رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لك الله – وحده – يا شعب سورية الحر الأبي المصابر، لقد ضرب الأحرار منك ومازالوا أفانين التضحية والشجاعة النادرة في سبيل إحقاق الحق وإزهاق الباطل، خاصة بما قدموا ويقدمون من مواقف بطولية في سجون العصابة الباغية والنظام الدموي المتجبر ولعل القارئ المتابع يطلع على بعض ما كتب من إجرام الفراعنة الجدد بحق الأبرار ليزداد قناعة أن هذه الطغمة المتحكمة قد فاقت بظلمها الفظيع نيرون وهولاكو ومحاكم التفتيش، فكتاب حماة مأساة العصر لجملة من الكاتبين يتحدث عن تلك المجزرة الرهيبة التي اقترفها الأب حافظ الأسد في تلك المدينة الباسلة على مدى شهر كامل في 2/2/1982م، حتى راح ضحيتها أكثر من أربعين الف شهيد وشهيدة ناهيك عن تخريب 77 مسجدا و4 كنائس واعتداء صارخ على الممتلكات والآثار حتى التي بناها الرومان قبل الإسلام، وها هو النظام الفاسد الجهنمي يستأسد اليوم ويضرب حماة، خاصة حي الحميدية وباب القبلي ويعتقل أكثر من 600 برئ ويقتل العشرات منهم ثم يخرجهم من السجون مكبلين ويرميهم قتلى في الطرقات والتعذيب الوحشي أكبر دليل على بربريته بل قتل عشرات الأطفال هذا الأسبوع وكأن الوحش الكاسر يريد ألا يتذكر الحمويون ما حل بهم فيمنع الأبناء ويقتلهم بشار الابن كما قتل والده الآباء.. ولكن الله تعالى وجنوده المؤمنين أكبر من كل شيء مقاومة وصبرا وصمودا وتحديا، ثم اقرأ كتاب مجزرة حماة للمرحوم جابر رزق لتعرف هول الكارثة الجسيم ثم انتقل إلى كتاب شاهد ومشهود لمؤلفه محمد سليم حماد لترى الفظائع المنقطعة النظير، حيث يحدثك المؤلف الذي سجن مع شهداء سجن تدمر الصحراوي وكل لوحة دم تقطر منهم تقتلك حسرة وأسى، ثم ارجع وتابع كتاب حمامات الدم في سجن تدمر لعبدالله الناجي لتزداد نحيبا على الأطهار وتزداد تصميما على نصرة الحق وأهله، ثم تأمل الجرح النازف في رواية "ما لا ترونه" للأديب سليم عبدالقادر ليشتعل رأسك شيبا وزد معها رواية ملائكة وشياطين لياسر الخطيب لتقلب على جمر الأحزان وتعرف من الملائكة وما الشياطين؟ ولا تنس أبدا أن تطلع على رواية "القوقعة" لمصطفى خليفة وطبعا هو اسم مستعار لسجين مسيحي في سجن تدمر واعتقل فور زيارة له إلى بلده دمشق قادما من فرنسا، حيث كان يدرس هناك وكتب فيه تقرير بأنه انتقد فخامة الرئيس حافظ فقضى أحد عشر عاما في السجن وقال: إنني لم أدخل الإسلام ولكن رأيت في السجن ملائكة ولم أر بشراً ورأيت شياطين في أشكال البشر، لقد روى روايته ميدانيا من ثقب كان يتلصص منه ليشاهد المجازر والدماء والأشلاء في سجن تدمر، والكتاب مخزن على الإنترنت لمن شاء الاطلاع أما عن سجن النساء فاقرأ كتاب "خمس دقائق تسع سنين" للكاتبة هبة الدباغ التي اعتقلوها وهي طالبة في جامعة دمشق ووعدوها بخمس دقائق من التحقيق فإذا بها تسع سنوات تروي فيها عن سجن النساء ما تشيب لهوله الولدان والكتاب مترجم إلى عدة لغات: هؤلاء هم دعاة المقاومة والممانعة ضد شعوبهم طبعا وأرانب وحمامات مع الكيان الصهيوني الذي يصر اليوم على إبقائهم لأنهم لم يتعرضوا له بأذى منذ أربعة عقود ليتفرغوا لقتل الشعب وسلبه الحرية والكرامة. إن كل سوري حر اليوم يعيش في وطن من الانتفاضة والثورة والنخوة حيث نبابه وطن المجرمين الذين أطلوا أشد من الغول استبدادا واستعبادا وفسادا وشرعنوا السلطة لأنفسهم بكل ما تهواه ولكن شمس الحقيقة لن تغطى بغربالهم ان الاعتداء على الإنسان باعتقاله ثم سلبه حقوقه في السجن شرع الغاب لا أولي الألباب مهما كان السجين وقد كتب العلامة محمد الغزالي رحمه الله في كتابه "حقوق الإنسان" ص 11-13 ان قدر الإنسان في الإسلام رفيع رغم الأخطاء إن وجدت ولكن كرامة الجنس البشري لا تسقط بها واقترح ان تصدر وثيقة اسلامية معاصرة لحقوق الإنسان عامة والسجناء خاصة بعد أن طرقت الأمم المتحدة مجموعة من المبادئ المتعلقة بحقوق الأشخاص المحتجزين والمسجونين وحرمانهم من الحقوق مع عدم محاسبة من يسجنهم.
