رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتهى مؤتمر « شكرا تركيا » والذي اختتم بحشد كبير كتب فيه الآلاف ،والذي اختتم بحشد كبير كتب فيه الآلاف ،« شكرا تركيا » انتهى مؤتمر اعترافا بفضلها، لما ،« شكرا تركيا » من الجاليات العربية بأجسادهم لها من جهود ومواقف إنسانية لا تدانيها فيها دولة أخرى، في إيواء المشردين، ونجدة الملهوفين، والدفاع عن قضايا المستضعفين، حتى أضحت الوجهة الآمنة للمضطهدين والملاذ الآمن للمضيومين، حيث استقبلت عدة ملايين من الفارين من الحروب، والملاحقين من الأنظمة المستبدة، ولو فعلت دولة أوروبية عشر ما فعلته تركيا لتغنت بذلك إلى الأبد، ولقلدت وسام الحرية وحقوق الإنسان. وكل هذا حق تحمد عليه، وتشكر لأجله، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله. لكني أشكر تركيا من زاوية أخرى، أشكرها من حيث مثلت نموذجا حضاريا للمشروع الإسلامي المعاصر، فأحسنت وأجادت، ووضعت حدا للذين كانوا يتهكمون على أصحاب المشروع الإسلامي من قبل، وكانوا يقولون: أي مشروع إسلامي تريدون: مشروع إيران، أم مشروع أفغانستان؟ ولم يكن أمامنا مشروع قائم يمثل الفكرة الإسلامية الإصلاحية لنرد به على هؤلاء المتعالمين، وكان العلماء يكتفون بالرد عليهم نظريا، ويتحدثون عن صورة الإسلام التي ننشدها، متجنبين السلبيات التي وقعت فيها التجارب السابقة. فلما قام المشروع الحضاري الإسلامي التركي نستطيع أن نقول بكثير من الاطمئنان: هذا تطبيق أمين، وترجمة صادقة للمشروع الإسلامي المعاصر ؛ فهل حقا كنتم أيها الكارهون للمشروع الإسلامي تفتقدون هذه الصورة؟ أم أنها كانت تكئة لتشويه صورة الإسلام والمنادين بمشروعه الحضاري؟ وهل سترفعون القبعة احتراما لهذا النموذج الحضاري؟ أم أنكم ستناصبونه العداء؟ حكومة تركيا التي تمثلت قيم الإسلام وحضارته ومعالمه، تركت الشعارات والأقوال، وعملت في صمت، وتركت إنجازاتها تتحدث عنها، وضربت مثلا للنموذج الحضاري الإسلامي الذي يرتقي بالشعوب، وينهض بالبلاد، ويحترم العهود والمواثيق، ويحافظ على الحريات. وسيشهد التاريخ أن حكومة الإسلاميين في تركيا واجهت معارضيها بخراطيم المياه، ولم تقصفهم بطائرات الميج أو السكود، ولا ببراميل الموت والدمار. هذا النموذج الناجح أزعج الغرب، فهم لا يريدون نموذجا ناجحا لتطبيق الإسلام، يغري الآخرين، ويقنع الشعوب بعظمة الإسلام وقدرة أبنائه على بناء حضارة ونهضة تقوم على دعائم هذا الدين، وإنما الذي يروق لهم أن يصدروه للعالم عن الإسلام من خلال آلتهم الإعلامية القوية، صورة داعش، والإرهاب، وتسليط الضوء على قسوة العقوبات في الإسلام، وإبرازها في صورة الوحشية والهمجية.
وقد وقفت على تقرير يبرز إنجازات حكومة تركيا خلال عشر سنوات في عام ٢٠١٣ ، سأقتبس منه ما يفي بالغرض، وآثرت أن أدع الإحصاءات والأرقام تتحدث عن التطور الهائل الذي حدث، حتى نتبين الطفرة التي شهدتها تركيا الحديثة، ومدى تحقيق حكومة تركيا لمقاصد الحق، ومصالح الخلق من الحرية والعدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان وتشييد أعمدة النهضة الاقتصادية والعلمية والصحية والعسكرية، في الوقت الذي يتهم فيه بعض الإسلاميين أردوغان
بالعلمانية، وأنه لم يأخذ على عاتقه تطبيق الشريعة الإسلامية، ولم يع هؤلاء أن تطبيق الشريعة إنما هو مضامين لا عناوين، وتطبيقات لا شعارات، والعبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، وهل هؤلاء عمريون أكثر من عمر حين قبل أن يأخذ الجزية من نصارى تغلب باسم الصدقة، حين استنكفوا أن يأخذها منهم باسم الجزية. ففي مجال الاقتصاد تمكنت حكومة الإسلاميين الأتراك من تحويل تركيا من دولة فقيرة تعيش تحت وطأة الديون. إلى واحدة من أقوى ١١
اقتصادا في العالم.
