رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

1191

د. أحمد المحمدي

حين يُستَبدل ميزان الحق بمقام الأشخاص

29 سبتمبر 2025 , 02:34ص

‏من أخطر ما يُبتلى به التفكير البشري أن يتحوّل ميزان الحق والباطل من صفاء الفكرة وقوة الدليل إلى مجرد انتماء القائل أو مكانته. 

‏فبدل أن يكون العقل أداةً للإنصاف ووسيلةً لوزن الحجج، يصبح تابعًا للهوى، أسيرًا للميل النفسي، مسلوبًا من وظيفته التي أودعها الله فيه. 

‏وهذه النقلة ليست مجرد خطأ عابر، بل هي خللٌ منهجيٌّ عميق يطال بنية التفكير كلّها، ويؤدي إلى سلسلة من الانحرافات الفكرية والاجتماعية.

‏أولًا: انكسار معيار الحق

‏حين يُربط الحكم على الأفكار بمقام الأشخاص، فإن معيار العدل ينكسر. فالعقل لا يعود يزن الحُجّة بما تحمله من برهان، بل بما يحمله قائلها من قرب أو بُعد، مكانة أو خصومة. عندئذٍ يتحول ميزان العلم والشرع إلى ميزانٍ عاطفي هشّ، وتصبح الحقائق أسيرةً للانتماءات.

‏وفي هذه اللحظة يضيع الإنصاف، ويغدو الدليل بلا قيمة إن خرج من فم المخالف، بينما يُستَقبل بالتصفيق لو نطق به الموافق.

‏ثانيًا: تعطيل النقد البنّاء

‏النقد ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلة للتقويم والتكميل. غير أن ربط التصويب والتخطئة بالانتماء يُعطِّل هذه الوسيلة تمامًا. فإذا كان الحبيب مصونًا من المراجعة، فإن أخطاءه الصغيرة تتضخّم وتتحوّل إلى كوارث فكرية واجتماعية، لأنه لا أحد يجرؤ على تنبيهها أو تصحيحها.

‏وعلى الجهة الأخرى، إذا كان المخالف محكومًا عليه بالرفض قبل أن يتكلم، فإن صوابه يُدفن مع كلماته، وتُحرم الأمة من خيرٍ كثير كان يمكن أن يُثمر لو قُوبل بالإنصاف. 

‏وهكذا يُسدّ بابان عظيمان: 

‏باب تقويم المحبوب

‏وباب الاستفادة من المخالف.

‏ثالثًا: صناعة الوهم الجماعي

‏الاستمرار على هذا النهج يُنتج مع مرور الزمن وهمًا جماعيًّا. إذ يُرسَّخ في الوعي أن بعض الأشخاص فوق النقد، وأن بعض الانتماءات تُعطي صاحبها حقًّا بالقول لا يُسائل عليه أحد. وتُزرع في العقول أوهام العصمة لأناس لا عصمة لهم، ويُغدو الانتماء أهم من الحقيقة نفسها.

‏ومع التكرار يصبح الحق ما قاله فلان، والباطل ما قاله خصمه! وتذوب المعايير الموضوعية شيئًا فشيئًا حتى تُستبدل بمعايير شخصية، فيغيب الضابط المنهجي وتُستعبد العقول تحت لافتة الولاء أو الخصومة.

‏‏هذا المسلك في جوهره انعكاس لغلبة الهوى على سلطان العقل؛ إذ إن النفس تميل بطبعها إلى تصديق من تحب وتكذيب من تبغض، لكن وظيفة العقل أن يُقاوِم هذا الميل بالميزان الموضوعي. فإذا ضُيّعت هذه الوظيفة، انحدر المجتمع كله إلى التفكير الغرائزي بدل التفكير المنهجي.

‏وفوق ذلك، فإن العادات الاجتماعية والتكتلات الفكرية والسياسية تغذي هذا النمط، لأن الجماعة غالبًا تميل إلى حماية صورتها وهيبتها، ولو على حساب الحقيقة.

‏إن استمرار هذا الخلل لا يفسد فقط آلية التفكير الفردي، بل يُعطّل حركة المجتمع بأسره. فالأمة التي تُعلي الأشخاص فوق الحقائق تُعيد إنتاج أخطائهم جيلاً بعد جيل، بينما تحرم نفسها من الاستفادة من خصومها. وبذلك تُصاب بجمود حضاري، وتظل تدور في حلقة مفرغة من التكرار والتعصّب، بدل أن تتقدّم بالنقد والمراجعة والمصارحة.

‏وختاما: العقل أمانة، ومهمته أن يكون ميزانًا للعدل، لا أداةً للتعصّب، والإنصاف لا يُختبر في موافقة المحبوب، بل في الاعتراف بصواب المخالف، وحين يستعيد الناس هذا الميزان، يتحرّرون من سطوة الأشخاص، ويرتبطون من جديد بالمعيار الأعلى: الحق الذي لا يعلو عليه مقام، والبرهان الذي لا تحجبه الأهواء.

مساحة إعلانية