إلى يوم الناس هذا، على رغم قوة العدو والفارق الهائل بين الطرفين في العدد والعتاد، والدعم الغربي اللامحدود وخاصة في الأشهر الأولى، إلا التسليم والإيمان بأن هناك أمراً ما يثبت هذه القلة، بل ويدفعها لمقارعة العدو وإلحاق الأذى به.
لابد أن أمراً ما في الطريق لأن يحدث ويقع. لن تكون كل هذه التضحيات بلا مشهد قادم يسر المؤمنين، ويكون حسرة على الكافرين ومن معهم من منافقين ومخذلين ومرجفين. إنك حين ترى تحرك قوى رسمية وشعبية، على شكل دول ومؤسسات ومنظمات وجماهير من خارج الملة والإقليم تناصر الحق الفلسطيني، على رغم أن ما يجري قد جرى عشرات المرات، لابد وأن تتساءل عن السر في هذا، ولماذا لم يهدأ العالم؟
الجواب بكل اختصار، أن تدبيراً إلهياً للأحداث هو من يدير هذه الحراكات والحشود ولا يريد لها أن تقف، وفي الوقت نفسه يدبر أمور المقاومين، ويخلخل صفوف الأعداء والمساندين له، ليقضي الله أمراً كان مفعولا، ولا يعلم جنود ربك إلا هو. هكذا ننظر للأحداث، وهكذا نريد كل مؤمن بالله ورسوله أن ينظر إليها، ويثق بأن الله لن يخذل عباده المؤمنين المرابطين المجاهدين في غزة، ولن يجعل للكافرين عليهم سبيلا بعد الآن. وثقتنا في الله كبيرة في أن الكثير الكثير من الأمور ستتغير بعد توقف الأحداث، بل لابد أن تتغير، لأن « الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته « كما في الحديث الصحيح، وهذا هو ما ننتظره عما قريب بإذن الله.
سيقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2538
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2325
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1191
| 11 أكتوبر 2026