رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد بن عبد العزيز الكواري

وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية

مساحة إعلانية

مقالات

222

د. حمد بن عبد العزيز الكواري

حين تثري الثقافة القرار.. دور الأدب والفنون والتاريخ في بناء شخصية المسؤول

18 أكتوبر 2026 , 06:20ص

■ ما الذي تضيفه الثقافة - بما فيها الأدب والتاريخ والفكر والفنون - إلى الكفاءة؟

■ المنصب يمنح صاحبه صلاحية اتخاذ القرار أما الثقافة فتوسّع مداركه وتُضفي على قراره بُعده الإنساني

■ فهم الإنسان يحتاج إلى ما هو أبعد من الأرقام والتقارير.. والإدارة في جوهرها التعامل مع الإنسان

■ الأدب ليس مجرد كلمات جميلة ولا الشعر ترفاً لغوياً .. الأدب في جوهره محاولة لفهم الإنسان

■ ما أجمل أن يجمع المسؤول بين الحزم والرحمة وبين احترام النظام وفهم الإنسان.. فالحزم لا يعني القسوة والرحمة لا تعني التساهل

■ تراثنا الإسلامي يؤكد أن المعرفة لا تنفصل عن القيم.. والعدل والإحسان من أسس التعامل بين الناس

■ الثقافة الدينية لا تكتفي بتوسيع معرفة الإنسان بل تعمّق إحساسه بالمسؤولية وتجعله أكثر وعياً بالعدل والإنصاف

■ المؤسسات تحتاج إلى أصحاب الكفاءة ولكنها تحتاج كذلك إلى من يعرفون كيف يتعاملون مع الإنسان

لم يكن في ذهني أن أكتب عن العلاقة بين الثقافة والإدارة، حتى جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في لقاء تنظمه مبادرة «قطر تقرأ»، بالتعاون مع مركز قطر للقيادات، في مكتبة قطر الوطنية، يجمع أكثر من مائة وعشرين من القيادات من مختلف المجالات، للحديث عن دور الثقافة والأدب في تشكيل القيادة، انطلاقاً من كتاب هذا العام «وحي القلم» للأديب مصطفى صادق الرافعي، ضمن مبادرة «كتاب واحد، مجتمع واحد».

وحين تأملت موضوع اللقاء، وجدتني أتجاوز الحديث عن فضائل القراءة إلى سؤال أوسع: ما الذي تضيفه الثقافة، بما فيها الأدب والتاريخ والفكر والفنون، إلى كفاءة المسؤول وحسن إدارته ونضج قراره؟ وهل تكفي المعرفة المتخصصة والخبرة العملية وحدهما؟ ومن هنا وُلدت فكرة هذه المقالة، إيماناً بأن الإدارة، مهما بلغت من الدقة والتنظيم، تظل في جوهرها تعاملاً مع الإنسان، وأن فهم الإنسان يحتاج إلى ما هو أبعد من الأرقام والتقارير.

لقد أصبحت الإدارة علماً قائماً بذاته، له نظرياته ومناهجه وأدواته، وأصبح التخصص ضرورة لا غنى عنها في مختلف ميادين العمل. ولكن المعرفة المتخصصة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة المسؤول الناجح. فقد يمتلك الإنسان علماً واسعاً في مجاله، ويُحسن التعامل مع الأنظمة واللوائح، لكنه لا يحسن الإصغاء إلى الناس أو تقدير ظروفهم وإدراك أثر قراراته في حياتهم.

وهنا يأتي دور الثقافة، لا لتكون بديلاً عن التخصص والخبرة، وإنما لتفتح أمامهما نوافذ أوسع، وتمنح المسؤول قدرة أكبر على النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة.

