رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على مدى أسبوع كامل حفل مؤتمر الأونكتاد الثالث عشر بتغطية إعلامية كبيرة على خلفية انعقاد جلساته في الدوحة وهو ما ترتب عليه ترأس دولة قطر لأعماله في السنوات الأربع التالية. وقد خطر ببالي أن أسأل عددا من الشباب عن مدلول لفظ الأونكتاد في أذهانهم فتبين لي أن الكثيرين قد توقفوا عند مقولة إنه مؤتمر ينعقد الآن في قطر، ولم يتجاوزوا ذلك لما هو أبعد وأقصد بذلك ماهية الأونكتاد؟ وما أهميته في عالمنا المعاصر؟ وماذا فعل في الدوحة؟
بداية أشير إلى أن كلمة الأونكتاد هي اختصار لما يعرف بـ "مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والتجارة" وقد تأسست هذه المنظمة الدولية في عام 1964، بعد أن تزايدت مخاوف الدول النامية من وضعها في ظل نظام عالمي انقسم بعد الحرب العالمية الثانية بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي. وكان العالم قد نجح في تأسيس كافة المنظمات الدولية التي تعنى بالشؤون المختلفة من أمن وتعليم وطفولة وطاقة وعمالة ولاجئين.....إلخ، وفشل في إنشاء منظمة تعنى بشؤون التجارة حتى العام 1994 عندما تأسست منظمة التجارة العالمية. وقد لعبت مؤتمرات الأونكتاد المتعاقبة التي انعقدت دورياً كل أربع سنوات، دوراً مهماً في تذليل الصعاب التي اعترضت طريق إنشاء منظمة التجارة العالمية. وقبل أن نعرض للنتائج التي أسفر عنها المؤتمر الثالث عشر بالدوحة، فإنني أستعرض بعضاً من إنجازات هذه المنظمة في تاريخها الذي يمتد لقرابة نصف قرن من الزمان.
- انعقد أول مؤتمر للأونكتاد في جنيف عام 1964. ونظرا لحجم المشاكل التجارية والتنموية المطروحة آنذاك، وضرورة التصدي لها، فقد تقرر انعقاد المؤتمر كل أربع سنوات، مع إنشاء أمانة دائمة توفر الدعم الفني واللوجستي اللازم لأعمال المؤتمر. وقد تم تجميع البلدان النامية- أو ما يعرف بدول الجنوب- في مجموعة واحدة أطلق عليها جي77 للتعبير ككتلة عن تطلعاتها ومخاوفها، ثم انضمت إليها الصين فباتت تعرف بـ جي77+1 مع ملاحظة أن عدد أعضاء هذه المجموعة وصل اليوم إلى 131 دولة، من أصل 193 دولة عضو في الأونكتاد. وقد وفر الأونكتاد محفلاً حكوميا دولياً للحوار بين دول الشمال والجنوب، ولإجراء المفاوضات حول القضايا التي تهم البلدان النامية، بما فيها المناقشات حول "نظام اقتصادي دولي جديد". ومن بين ما أنجزته الأونكتاد في الماضي:
- إقرار ما يُعرف "بنظام الأفضليات المعمم في التجارة" في عام 1968، بما يوفر لمنتجات الدول النامية فرصاً أفضل للوصول إلى أسواق الدول المتقدمة.
- تعريف العالم بمشاكل ما يُعرف بمجموعة البلدان الأقل نمواً LDC اعتبارا من العام 1971، ولفت الانتباه إلى الاحتياجات الخاصة لهذه البلدان الأكثر فقرا، وأصبحت الأونكتاد جهة التنسيق داخل منظومة الأمم المتحدة المعنية بأقل البلدان نموا لمعالجة القضايا ذات الصلة بالتنمية الاقتصادية فيها.
- ساعدت الأونكتاد في بلورة معيار اقتصادي عالمي لحجم المساعدات التي تقدمها دول الشمال الغنية إلى البلدان الأكثر فقراً، وهو نسبة 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة غنية، وهو المعيار الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1970.
