رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يرى بعض العلماء أن ذاكرة السمك لا تتجاوز ثلاث ثوان، لذا يظل يقبل على التهام الطُعم كلما أُلقي إليه دون إدراك لمكامن الخطر، فمن ثمّ يُوصف من ينسى سريعا بأنه صاحب ذاكرة سمكية.
في غزة وحدها، يقطع المواطن المسافات البعيدة سيرًا على الأقدام، باتجاه نقاط توزيع الطعام المحدودة، أملًا في الحصول على ما يسد الرمق، يفعل وهو بكامل لياقة ذاكرته التي سجلت مشاهد القصف الإسرائيلي المتكرر لمنتظري المساعدات.
لم يحمل الغزاوي ذاكرة سمكية، وليس مُغيَّب الإدراك عن مواطن الخطر، بل يتجه إلى نقاط التوزيع وهو يقلب بصره بين أكياس الطحين، وبين السماء التي يحذر أن تطل منها إحدى طائرات الغدر لتجهز عليه وهو يُمنّي نفسه بدخول بيته بوجبة تشبع البطون الخاوية إلى حين.
ليس هناك أشد فتكا بالإنسان من الجوع، ولذا عندما رتب علماء النفس الحاجات الإنسانية جعلوا على رأسها الحاجات الفسيولوجية من طعام وشراب لأنها تتعلق بغريزة حب البقاء، وقدموها على الحاجة إلى الأمان، لذا لا تأخذنا الدهشة ونحن نرى سكان القطاع المنكوب وهم يغامرون بحياتهم من أجل الغذاء، فالمعادلة الوحيدة في هذا الشأن: موتٌ محقق بدون الغذاء، واحتمال النجاة بالحياة والطعام حال المغامرة.
أما وإننا بمنأى عن مثل هذه المعاناة، فإننا لا ندرك بشاعة هذه المشاهد، التي يختار فيها المواطن الغزاوي بين الموت جوعًا والموت قصفًا.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أطلق إحدى أبرز فكاهات العصر، عندما قال: «الناس يموتون في غزة ولا أحد يقدم المساعدة لسكان القطاع، بينما نفعل نحن».
هي فكاهة، هكذا اعتبرتها، بل هي كوميديا سوداء يكون فيها الضحك حتى البكاء، خليط من الحقيقة المبتورة والتدليس والسخرية. «الناس يموتون في غزة»، نعم هم يموتون بصواريخكم وقنابلكم يا سيادة الرئيس التي أغدقتم بها على الاحتلال الصهيوني، ويموتون جوعًا بمباركتكم لهذا الحصار المفروض على القطاع.
«ولا أحد يقدم المساعدة لسكان القطاع»، نعم صدقت يا سيد البيت الأبيض، لا أحد يقدم المساعدات والفضل يعود إليكم، فبينما تتفاخرون وتتباهون بأنكم أوقفتم الحرب الإيرانية الإسرائيلية التي أرعبت العالم وجعلته على شفا الدمار، ضننتم على أهل غزة بدخول المساعدات التي تكدست على المعابر لإنقاذ الجوعى، استجابة لطفلكم المدلل، فهل كنتم تعجزون عن الضغط على الاحتلال في السماح للمدنيين الذين لم يمسكوا بندقية ولم يطلقوا رصاصة بأن يسدوا الرمق لكي يعيشوا؟
«بينما نحن نفعل»، نعم هذا هو الاستثناء، أنت وحدك أيها الرئيس من يفعل، أمريكا وحدها هي من تقدم المساعدات، ولنكن أكثر دقة في تعبيرنا: تنصبون مصائد الموت.
آلية المساعدات الوحيدة التي سمحت بها أمريكا وفرضتها قسرًا، جاءت عن طريق مؤسسة غزة الإنسانية المشبوهة، والتي حذر أجيث سونغاي ممثل مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في غزة، من أنها تفتقد للإنصاف والحياد والاستقلالية وتنطوي على إذلال يفاقم معاناة الفلسطينيين.
لكن نقاط التوزيع التابعة لهذه المؤسسة، أضحت مصائد قاتلة للغزاويين، فعلى مدى شهر كامل من بدء عمل هذه المؤسسة، يتعرض السكان الذين ينتظرون توزيع المساعدات إلى القصف الإسرائيلي الوحشي على مرأى ومسمع من العالم – وترامب أيضا- لتخييرهم بين الموت جوعًا أو الموت بالصواريخ، ثم يتفاخر الرئيس الأمريكي بأن بلاده وحدها من تقدم المساعدات لسكان غزة.
