رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً
- صاحب السمو.. قائد بحكمته.. زعيم بحنكته.. أمير بإنسانيته
- سقوط المروحية.. جعلنا ننصهر في بوتقة وطنية.. لا فرق فيها بين الكبير والصغير
- عشنا «الولعة» حباً في الوطن.. و«اللوعة» حزناً على شهداء الوطن
- حفظ الله قطر.. من كل شر.. وكل ضر.. وكل خطر
عاشت قطر، حالة غير مسبوقة، من الحزن الوطني، والشجن الاستثنائي، الذي كان يتدحرج في النفوس، مثل دحرجة أمواج الخليج العربي، التي تأتي من بعيد، وترتطم بالشاطئ!
ولم تختلف هذه الحالة، الحافلة بالعواطف، عن العواصف، التي شهدتها البلاد، خلال الأيام الماضية، وتخللها برق كثير ورعد مثير!
ومثل هطول سحابة من المطر الغزير، عشنا كمداً، استقر في نفوسنا كالغدير، اختلطت فيه «الولعة»، حباً في الوطن، و«اللوعة» حزناً على شهداء الوطن.
وتأثراً بهذه النازلة، كانت الحالة الوطنية، متنامية في النفس، متصاعدة، في الأنفاس، أحدثت في دواخلنا، شيئاً من كل شيء، من ذلك الإحساس، الذي يسمونه الأسى، المخلوط بالحسرة والممزوج بالحرقة، والمعجون باللوعة، التي جعلت قلوبنا، تخفق شجناً، وتنبض وجعاً، طوال الوقت.
وهي حالة من الحزن الشديد، التي شعرنا بها جميعاً، دون أن يكون لها سقف محدد، أو وصف محدود.
لكن مهما كان وصفها، فقد كانت، من ذلك الشعور الصعب، الذي لا يوصف، لأنه يعبر السدود، ويتجاوز الحدود.
وفي سياق ذلك التوصيف، انصهرنا جميعاً في بوتقة واحدة، ضمن مشهد وطني جامع، لا فرق فيه، بين المواطن والمقيم، الكبير والصغير.
وكان في صدارة المشهد «صاحب السمو» الأمير، الذي أثبت في مواقفه ـ كعادته ـ أنه أمير بإنسانيته، مثلما هو قائد بحكمته، وزعيم بحنكته، وإنسان بعاطفته الجياشة، تجاه أبناء شعبه، في السراء والضراء، وفي مواكب الأفراح، ومراسم العزاء.
وفي سياق هذا الوفاء للشعب، والوطن والدولة، كان سموه حريصاً على أداء صلاة الجنازة، على الشهداء، في جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب بالدوحة.
كما شارك سموه، في مراسم تشييع جثامين شهداء الوطن، بمشاركة أسرهم، وقدم واجب العزاء لذويهم.
ولم يغب عن هذا المشهد العظيم- الذي سيظل محفورا في ذاكرتنا- سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني الممثل الشخصي للأمير، وسمو الشيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني، وسمو الشيخ محمد بن خليفة آل ثاني، وسعادة الشيخ جاسم بن خليفة آل ثاني، ومعالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية.
وكذلك سعادة السيد حسن بن عبدالله الغانم رئيس مجلس الشورى، والعديد من أصحاب السعادة الشيوخ والوزراء وسعادة الدكتور مصطفى كوكصو سفير الجمهورية التركية الشقيقة لدى الدولة وكبار الضباط ومنتسبي القوات المسلحة القطرية والقوات المشتركة القطرية التركية، وجموع المواطنين والمقيمين، في مشهد يؤكد عمق الروابط الأخوية والاتحاد أمام الشدائد والتوحد عند المصاعب، والراحة الجماعية، والطمأنينة المجتمعية، التي تجمع بين منتسبي القوات المسلحة وجميع المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطيبة.
وبصراحة نستطيع القول إنه لا شرف، يضاهي هذا الشرف الوطني، فهم شهداء قطر، الذين طرزوا بتضحياتهم، قائمة الفخر، مثلما تزين نجوم الليل اللامعة، السماء الحالكة، وقت السحر، وتنشر أضواءها البراقة، حتى بزوغ الفجر.
وتضم قائمة العز والفخر:
النقيب طيار مبارك سالم دواي المري.
والنقيب طيار سعيد ناصر صميخ.
والرقيب فهد هادي غانم الخيارين.
والوكيل عريف محمد ماهر محمد.
وهؤلاء الشهداء، لم يسيروا لأداء مهمتهم الروتينية، بحثاً عن مكسب شخصي، أو مجد فردي، أو بطولة خاصة، لكنهم استجابوا لنداء الواجب الوطني.