أقول: أليس السوريون جزءا من المجتمع الدولي فإلى متى تطول فترة امتهانهم وخاصة السجناء ومتى سيتحمل هذا المجتمع مسؤولياته؟ أينتظر المتفرجون إصلاحات بشار الصورية أم يتناغمون مع إسرائيل التي مازالت تصر على بقائه أم ينتظرون الكفة الراجحة ليركبوا الموجة؟
إن السجين إنسان كغيره له من الحقوق ما يوجب شرع السماء والأرض صونها فإذا عرفنا بعض ما عاناه السوريون وما يعانونه في السجون رثينا لحالهم وهل يجوز أن نلحن نغمة النظام النشاز بعدم التدخل في شؤون الداخلية وحفظا لسيادة الوطن بأن يداس الشعب ويقتل ويعتقل ويسحل دون رادع لقد بدأت الاحتجاجات في الشام منذ أحد عشر شهر تقريبا والاعتداء مستمر على المعتقلين في عقيدتهم التي هي أغلى ما يملكون وأجبر العديد من المعتقلين على ترديد إجباري لهتاف لا إله إلا بشار الأسد، لا إله إلا ماهر الأسد وأخذ بعضهم بالرخصة وقتل من أخذ بالعزيمة رغم الضرب المتواصل، لقد قيل: قولوا: ربنا بشار فقالوا: ربنا الله لقد قيل: أنتم أبناء عائشة الزانية! (زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم) لقد قيل أنتم عددكم كثير ونحن عددنا قليل: سنجعل الألف منكم واحدا! فحدثوني من هم الطائفيون ولا غرابة بمثل ذلك أن تقف معهم إيران وحزب الله والمالكي.
أين حق السجين في رميه بمكان مجهول وعدم اخبار أهله بمكانه وأين حقه في منعه من الطعام والشراب للتجويع والتعطيش إلا ما قد يبقى على رمق من الحياة بل مات البعض من ذلك، أين حقه في حفظه من الإهانة والسب في عرضه وشرفه، أين حرمانه من حقه من المحاكمة المستعجلة والتظلم؟ لكن لا شك أن الذي يعتقل الصلحاء لا يملك مثل هذه المبادئ، أين حقه في الحبس بمكان صالح المرافق فقد ذكر أحد من أفرج عنهم مؤخراً أن ماء الصرف الصحي بقي يومين يجري على السجناء دون إصلاح، أين الحق بوجود هيئة قضائية نزيهة تترافع عنه، ولكن كيف إذا استوى الخصم والحكم؟ أين فصل سجن النساء عن الرجال فقد كلمني أحدهم وأقسم على ذلك أنهم كانوا في سجن مختلط مؤكدا أن الحكومة لا تراعي الحرمات أبدا.
نعم أقول ومن قرأ كتاب هبة الدباغ عرف تفاصيل أخلاق هؤلاء وعرف لماذا قال بشار مؤخراً إن أزمتنا في سورية أزمة أخلاقية، فياله من معلم أخلاقي.
أين حق السجين المريض في المعالجة وبالطبيب المناسب، عفوا إذا كان الأطباء الأحرار يقتلون فما بالك بالجرحى، قبل أيام سجنوا طبيبا من آل الطايع في اللاذقية ثم أحرقوا منزله فاستشهدت زوجته وأولاده.
أين حق السجين بعدم ضربه وخاصة على وجهه ورأسه والتمثيل بأعضاء الجسم مات السجين أم لم يمت سيما أنه مات تحت التعذيب من الشهداء أكثر من 375 شابا وشيخا، ناهيك عن الأطفال من مثل حمزة الخطيب والنساء كزينب الحصني وغيرهما بعد التقطيع والاعتداء والتعذيب بالكهرباء والبرد القارس وأشياء نعف عن ذكرها.
وطبعاً لم يحدث سابقا ولا اليوم أي تعويض مادي أو معنوي لأي سجين أطلق سراحه وهم نزر يسير جدا ولم يعتذر لأي منهم رداً لأي اعتبار قال أبو يوسف القاضي في كتابه الخراج ص 151: ظهر المؤمن حمى إلا عن حق فأين أنت يا فريق أول محمد الدابي عن حقوق السجناء ومتى يصحو ضميرك؟
ولكن لابد من يوم يشرق فيه الأمل وتبيض السجون ويصبح السجان مسجونا، قريباً قريباً بعون الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية. الخلاصة، الجغرافيا تخدم إيران، الديموغرافيا تخدم إيران، خطوط الإمداد تخدم إيران، الأوضاع النفسية في داخل إيران او خارجها تخدم ايران، الاسلحة الدقيقة القادرة على ضرب أصول القوات الامريكية والاسرائيلية في صالح إيران، وورقة الطاقة في صالح ايران، واذا استطاعت ايران ضبط معدل اطلاق الصواريخ والمسيرات مع معدل الإنتاج فستملك إيران أوراق الصمود وهي من سينهي الحرب.
4572
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1506
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1266
| 11 مارس 2026