  - الأدب والفنون.. حين يصبح الإنسان محور المعرفة

ليس الأدب مجرد كلمات جميلة، ولا الشعر ترفاً لغوياً، ولا الرواية وسيلة لتمضية الوقت. إن الأدب، في جوهره، محاولة لفهم الإنسان؛ أفراحه وأحزانه، وآماله وخيباته، وما يختلج في نفسه من مشاعر قد تعجز الأرقام والتقارير عن التعبير عنها.

وحين نقرأ رواية، نعيش تجارب لم نعشها، ونتعرف إلى بشر لم نلتقِ بهم، وننظر إلى الحياة بعيون تختلف عن عيوننا.

وللشعر مكانة خاصة في تهذيب الذائقة وإرهاف المشاعر؛ فهو لا يخاطب العقل وحده، بل ينفذ إلى الوجدان، ويمنح اللغة قدرة على التعبير عما تعجز عنه العبارة المباشرة. وكم من بيت شعر بقي في الذاكرة سنوات طويلة، نستحضره في موقف من مواقف الحياة، فيخفف حزناً، أو يوقظ أملاً، أو يدعونا إلى التسامح. وليس قليلاً ما يضيفه الشعر إلى شخصية المسؤول حين يجعله أكثر حساسية للكلمة، وأعمق إدراكاً لأثرها في النفوس.

وما يصدق على الشعر يصدق، بوجوه مختلفة، على الفنون الجميلة؛ فالموسيقى بما تثيره من مشاعر، والرسم والتصوير والفنون التشكيلية بما تكشفه من جمال وتفاصيل قد تمر أمامنا دون انتباه، كلها تفتح في النفس نوافذ للإحساس والتأمل. وليس المطلوب أن يكون المسؤول شاعراً أو موسيقياً أو فناناً، وإنما أن يكون له نصيب من تذوق الجمال؛ فالإنسان الذي تتسع ذائقته للجمال، ويعتاد التأمل والإصغاء، قد يصبح أكثر رهافة في تعامله مع الناس.

وهذه القدرة على فهم الإنسان ليست بعيدة عن الإدارة كما قد يبدو لأول وهلة. فالمسؤول يتعامل مع بشر، لا مع ملفات صامتة؛ وراء كل موظف أسرة وظروف وطموحات، ووراء كل قرار آثار قد تمتد إلى حياة أناس لا يعرفهم صاحب القرار شخصياً.

وما أجمل أن يجمع المسؤول بين الحزم والرحمة، وبين احترام النظام وفهم الإنسان. فالحزم لا يعني القسوة، والرحمة لا تعني التساهل، وإنما الحكمة أن يعرف الإنسان موضع كل منهما.

وفي كتاب «وحي القلم» للرافعي ما يعمق هذا المعنى. ففي مقالته «الإنسانية العليا»، وهو يتأمل شمائل النبي الكريم ﷺ وما تجسده من سمو إنساني، يقول: «فهو لا ينمو بما يكون على الناس من الحق، ولكن بما يكون للناس عليه من الواجبات».

وما أبعد هذا المعنى عن النظرة التي ترى المنصب امتيازاً قبل أن تراه مسؤولية! فالمسؤول لا تكبر قيمته بما يملكه من سلطة على الآخرين، بل بما يؤديه من واجب تجاههم. وهكذا يحوّل الأدب المعنى الأخلاقي من موعظة مجردة إلى إحساس حي.

وفي تراثنا الإسلامي ما يؤكد أن المعرفة لا تنفصل عن القيم. فالقرآن الكريم يدعو إلى التدبر والتفكر، ويجعل العدل والإحسان من أسس التعامل بين الناس. يقول تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.

وللثقافة الدينية أثر عميق في ترسيخ هذه القيم؛ فهي لا تكتفي بتوسيع معرفة الإنسان، بل تعمّق إحساسه بالمسؤولية، وتجعله أكثر وعياً بما يقتضيه العدل والإنصاف، وأشد إدراكاً لحقوق الآخرين. وحين تتحول هذه القيم من معرفة إلى قناعة وسلوك، تصبح بوصلة أخلاقية تهدي المسؤول في مواقفه، وتعينه على أن يكون العدل حاضراً في قراراته، لا مجرد مبدأ يردده.