- كان للمساعدات التقنية التي قدمتها الأونكتاد إلى البلدان النامية أهمية خاصة في جولة أوروغواي للمفاوضات التجارية، والتي كانت قد بدأت في إطار الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) في عام 1986. وكانت للنجاح في تلك الجولة أهمية بالغة في تمهيد الأجواء لقيام منظمة التجارة العالمية. كما قامت الأونكتاد بدور رئيسي في دعم المفاوضات من أجل إنجاز الاتفاق العام للتجارة في الخدمات "جاتس" في عام 1998.
- توسعت وتنوعت المساعدات التقنية التي تقدمها الأونكتاد، وأصبحت اليوم تغطي مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك المفاوضات التجارية والتدريب، ومعالجة القضايا ذات الصلة بالتجارة، وإدارة الديون، وعمليات استعراض سياسات الاستثمار وتشجيع روح المبادرة؛ والسلع الأساسية؛ وقانون سياسة المنافسة، والتجارة والبيئة.
- وافقت الأونكتاد على اعتماد مجموعة متعددة الأطراف من المبادئ والقواعد المنصفة من أجل مكافحة الممارسات التجارية التقييدية. وقد تطور هذا العمل لاحقا إلى ما يعرف اليوم بـ "سياسات التجارة والمنافسة".
- أكدت الأونكتاد في مؤتمرها العاشر في بانكوك عام 2000، على ضرورة اتباع نهج مختلف لمشاكل البلدان النامية، فأصدر ما عرف باسم "روح بانكوك" - باعتبارها "أجندة إيجابية" بالنسبة للبلدان النامية في المفاوضات التجارية الدولية، وتهدف إلى مساعدة البلدان النامية في فهم أفضل لتعقيدات المفاوضات التجارية متعددة الأطراف وفي صياغة مواقف تلك الدول منها.
ومع دخول العالم في معترك الأزمة المالية العالمية منذ عام 2008، والتي عصفت بالاقتصادات المتقدمة، فإن أجواء جديدة قد طرأت على المشهد الاقتصادي العالمي وبات من الضروري إعادة النظر في تركيبة المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتم بالفعل توسيع عضوية مجموعة ما يُعرف بالدول السبع الكبرى جي7 إلى جي20 لتضم دولاً فاعلة في الساحة الدولية مثل الصين والبرازيل والهند والسعودية. إلا أن ذلك لم يساعد حتى الآن في تغيير قواعد اللعبة في الساحة الاقتصادية الدولية.
ورغم أن إعلان الدوحة عن المؤتمر-بشأن التنمية المستدامة- لم يصدر حتى ساعة كتابة هذا المقال إلا أن ما تسرب عنه من تصريحات يشير إلى تركيزه على الأزمة المالية وتداعياتها على التنمية في البلدان النامية، والاتجاه إلى اضطلاع مؤتمر الأونكتاد في السنوات المقبلة بدور مهم في الحد من آثار الأزمة المالية العالمية عبر رفع التوصيات والإرشادات إلى المؤسسات المالية الدولية والمجموعات المعنية مباشرة بهذا الملف الشائك، وعبر إطلاق مشاريع للتنمية تعزز من قدرة الدول على مواجهة تداعيات هذه الأزمة. وستمنح وثيقة الدوحة الأونكتاد ولاية جديدة بصلاحيات واسعة اخترقت الأهداف التي تأسس من أجلها المؤتمر، لتشمل مناقشة قضايا التغيرات المناخية وتأثيرها على التنمية، والخدمات والتكنولوجيا، والاستثمار".
ومن الواضح أن انعقاد الأونكتاد في قطر - وهو ما يحدث لأول مرة في دولة عربية منذ انطلاقته الأولى عام 1964- يعتبر إنجازاً كبيراً لدولة قطر، يضاف إلى نجاحاتها السابقة في استضافة المؤتمرات الكبيرة، كما أن نجاحها في صياغة إعلان الدوحة على النحو الذي سيصدر به يدعم الجهود القطرية التي يبذلها حضرة صاحب السمو الأمير المفدى في الساحة الدولية من أجل إحقاق الحق ونصرة القضايا العادلة للشعوب المقهورة وتحقيق التنمية المستدامة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3972
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2328
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1914
| 24 مارس 2026