رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

195

د. فاطمة سعد النعيمي

الدنيا محطة عبور

30 يناير 2026 , 12:57ص

في خِضَمّ تسارع الحياة وتكاثر الانشغالات، ينسى الإنسان أحيانًا حقيقة وجوده في هذه الدنيا، فيأتي التوجيه النبوي العميق: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» ليعيد ترتيب الوعي، ويوقظ القلب من غفلته. فالدنيا – وفق الرؤية القرآنية – ليست دار إقامة، بل محطة عبور قصيرة في طريقٍ أطول وأبقى.

يؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة في أكثر من موضع، فيصف الحياة الدنيا بأنها متاع زائل لا يُعوَّل عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. فالغرور هنا لا يعني تحريم متاع الدنيا، وإنما التحذير من الانخداع بها، وجعلها الغاية القصوى.

ومفهوم الغربة في القرآن لا يعني الانسحاب من الواقع أو ترك العمل، بل يعني الوعي بحقيقة الدنيا مع حسن التعامل معها. فالمؤمن يعمل ويجتهد، لكنه لا يعلّق قلبه بما يفنى، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. وهي آية ترسم منهجًا متوازنًا يجمع بين السعي في الدنيا والاستعداد للآخرة.

ويصوّر القرآن قصر الحياة تصويرًا مؤثرًا يوقظ القلوب، فيقول سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46]. إنها لحظة إدراك متأخرة، حين يكتشف الإنسان أن ما شغله طويلًا لم يكن سوى عابر.

ومن هذا المنطلق، فإن «عابر السبيل» هو من أحسن الأثر، وخفّف التعلّق، ولم يُثقِل قلبه بما لا يصحبه إلى آخرته. فالغريب لا ينازع على الفاني، ولا يُخاصم من أجل الزائل، بل يجعل من وجوده فرصة للخير والعمل الصالح.

إن استحضار هذا المعنى القرآني في حياتنا اليومية يثمر سكينة نفسية، وتوازنًا أخلاقيًا، ورحمة في التعامل مع الناس. فمن أيقن بالرحيل، أحسن المسير، وسعى لما يبقى لا لما يزول.

 

 

مساحة إعلانية