رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان من المأمول أن يكون في السجن لا أن يكون ضيفاً على مشرعين في أكبر جهاز تشريعي في العالم، والدعوة في نظر الكثيرين كانت سقطة واستفزازا للمشاعر، بل وصادمة للعالم أجمع.
كما تضررت إلى حد كبير صورة (الكابيتول) وهو رمز لأعرق الديمقراطيات في التاريخ.
الغرابة والاستهجان لا ينحصران في الدعوة بحد ذاتها وفي هذا الظرف بالذات وجريمة الابادة الجماعية والتهجير والتطهير العرقي تجري حتى الساعة ودون هوادة، بل في هذا الحماس المنقطع النظير والترحيب المبالغ فيه عمداً! بينما لا يستحق عنونة الخطاب بأفضل من (فن تزوير الوقائع وقلب الحقائق.. بلا حدود!).
هذا هو الخطاب الرابع يلقيه نتن ياهو امام الكونغرس منذ ان تقلد منصب رئيس الوزراء، وقال لهم فيه باختصار (هذه رؤيتي وعليكم التكيف معها، وهؤلاء هم اعدائي وعليكم الاستعداد لهم).
تضمن الخطاب وعلى مدى خمس وخمسين دقيقة، خمسا وخمسين كذبة قام لها المشرعون وقعدوا خمسا وخمسين مرة وصفقوا بحماس مفرط! وربما كانوا حريصين على ألا تفوتهم لقطة كاميرا او عين راصد ورضا منظمة (الآيباك) غاية وأمل ان لم تكن خوفا ورهبة!.
وفي كل مرة كان التصفيق يدوي في ارجاء الصالة كانت الدماء تسيل على ارض غزة، اما لقتل طفل او امرأة او رجل او شيخ عجوز، لقد جاء لواشنطن ولم يسأله أحد: ترى كيف تركت غزة؟ كيف اهملت الاسرى كل هذه الفترة؟ وما تنوي فعله في اليوم التالي؟.
غاب، وتعفف عن هذا الموقف المخجل، رغم الترغيب والترهيب، كوكبة من 124 عضوا احترموا انفسهم وقرروا النأي بالنفس ولم يشاركوا، أما كيف امتلأت مقاعد الصالة فالفضل يعود إلى امريكيين من العامة استدعوا على عجل للضرورة وما هم بأعضاء كونغرس!.
مهما توسعنا في الحديث عن سلوك واخلاق نتن ياهو فلن نضيف جديداً، فقد عرفته الارض المحتلة بل والبشرية اجمع بأنه «الاكذب» والاوحش، والأبشع، والأرهب في ارتكاب جرائم الفصل العنصري والتهجير القسري والابادة وجرائم ضد الإنسانية.
لكن السؤال يوجه لحفدة «الآباء المؤسسين» اولئك الذين كتبوا وثيقة الاستقلال والدستور الأمريكي وحرصوا ان تكون ركائزه: العدالة، والحرية، والمساواة، والحق في السعي وراء السعادة.. اين باتوا من هذه المبادئ الرفيعة؟ لقد حنثوا بقسمهم في الالتزام بالدستور الأمريكي والمبادئ التي كتب على اساسها، واعلنوا اصطفافهم وتأييدهم لجزار أعاد إلى الأذهان الهولوكوست / المحرقة ولكن بصورة أبشع، وما تشاهد بأم عينيك على مدار الساعة، غير ما تسمع او تقرأ.
لقد اهتزت بقوة صورة الولايات المتحدة في العدوان على غزة امام العالم، ولن يكون من السهل ترميمها، وفي الذاكرة مغامرات فاشلة كالحرب على فيتنام (1955-1973) وافغانستان (2001-2021) والعراق (2003). وكان من المأمول ان تكون قد خرجت الدولة بعدها بدروس وعبر، تعينها على المراجعة وتصويب السياسات مستقبلاً. لكن يبدو ذلك لم يحصل، ومبدأ “شرعية القوة“ لا زال هو السائد في عقلية صانع القرار الأمريكي، التنفيذي منه والتشريعي، والموقف من العدوان على غزة كان منحازا عدوانياً بشكل صارخ، وكان الانطباع حتى الرابع والعشرين من الشهر الجاري ان عراب هذا الموقف هو الرئيس الأمريكي جو بايدن! ولكن بعد انضمام المشرعين تبين ان المشرعين لا يقلون تحيزاً ولا عدوانية عن ساكن البيت الأبيض، لقد صرح رئيس مجلس النواب مايك جونسون «إسرائيل لا تقف وحدها بل نقف معها كأقرب حلفائها في الشرق الأوسط»، وفي دعوة نتن ياهو (نحن نتطلع إلى الاستماع إلى وجهة نظر إسرائيل في كيفية الدفاع عن الديمقراطية، ومحاربة الإرهاب، وتكريس العدالة والسلام المستدام في المنطقة)! آمال تعلق على نتن ياهو بدل تقديمه للعدالة.
