رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لي أصدفاء كثيرون من الأمازيغ ومن الأكراد ومن الأقباط ومن أبناء النوبة، وهذا أمر أعتز كل الاعتزاز به، لكن صداقتي مع هؤلاء الأصدقاء لاتعني أن أجاملهم على حساب ما أتوصل إليه خلال البحث عن الحقيقة، ولا تعني بالطبع أن أتجاهل ما تقوم به حركات سياسية وثقافية أمازيغية وكردية وقبطية ونوبية من دعوات مشبوهة للانسلاخ والانفصال عن الأرض العربية بمفهومها الحضاري الرحب الذي يتسع للجميع، وهنا تبدأ المشكلة، نظرا لأن محاولاتي للتوصل إلى الحقيقة - دون تشنج أو عنصرية مزعومة - تتسبب في إغضاب الذين لا تروق لهم رؤية الحقيقة ولو في وضح النهار، وربما يكون من بين الغاضبين عدد من أصدقائي، وفي هذه الحالة أجد نفسي منطلقا للبحث عن الحقيقة، رغم أني أتألم حقا حين أفقد أي صديق، وأتذكر على الفور ما قاله أفلاطون: سقراط أستاذي وحبيبي، لكن الحقيقة أحب عندي من سقراط!
ليس سرا أني منذ سنوات عديدة أقوم برصد دعوات الانسلاخ والانفصال عن الأرض العربية، وهي دعوات مدعومة بالفعل من قوى أخطبوطية عالمية، وعلى سبيل المثال فإني كتبت هنا في الشرق عن دعوات حاقدة، تتحدث عن ضرورة أن تكون لغة مصر العربية هي اللغة القبطية، لأن اللغة العربية - في نظر مطلقي تلك الدعوات - هي لغة العرب المسلمين الذين احتلوا مصر بقيادة عمرو بن العاص! وعلى امتداد الأسابيع الأربعة الماضية بدأت أكتب عن الأمازيغ، حيث كتبت أولا عن قنبلة موقوتة في واحة سيوة المصرية التي يتركز فيها الأمازيغ المصريون، وقد حظي هذا المقال التمهيدي باستحسان كثيرين، أما ما كتبته بعد ذلك بعنوان: الأمازيغ.. ظالمون أم مظلومون؟ فقد اندفع نشطاء أمازيغيون للتصدي له من خلال رسائل تلقيتها عبر بريدي الإليكتروني أو من خلال النشر في وسائل إعلامية مغاربية، والحق أني كنت أنوي اليوم أن أواصل حلقات ما أكتبه عن الأمازيغ، لكني رأيت أن أؤجل ما كنت أنوي كتابته، لكي أستعرض بعض التعليقات، حتى لا أبدو في صورة المتغافل المتجاهل لها.
الأمازيغ ظالمون أم مظلومون؟ .. كان هذا عنوان المقال الذي نشرته الشرق يوم الخميس 14 مارس الجاري، وفي نفس اليوم تلقيت عدة رسائل، كانت أولاها من ناشط أمازيغي- جزائري هو صلاح الدين أزواز الذي عرفت منه- فيما بعد- أنه عضو في الحركة البربرية الجزائرية التي ( تطالب بترسيم اللغة الأمازيغية وإعادة الاعتبار لهويتنا الحقيقية وتمجيد رموزنا وأجدادنا وآبائنا بدل تمجيد أناس مجهولي الاصل والتاريخ)! وقد شاء صلاح الدين أزواز أن يكون عنوان ماكتبه : العرب وأدباؤهم المستعربون.. ظالمون أم مظلومون؟ وبالطبع فإن هدف العنوان واضح، وهو أن يجردني من عروبتي، ويضمني إلى قائمة المستعربين والمستشرقين الأوروبيين! ثم قال الناشط الأمازيغي بالنص ( باديء ذي بدء تقبل مني التحية، وتجاوز عن ركاكة كتابتي باللغة العربية، فهي ليست لغتي وأنا أكرهها وأكره أمتها العربية البدوية المتخلفة.. عن ماذا ننفصل؟ إنها أرضنا وكل شخص يظن أنه عربي ما عليه إلا الرحيل إلى بلاد العرب)!
وفي نفس يوم نشر المقال في الشرق، قامت جريدة- ناس هيس- الإلكترونية المغربية بنشره كاملا نقلا عنها، ولا بد أن أذكر هنا – بكل امتنان- أني قد استفدت كثيرا من مقالات تلك الجريدة التي لم أكن أعرفها- للأسف- من قبل، وعلى سبيل المثال فإني كنت أتصور أن جميع الأمازيغ مسلمون، فإذا بي أكتشف أن منهم من هم يهود، يتحدثون العبرية والأمازيغية، ويكرهون اللغة العربية حتى لو كانوا يعرفونها!
وبعد أن نشرت –ناس هيس- المغربية مقالي، قامت جريدة – الرأي المستنير- الموريتانية بنشره، وكذلك فعلت جريدة- الحدث الأزوادي- ومعها جرائد متنوعة أخرى، معظمها جرائد أمازيغية، وبعضها جرائد عربية، بل عروبية التوجه، وهذا ما جرى أيضا فيما يتعلق بمقالي المنشور في الشرق يوم الخميس 21 مارس الجاري، وكان عنوانه: الأمازيغ كما رآهم ابن خلدون، حيث نشرته أكثر من جريدة مغاربية نقلا عن الشرق.
وإذا عدت الآن لاستعراض التعليقات الكثيرة والمثيرة التي نشرتها –ناس هيس- نجد أن منها من يقول ( اعتنقنا الإسلام ولن نقبل اعتناق العروبة المتوحشة) .. كما نجد أن كل التعليقات المكتوبة باللغة الفرنسية، تصفني بأني كاتب عنصري شوفيني ومتعصب، وفي أجواء التعليق والتعليق المعاكس نجد عدة تعليقات مكتوبة باللغة العربية، ويفاخر أصحابها بأنهم عرب بكل معنى الكلمة، ونظرا لأني أدعو- في كتاباتي بصورة عامة- إلى عدم مهادنة دعوات الانسلاخ والانفصال، فإني سعدت بتعليق جميل، يرد فيه كاتبه على آخرين من المتشنجين ( لا تساهموا بتهوركم في انهيار سقوف بيوتنا، فكل شيء واضح وضوح الشمس، الأمازيغ أمازيغ، والعرب عرب، وكم من أمازيغي تعرب، وكم من عربي تمزغ، وكلنا-في النهاية- شعب واحد، أفلا تنظرون وتعقلون؟! أظن أن هذا التعليق يمكن أن يكون مسك الختام، مع محبتي لكل من اتفق أو اختلف معي بشأن محاولاتي للتوصل إلى الحقيقة.
صدارة وجدارة
كان من الطبيعي أن يتصدر اسم دولة قطر قائمة الدول العربية والإسلامية الأكثر تأثيراً لعام 2025 وأن تكون... اقرأ المزيد
114
| 13 يناير 2026
مناورات العدالة الصينية حول تايوان
في نهاية ديسمبر الماضي أجرى الجيش الصيني مناورات عسكرية حول تايوان هي الأضخم منذ 2022 انطلقت تحت مسمى... اقرأ المزيد
249
| 13 يناير 2026
بهجة الإنسان
تقول الدراسات إنه لكي يعيش المرء حياة مُرضية يجب أن يتوافر له ثلاثة أمور، هي المعنى والإنجاز والبهجة.... اقرأ المزيد
159
| 13 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1284
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1119
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1038
| 07 يناير 2026