رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالرحمن هاشم السيد

مساحة إعلانية

مقالات

900

عبدالرحمن هاشم السيد

دور العرف في إنشاء الأوراق التجارية

29 ديسمبر 2024 , 02:00ص

أبرز تطبيق يكرس علة انشقاق القانون التجاري عن الشريعة العامة – القانون المدني – يتمثل في الأوراق التجارية، فالأخيرة لا يعدو إلا أن تكون ترسيخًا وتدعيمًا واضحًا لفكرتين أساسيتين يتحلى بهما القانون التجاري وهما الائتمان والسرعة، وهي بذل تشكل الخصائص التي يقوم عليها أي تشريع تجاري. ونجد أن هاتين الخصيصتين تتجسدان بشكلٍ جلي في الأوراق التجارية. استنادًا إلى ما سبق، تعد الأوراق التجارية أحد أبرز المقومات في الحياة التجارية، بيد أن اصطلاح «الأوراق التجارية» لا يعني حصرها على التعاملات التجارية وقصرها على التجار فقط، فالواقع يقول غير ذلك؛ حيث يشمل نطاق استعمالها التعاملات المدنية، وتمتد إلى غير التجار، وأبرز دلالة على ذلك الشيك؛ إذ إنه يستعمل بمناسبة القيام بعملٍ مدني أو تجاري، وقد يكون بيد التاجر أو غيره. ولا بد من التأكيد على أن تحرير الأوراق التجارية أو سحبها يعد من قبيل الأعمال التجارية الشكلية المنفردة، مع أن المشرع لم يذكرها مع تلك الفئة بل أفرد لها نصًا في المادة (7) من القانون التجاري القطري؛ حيث جاء فيها «تعتبر أعمالًا تجارية جميع الأعمال المتعلقة بالأوراق التجارية». ويتضح أن جميع الأعمال المتعلقة بالأوراق التجارية تكتسب الصفة التجارية، ويترتب على صيغة العموم التي جاء بها المشرع في المادة السابقة، أن العمل يعد تجاريًا سواء قام بها تاجر أم غير تاجر. وتأكيدًا على ذلك، نص المشرع في المادة (448) في الباب الخامس من القانون السابق على أنه «تشمل الأوراق التجارية الكمبيالة والسند لأمر والسند لحامله والشيك وغيرها من الأوراق التجارية الأخرى أيًا كانت صفة ذوي الشأن فيها أو طبيعة الأعمال التي أنشئت من أجلها». وقد عدد المشرع صور الأوراق التجارية، وهي الكمبيالة والسند لأمر والسند لحامله والشيك، كما أنها وردت على سبيل المثال لا الحصر، ويستفاد ذلك من كلمة «وغيرها» في المادة السابقة.

وتناول المشرع القطري تنظيم أحكام الأوراق التجارية بالباب الخامس في المواد (447-605) من قانون رقم (27) لسنة 2006 بإصدار قانون التجارة، وتمثل هذه المواد المشار إليها أحكامًا خاصة يطلق عليها اسم «قانون الصرف». وقد خصَّ الفصل الأول للكمبيالة في المواد (453-555) وعدها الأساس الذي يشمل جميع بيانات الصرف ومن ثم أحال إلى بعض أحكامها في بعض الأوراق التجارية الأخرى، بينما خص الفصل الثاني للسند لأمر وعالجه في المواد (556-559)، وأخيرًا الفصل الثالث للشيك وذلك في المواد (560-605). ولا بد أن ننوه بأن المشرع القطري قد استمد بعضًا من القواعد الخاصة المنظمة لأحكام الكمبيالة والسند لأمر والشيك من اتفاقية جنيف الموحدة.

ولم يأت قانون المواد المدنية والتجارية القطري (الملغى)، بتعريف للأوراق التجارية، والأمر ذاته بالنسبة إلى معظم قوانين التجارة العربية المقارنة، وحسنًا فعلوا؛ لأن تعريف المصطلحات من المهام الملقاة على عاتق الفقهاء، وبها تنشط حركات الاجتهاد الفقهية والدراسات البحثية، وهي أقرب إليهم من المشرع. ومن جهة أخرى، فإن فرض تعريف للأوراق التجارية من شأنه أن يقيد الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي تتسم بالتغير المستمر، فتصبح جامدة لا تتغير إلا بإجراءات معقدة وقد تأخذ وقتًا طويلًا من الزمن.

بينما الأمر على النقيض تمامًا في القانون التجاري القطري؛ حيث عرف الأوراق التجارية في المادة (447) التي نصت على أن «الأوراق التجارية صكوك مكتوبة وفق أشكال حددها القانون، تمثل حقًا موضوعه مبلغًا معينًا من النقود، يستحق الأداء بمجرد الاطلاع أو بعد أجل معين أو قابل للتعيين، وهي قابلة للتداول بالطرق التجارية». ويرى البعض من الفقه القطري، أن المشرع قد وفق بوضع تعريف عام للأوراق التجارية؛ لأنه بذلك يسهل تطبيق النصوص على القضاة، وينبه المتعاملين بها – وبالأخص التجار – أن بيدهم صكًا يمثل ورقة تجارية مؤداها الدخول في نطاق القانون الصرفي الذي يتسم بالتشدد.

وتطبيقًا لتعريف المشرع القطري للأوراق التجارية، قد يعتقد أن قسائم أرباح الأسهم وقسائم فوائد السندات أوراق تجارية؛ لأنها تتضمن ذات الخصائص، وهي في الواقع غير ذلك؛ لأن العرف في دولة قطر لم يجرِ على استعمالها كأدوات وفاء للديون. والغريب أن المشرع القطري قد أكد على هذه الخاصية – قبول العرف للورقة التجارية – في موضع آخر؛ حيث اعتمد على ما تعارف عليه التجار في اعتبار الأوراق التجارية أداة تجري في العمل خلفًا للنقود.علاوة على أن المشرع القطري قد أكد على خاصية قبول العرف التجاري للورقة التجارية كأداة وفاء أو ائتمان عندما أورد أنواع الأوراق التجارية على سبيل التمثيل لا الحصر في نص المادة (448) من القانون التجاري القطري بقوله «تشمل الأوراق التجارية الكمبيالة والسند لأمر والسند لحامله والشيك وغيرها من الأوراق التجارية الأخرى أيًا كانت صفة ذوي الشأن فيها أو طبيعة الأعمال التي أنشئت من أجلها». وهذا يفهم ضمناً من عبارة وغيرها، وبذلك أجاز إضافة أوراق تجارية أخرى قد تظهر في المستقبل، والسؤال كيف يكون ذلك؟ هل عن طريق قيام الشخص متفردًا ومن تلقاء نفسه باستعمال صك مكتوب وفق القانون، وقابل للتداول، ومحله مبلغ من النقود معين المقدار؟ والإجابة قطعًا لا بالطبع؛ إذ يجب أن يجري العرف باعتبار أن هذا الصك يعد من قبيل الأوراق التجارية، ويقوم المجتمع بإدراجه في تعامله محل النقود. وندلل على ما سبق بما سار عليه العرف في فرنسا ولبنان بقبول صك رهن البضاعة المودعة في مخزن عام واعتباره أداة للوفاء، مما يجعله ورقة تجارية.

مساحة إعلانية