وما أحوج صاحب المسؤولية إلى عقل يتدبر، وقلب يشعر، وضمير يزن الأمور بميزان العدل

  - التاريخ.. خبرة الذين سبقونا

وإذا كان الأدب يعيننا على فهم الإنسان، فإن التاريخ يوسع قدرتنا على فهم الحياة وتجارب الأمم.

فالتاريخ ليس مجرد سرد للحروب والأحداث وتعاقب الحكام، وإنما هو سجل طويل لقرارات اتخذها بشر، أصابوا في بعضها وأخطأوا في بعضها الآخر، فنهضت أمم وتعثر غيرها، وازدهرت حضارات ثم أصابها الضعف والانحسار.

ولطالما اعتقدت أن الخبرة الشخصية تعلم الإنسان مما عاشه، أما التاريخ فيتيح له أن يتعلم مما عاشه الآخرون.

وليس معنى ذلك أن الماضي يقدم حلولاً جاهزة لمشكلات الحاضر؛ فالأزمنة تتغير، والظروف تختلف. لكن قراءته بعقل ناقد تعين المسؤول على إدراك السياقات، وتقدير العواقب، والحذر من تكرار الأخطاء.

وقد أدرك ابن خلدون هذه الحقيقة حين تجاوز في مقدمته مجرد رواية الأخبار إلى البحث في أسباب قيام الدول وضعفها، وفي طبائع العمران وأحوال المجتمعات. ولا تزال طريقته تذكرنا بأن معرفة ما حدث لا تكتمل دون محاولة فهم لماذا حدث.

وليس من المصادفة أن بعض الخلفاء في تاريخنا الإسلامي اهتموا باختيار المؤدبين لأبنائهم، ممن يجمعون بين العلم واللغة والأدب ومعرفة أخبار العرب. فقد كان إعداد من يُرجى له أن يتولى المسؤولية يتجاوز تعليمه شؤون الحكم إلى تهذيب سلوكه، وتقويم لسانه، وتوسيع معرفته بالناس والحياة.

وكان الأدب في مفهومه القديم أوسع من جمال العبارة؛ إذ شمل حسن الخلق والسلوك والمعرفة. ولعل في ذلك درساً يستحق أن نتأمله اليوم، ونحن نعد الأجيال الجديدة لتولي المسؤوليات.

   - المعرفة التي تفرضها المسؤولية

ولدي في هذا المجال تجربة شخصية أذكرها لأنها أسهمت في تكوين قناعتي بأهمية المعرفة.

فحين عُيّنت سفيراً لبلادي وأنا في مقتبل العمر، شعرت أن المسؤولية أكبر من تجربتي، وأن الثقة التي مُنحت لي تفرض عليّ أن أكون أهلاً لها. ولم أجد أمامي سوى أن أتعلم باستمرار، وأن أجمع بين ما تمنحني إياه الممارسة اليومية وما أستطيع اكتسابه من القراءة والدراسة والتأمل.

ومنذ ذلك الحين ترسخت لدي قناعة بأن الخبرة، مهما اتسعت، تظل عرجاء إن لم تسندها المعرفة.

ولعل ما تعلمته من تلك التجربة أن المنصب لا يجعل الإنسان عالماً بما لم يتعلمه، وأن المسؤولية ينبغي أن تزيد صاحبها تواضعاً أمام المعرفة، لا شعوراً بالاكتفاء عنها.

وهذا لا يخص العمل الدبلوماسي وحده؛ فالطبيب والمهندس والاقتصادي والمعلم والمدير، كل منهم يحتاج إلى التخصص الذي يؤهله لعمله، وإلى ثقافة توسع نظرته إلى المجتمع والإنسان.