وسدّدت عجز الميزانية البالغ ٤٧ مليارا، وكانت آخر دفعة للديون التركية ٣٠٠ مليون دولار، تم تسديدها في يونيو ٢٠١٣ للبنك الدولي، بل وصل الأمر أن أقرضت تركيا البنك الدولي ٥ مليارات، إضافة إلى وضع ١٠٠ مليار في الخزينة العامة.
وكان دخل الفرد في تركيا ٣٥٠٠ دولار سنويًا فارتفع عام ٢٠١٣ إلى ١١ ألف دولار! وهو أعلى من نسبة دخل المواطن الفرنسي، ورفعت قيمة العملة التركية إلى ٣٠ ضعف، وارتفعت الرواتب والأجور بنسبة .٪ ٣٠٠ ٪، وانخفضت نسبة البطالة من ٣٨ ٪ إلى ٢ وفي مجال التجارة أصبحت صادراتها ١٥٣ مليار بعد أن كانت ٢٣ مليار، وتحتل السيارات المركز الأول، تليها الإلكترونيات. وتبنّت الحكومة عملية تدوير القمامة لاستخراج الطاقة وتوليد الكهرباء ؛ ليستفيد منها ثلث سكان تركيا، وقد وصلت الكهرباء إلى ٩٨ ٪ من منازل الأتراك في المدن والأرياف، وزرعت مليارين و ٧٧٠ مليون شجرة مثمرة. وفي مجال الدفاع صنعت تركيا ولأول مرة في عهد حكومة مدنية، أول دبابة مصفحة، وأول ناقلة جوية، وأول طائرة من دون طيار، وأول قمر صناعي عسكري حديث متعدد المهام، في الوقت الذي كانت فيه إنجازات حكومات عسكرية في المنطقة العربية إنتاج المكرونة والصلصة والكفتة والبيض. وفي مجال التعليم، بنت حكومة تركيا
١٢٥ جامعة جديدة، و ١٨٩ مدرسة، و ١٦٩ ألف فصل دراسي حديث حتى لا يتجاوز عدد الطلاب بالفصل ٢١ طالبا، وفاقت ميزانية التعليم والصحة ميزانية الدفاع. وعندما رفعت الجامعات الأمريكية والأوروبية الرسوم الجامعية إثر الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت أوروبا وأمريكا، أصدرت الحكومة التركية مرسومًا يجعل الدراسة في كل الجامعات والمدارس التركية مجانية وعلى نفقة الدولة! وفي مجال الصحة أنشأت ٥١٠ مستشفيات جديدة، وأولت العناية الصحية اهتماما كبيرا. وفي مجال البحث العلمي، تمّ إنشاء ٣٥ ألف قاعة مختبر لتكنولوجيا المعلومات، وقواعد بيانية حديثة يتدرب الشباب الأتراك فيها، وتعمل الدولة جاهدة لتفريغ ٣٠٠ ألف عالم للبحث العلمي للوصول إلى عام ٢٠٢٣ ، وهو العام الذي حدده أردوغان لتصبح تركيا القوة الاقتصادية والسياسية الأولى في العالم. يبقى أن أقول: إن هذه الحكومة التي يتهمها البعض بالعلمانية أعادت تدريس القرآن والحديث النبوي إلى المدارس الحكومية بعد تسعة عقود من الحكم العلماني، وأقرت قانون حرية ارتداء الحجاب في الجامعات الحكومية ودار القضاء، وهي التي أجبرت إسرائيل على الاعتذار عن ضربها لسفينة مرمرة التي كانت متوجهة إلى غزة، واشترطت لقبول الاعتذار رفع الحصار عن غزة.
الكورة في ملعبك
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام... اقرأ المزيد
603
| 02 يونيو 2026
عندما يُكتب تاريخ الرياضة القطرية فإن بعض الأسماء لا تُذكر بوصفها شخصيات رياضية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من... اقرأ المزيد
183
| 02 يونيو 2026
البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"
لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل... اقرأ المزيد
186
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4836
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2706
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
1872
| 02 يونيو 2026