رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

504

د. أحمد المحمدي

«ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا»

29 مارس 2025 , 02:00ص

(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا)

إنها آية تُشرق على القلب إشراق الشمس في كبد السماء، فتملؤه يقينًا، وتهديه إلى أدب العبودية، ليبصر الإنسان ضعف نفسه ويعلم أن المُلك لله وحده، يُصرِّف الأمور كيف شاء، ويمحو ويثبت وعنده أمّ الكتاب.

ففي سورة الكهف تجتمع قصص تُزهر بالعبر وتَفيض بالحكمة، ومن بينها قصة هذه الآية التي نقلها أهل الرواية والتفسير، فقد كان المشركون قد اجتمعوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وأثاروا عليه أسئلتهم، يسألونه عن أهل الكهف وذي القرنين، وهو النبي الذي لا ينطق عن الهوى، لكنه بشر يوحى إليه، فوعدهم بالجواب في غده، ولم يقل: «إن شاء الله»، فكان أن مضت الأيام ولم يأت الوحي، ومضت معها لهفات السؤال والترقب، حتى أذن الله بعد ثلاثة أيام، وقيل خمسة عشر يومًا، بنزول الجواب، وكان في هذا التأخير درسُ النبوة الخالدُ، عتابٌ لطيفٌ من السماء، يُقوِّمُ الخطى، ويُعلِّم البشرية كيف يكون الأدب مع الله.

وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم إلا بشرًا يعتريه ما يعتري البشر؟ فقد نسي أن يُعلِّق أمره على مشيئة الله، كما نسي آدمُ من قبل، فنزلت الآية الكريمة تُعلِّم النبيَّ وأمَّته درسَ الأبدِ في الاستسلام للمشيئة العليا: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}، فإنما الأمر بيد الله، يُدبِّره كيف يشاء، وليس للعبد إلا أن يكون بين يدي مولاه، مُعلِّقًا أمله على إرادته وحكمته.

وقد كان لهذا التأخير حكمةٌ ظاهرةٌ، وكرامةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ أجاب الله سؤله، وأبان الحق للخلق، على خلاف ما كانت سنة الله في أقوامٍ كابروا وعاندوا، ثم علَّمه ربُّه بهذا الدرس أرقى مقامات الأدب مع الخالق، ورفعه إلى ذروة العبودية حيث لا قول إلا بمشيئة الله، ولا فعل إلا بإذنه. فكان في تأخير الجواب رحمةٌ وأدبٌ، وكان في نزوله نورٌ وهدى.

ولقد شاء الله أن يُجري هذا العتاب على لسان الوحي كما جرى على لسان النبي من قبل في قصة سليمان عليه السلام، حين قال: «لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة غلامًا يقاتل في سبيل الله»، ولم يقل: «إن شاء الله»، فكان أن لم تحمل منهن إلا واحدة وولدت شِق غلام. فأراد الله أن يعلم أنبياءه وأولياءه أن الأمر كله إليه، وأن العبد لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا إلا أن يشاء الله.

ثم يأتي بعد ذلك من البلاغة الربانية أمرٌ يُصلِح الغفلة ويُرشد الضال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}، وكأن الذكر طوق نجاة يُنتشل به القلب إذا سقط في بحر الغفلة، فما أن يذكر العبدُ ربَّه حتى يُعيده الذكرُ إلى جادَّة الصواب، ويُرجِعه إلى حضرة الافتقار والانكسار بين يدي الله.

ألا فليعلم المؤمن أن العزم على الخير واجب، ولكن تعليق الأمر بمشيئة الله أوجب، فإن النفس قد تنوي الطاعة، لكنها تظل في قيد العجز ما لم ينهضها الله إليها، ولا حول للعبد ولا قوة إلا بالله. فليكنْ ذِكرُ المشيئة من الإنسان كالروح في الجسد، يسبق خطواته في كل طريق، ويَسبق كلماته قبل أن ينطق، فلا يتكئ على عزمه، بل يتكئ على حول الله وقوته.

{وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا}، فهذه هي الكلمة التي يجدر بالمؤمن أن يجعلها لواءه، فهي الاعتراف الصريح بأن الهداية بيد الله وحده، وأنه لا مطمع في الرشاد إلا من طريق الله، فإذا أراد العبد أمرًا، واستقبل غدَهُ بعزم، فليرفع بصره إلى السماء وليقل: «إن شاء الله»، فبهذه الكلمة يكون في أمنٍ من العجب، وسلامةٍ من الغرور، وتوفيقٍ إلى الصواب.

ذلك هو أدب العبودية الذي يرفع العبد من مراتب الاعتماد على النفس إلى مقامات التسليم لأمر الله، وذلك هو الدرس الذي نزل من فوق سبع سماوات ليعلِّم الإنسان أنه ضعيف، وأن القوة والعلم والإرادة كلها بيد الله، فتعلَّم يا عبد الله، فإن هذا هو سر النجاة.

اقرأ المزيد

بين الغدر والخيانة بين الغدر والخيانة

سألني: ما الفرق بين الغدر والخيانة؟ فقلت: الخيانة نقض للأمانة، والغدر نقض للعهد بعد توكيد الأمان؛ ولذلك كانت... اقرأ المزيد

408

| 01 سبتمبر 2026

أواسيك في الحفاء أواسيك في الحفاء

جاء في «مكارم الأخلاق» لابن أبي الدنيا أن محمد بن المنكدر قال: «كنت أمشي مع الخليل، فانقطع نعلي،... اقرأ المزيد

285

| 23 أغسطس 2026

بين بحر وبطن وغار بين بحر وبطن وغار

ثلاثة مشاهد بلغ فيها العجز الإنساني منتهاه: موسى وقومه بين بحر لا يعبرونه وجيش لا يرحمهم، ويونس في... اقرأ المزيد

150

| 15 أغسطس 2026

مساحة إعلانية