وقد عرفت الحضارة العربية والإسلامية علماء لم تحصرهم تخصصاتهم في حدود ضيقة؛ فابن سينا جمع بين الطب والفلسفة والشعر، وابن النفيس كان طبيباً ومفكراً وصاحب مؤلفات تجاوزت ميدان الطب. وفي الأدب العالمي نجد أنطون تشيخوف، الذي مارس الطب وترك أعمالاً أدبية خالدة.

وليس المقصود أن يصبح كل طبيب شاعراً، أو كل مهندس روائياً، بل ألا يتحول التخصص إلى جدار يحجب صاحبه عن سائر ميادين المعرفة.

  - حين تصل الثقافة إلى مجلس القرار

وقد يسأل قارئ: وما الذي تضيفه قراءة الأدب والتاريخ وتذوق الفنون إلى قرار إداري يتعلق بمشروع أو ميزانية أو تنظيم مؤسسة؟

إنها لا تقدم بالضرورة الحل الفني الذي يحتاج إليه المسؤول، ولكنها قد تعينه على رؤية ما لا يظهر في الأرقام، وعلى طرح أسئلة لم تكن لتخطر بباله، وعلى التفكير في النتائج قبل الاكتفاء بالإجراءات.

فقد يكون القرار صحيحاً من الناحية الفنية، لكنه يفقد كثيراً من أثره إذا اتُّخذ دون فهم لظروف الناس، أو أُعلن بلغة جارحة، أو نُفذ في توقيت غير مناسب.

والثقافة هنا لا تعطل القرار، وإنما تسهم في إنضاجه. إنها لا تجعل المسؤول أقل حزماً، بل قد تجعله أكثر حكمة في استخدام الحزم، وأقدر على الإقناع بدلاً من الاكتفاء بالأمر، وعلى الإصغاء بدلاً من الاعتقاد بأن الصواب حكر عليه.

وفي عصرنا الرقمي، حيث تتدفق المعلومات وتتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت الحاجة إلى هذا التوازن أشد إلحاحاً. فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة عمق المعرفة، وسرعة الوصول إلى الإجابة لا تضمن سلامة الحكم.

وستظل هناك مسافة بين أن نعرف ما نستطيع فعله، وأن نحسن تقدير ما ينبغي لنا فعله. وهذه المسافة لا تملؤها التقنية وحدها، وإنما يملؤها العقل الواعي، والخبرة، والثقافة، والضمير.

وأعود في ختام هذه التأملات إلى المناسبة التي أوحت لي بكتابتها، وإلى القيادات التي ستلتقي في مكتبة قطر الوطنية حول كتاب «وحي القلم».

أود أن أقول لهؤلاء المشاركين، ولا سيما الشباب منهم، ولكل من يتولى مسؤولية في مؤسسة عامة أو خاصة: لا تجعلوا القراءة أسيرة تخصصاتكم، ولا تسمحوا لمشاغل العمل أن تقطع صلتكم بالأدب والتاريخ والفكر والفنون. خصصوا من أوقاتكم ما تستطيعون لهذه المعارف، لا لتضيفوا إلى سيركم الذاتية عناوين جديدة، وإنما لتضيفوا إلى عقولكم آفاقاً، وإلى تجاربكم عمقاً، وإلى نظرتكم للإنسان مزيداً من الفهم.

فالمؤسسات تحتاج إلى أصحاب الكفاءة، ولكنها تحتاج كذلك إلى من يعرفون كيف يتعاملون مع الإنسان الذي تقوم عليه كل مؤسسة، ومن أجله تُتخذ القرارات.

ولست أدعو المسؤول إلى أن يصبح أديباً أو فناناً، وإنما إلى ألا يغيب الأدب عن حياته، ولا الجمال عن وجدانه، ولا التاريخ عن ذاكرته، ولا القيم عن قراره.

فالمنصب يمنح صاحبه صلاحية اتخاذ القرار، أما الثقافة فتوسّع مداركه، وتُضفي على قراره بُعده الإنساني.

مساحة إعلانية