الشركة الأمريكية المخولة بتوزيع المساعدات، لا تكتفي بأنها نقاط محدودة تجبر السكان على قطع المسافات الطويلة للحصول على ما يسد الرمق، ولا تكتفي بأنها وسيلة استدراج يومي لقتل أهل غزة بالقصف الإسرائيلي، فقد أضافت إلى مهامها الإجرامية مهمة العبث القذر في النسيج المجتمعي والصحة العقلية والنفسية للسكان، إذ تم توثيق العثور على أقراص مخدرة من نوع «أوكسيكودون» داخل أكياس الطحين التي توزع على أهل غزة، ما ينذر بلون جديد من ألوان المعاناة الكارثية التي يواجهها القطاع تعد امتدادا لجريمة الإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال ضد غزة.
سحقا لهذا العالم الذي لا يستطيع اتخاذ قرار عملي بإنقاذ أهل غزة من الموت جوعًا، لكننا لن نفرط في إدانة الغرب والشرق على جريمة الصمت، فأول من يدان هم الذين يرفعون شعار الإسلام والعروبة وجلسوا على مقاعد المتفرجين.
جرد لأحداث عام ودعناه بين الألم والأمل
أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس... اقرأ المزيد
84
| 02 يناير 2026
صوتي في جيب المعطف
لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام... اقرأ المزيد
168
| 02 يناير 2026
في زمن الضجيج الرقمي: لماذا أصبح العمل العميق فعلَ مقاومة؟
أصبح التركيز في عصر الشاشات والخوارزميات من أندر الموارد التي يمتلكها الإنسان المعاصر. ففي زمن يُمجَّد فيه الانشغال... اقرأ المزيد
27
| 02 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إحسان الفقيه
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1668
| 28 ديسمبر 2025
تستضيف المملكة المغربية نهائيات كأس الأمم الإفريقية في نسخة تحمل دلالات عديدة على المستويين التنظيمي والفني، حيث يؤكد المغرب مرة أخرى مدى قدرته على احتضان كبرى التظاهرات القارية، مستفيدًا من بنية تحتية متطورة وملاعب حديثة وجماهير شغوفة بكرة القدم الإفريقية. مع انطلاق الجولة الأولى للبطولة، حققت المنتخبات العربية حضورًا قويًا، إذ سجلت مصر والمغرب والجزائر وتونس انتصارات مهمة، مما يعكس طموحاتها الكبيرة ورغبتها الواضحة في المنافسة على اللقب منذ البداية. دخل منتخب المغرب، صاحب الأرض والجمهور، البطولة بثقة واضحة، معتمدًا على الاستقرار الفني وتجانس اللاعبين ذوي الخبرة. كان الفوز في المباراة الافتتاحية أكثر من مجرد ثلاث نقاط، بل رسالة قوية لبقية المنافسين بأن «أسود الأطلس» عازمون على استغلال عاملي الأرض والجمهور بأفضل صورة ممكنة. أما منتخب الفراعنة، صاحب الرقم القياسي في عدد الألقاب، فقد أظهر شخصية البطل المعتاد على البطولات الكبرى، وقد منح الانتصار الأول للفريق دفعة معنوية كبيرة، خاصة أن بدايات البطولات غالبًا ما تحدد الطريق نحو الأدوار المتقدمة. من جهته، أكد المنتخب الجزائري عودته القوية إلى الواجهة الإفريقية، بعد أداء اتسم بالانضباط التكتيكي والفعالية الهجومية. أعاد الفوز الأول الثقة للجماهير الجزائرية، وأثبت أن «محاربي الصحراء» يملكون الأدوات اللازمة للمنافسة بقوة على اللقب. ولم تكن تونس بعيدة عن هذا المشهد الإيجابي، حيث حقق «نسور قرطاج» فوزًا مهمًا يعكس تطور الأداء الجماعي والقدرة على التعامل مع ضغط المباريات الافتتاحية، مما يعزز حظوظهم في مواصلة المشوار بنجاح. كلمة أخيرة: شهدت الجولة الأولى من البطولة مواجهات كروية مثيرة بين كبار المنتخبات العربية والأفريقية على حد سواء. الأداء المتميز للفرق العربية يعكس طموحاتها الكبيرة، في حين أن تحديات المراحل القادمة ستكشف عن قدرة كل منتخب على الحفاظ على مستواه، واستغلال نقاط قوته لمواصلة المنافسة على اللقب، وسط أجواء جماهيرية مغربية حماسية تضيف مزيدًا من الإثارة لكل مباراة.
1122
| 26 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
828
| 29 ديسمبر 2025