كما صرح الشيخ الديمقراطي تشاك شومر (علاقتنا مع إسرائيل متينة للغاية مثل الحديد Ironic clad).
وربما هذا الموقف الداعم بالمطلق هو الذي أوغر صدر نتن ياهو ودفعه للجنون والسادية المفرطة.
لكن بالمقابل هل راعى نتن ياهو الحرج الكبير الذي تعاني منه الادارة الأمريكية وهو حتى اللحظة يرفض الاستجابة لقرار مجلس الامن ذي المراحل الثلاث والذي تبتنه الادارة الأمريكية، وتوقع الكثيرون انه خلال الخطاب سيبشر الأمريكيين وأهالي الاسرى في الداخل الاسرائيلي بموافقته على الصفقة لكنه لن يفعل، انسجاماً مع فهمه للعلاقة الخاصة بين اسرائيل والولايات المتحدة انها سالكة لكن على مسار واحد، اذ يتوجب على الأخيرة ان تدعم اسرائيل عسكريا وتحميها سياسياً، ودون مقابل، وسواء تلاقت مع المصالح الأمريكية ام افترقت عنها؟ مصلحة اسرائيل أولاً وبذلك تصبح اسرائيل مارقة دولياً متنمرة على صعيد العلاقة الثنائية، رغم ان العلاقة ما كانت يوماً هكذا بل سالكة على مسارين، لم يتوقف الدعم السياسي والعسكري والمالي يوماً لكن يسعنا ان نتذكر ان اسرائيل كانت تستجيب على الفور في كل مرة لرغبة واشنطن في وقف اطلاق النار، وهو ما تحقق فعلاً في العدوان على مصر عام 1956. وحرب الخامس من حزيران 1967، وحرب رمضان عام 1973 ناهيك طبعا عن الحروب اللاحقة على غزة.
جاءت الزيارة، في ظل عزلة وانتقاد واسع النطاق اضافة إلى احتمال كبير ان يصدر النائب العام بالمحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتن ياهو كمجرم حرب.
كما شكلت الحشود من المعارضين في الخارج مشكلة سياسية حاول المشرعون داخل القاعة تجنبها.
اما خطابه الاستعراضي فلم يضف نتن ياهو أي شيء جديد إلى أكاذيبه السابقة، وحاول فقط إعادة إسرائيل إلى مركز الخريطة السياسية، وإعادة خلق إجماع بين الحزبين حول إسرائيل، ولم ينجح في ذلك».
اما الصحافة الأمريكية فقد انتقدت خطاب نتنياهو، وقالت وكالة أسوشيتد برس على سبيل المثال، إن «نتنياهو الذي تزايدت الانتقادات ضده داخل إسرائيل يهدف إلى تصوير نفسه كرجل دولة لا زال يحظى باحترام الولايات المتحدة،
اما العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل فما عادت ملتبسة ويخطئ من يظن ان إسرائيل ما هي إلا ولاية أمريكية! والعكس يبدو هو الصحيح والأسباب معروفة.
كل عام وقطر بخير وأمن وسلام
يأتي العيد هذا العام، في ظل ظروف استثنائية تمر بها المنطقة، حيث يتواصل العدوان الإيراني الغاشم على قطر... اقرأ المزيد
177
| 21 مارس 2026
دور الحكمة في اجتناب الفتنة
تقبع الحصافة والحماقة على طرفي نقيض، كل ينتظر دوره عبر المساهمة في تشكيل التصرف، وفي معيته الآثار المترتبة... اقرأ المزيد
177
| 21 مارس 2026
جنودنا المرابطون.. درع الوطن في زمن الحرب
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه خرائط التوتر يومًا بعد يوم، تبقى التحية الصادقة والتقدير العميق موجهة... اقرأ المزيد
165
| 21 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
14859
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1227
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
900
| 17 مارس 2026