وكانوا يدركون، أن حماية الوطن مسؤولية عظيمة، وصون السيادة الوطنية واجب دفاعي، والدفاع عن قطر، خيار لا يقبل التردد، ولا يحتمل التأخر.
وما من شك، في أن قصة استشهادهم، ستبقى تسطع في سماء الوطن، وتلمع في أجواء قطر، وتشكل قدوة لنا، وللأجيال القادمة، وتدفع شبابنا، لبذل المزيد من العطاء، تلبية لنداء الواجب الوطني.
لقد دخل هؤلاء الشهداء، تاريخ الوطن، من أوسع أبوابه، وباتوا يمثلون تاريخا لن يهمله التاريخ، بعد استشهادهم في لحظة قطرية فارقة، لها دلالاتها الوطنية، ومدلولاتها المجتمعية، ولها أيضاً أبعادها الإنسانية.
والحمد لله، الذي جعل الإنسانية، بجلالها وجمالها، وكمالها، وخصالها، وعظمتها حاضرة في دولتنا، وتحديداً في ذلك المشهد، الشاهد، على أولئك الشهداء.
علماً بأنه، ليس كل من ينتمي، إلى البشر، تجده بالضرورة، إنساناً، مشهوداً له في سلوكه، وبارزا في تصرفاته، ومعروفا بمواقفه ومعترفا له بتعامله الإنساني مع الناس.
ولأن الإنسانية في قطر، ليست مجرد كلمات تقال، أو عبارات تكتب، أو مفردات تسجل، ولكنها تتشكل، في المواقف النبيلة، والأفعال الجليلة.
ولأنها سلوك حضاري، وأسلوب حياة في التعامل مع الآخرين.
ولأنها أصل وفصل، متأصل في الإنسان الأصيل، فقد اكتمل الموقف الإنساني القطري النبيل، وكمُل نبلاً، وتكامل جلالاً، وزاد وفاء، بقيام «صاحب السمو» بتقديم واجب العزاء في شهداء القوات المشتركة القطرية ـ التركية.
وكان العزاء الأميري، موجهاً للشعب التركي الشقيق، رئيساً وحكومة وشعباً، وإلى أهالي الشهداء الأتراك الثلاثة، الذين كانوا على متن الطائرة المروحية العسكرية القطرية، قبل سقوطها في مياهنا الإقليمية.
وهم الرائد في الدفاع الجوي «سنان تاشكين»، بالإضافة إلى اثنين من الفنيين وهما:
سليمان جمرة كهرمان، وإسماعيل أنس جان.
و الحقيقة المؤكدة، أن «صاحب السمو»، من خلال موقفه الإنساني، في التعامل مع فاجعة استشهاد منسوبي قواتنا المسلحة، أكد قولاً وفعلاً وتفاعلاً، أنه «تميم» الزعيم الذي يتمم صالح الأعمال في دولته، ويواصل صادق الأفعال في وطنه.
وهذه كلها، من فضائل الأخلاق، التي تعكس أخلاق الرجال، وتصل بصاحبها، إلى أعلى مراحل الجمال، وأثمن درجات الكمال.
ويعكس موقفه، في التعامل الإنساني، مع حادثة استشهاد أبناء الوطن، قيمة الإنسان في قطر.
كما يؤكد، أن الإنسانية، لها الأولوية في السياسة القطرية، وأن الإمارة مسؤولية، والوطن أمانة، والحكم موقف، وأن التعامل الإنساني مع الناس شرف، وليس تشريفا.
وهذا الموقف المشرف، يؤكد، أننا شعب يعرف قيمة الوطن ويقدر المواطن، ويحرص على تطبيق واجبات الوطنية، ولسنا نعيش في عوالم الرفاهية.
ومثلما للدولة حمائمها وقت السلام، فإن لها حُماتها وجنودها ورجالها وأبطالها، الذين يدافعون عنها، ويثبتون وجودهم في أصعب المواقف.
ولها أيضاً شواهدها وشهداؤها، الذين يضحون بأرواحهم دفاعاً عن الوطن.
وهم أولئك الرجال الأبطال، الذين نذروا أنفسهم للواجب الوطني، الذي كلفوا به، وانتدبوا إليه.
وهكذا هي قطر، كانت هكذا في الماضي، وستظل هكذا في الحاضر، وستبقى كذلك في المستقبل، حيث الدفاع عن سيادتها، ضرورة وطنية، كالماء والهواء.
وحيث الفداء يتواصل، دفاعاً عنها، في الأرض والسماء.
وحيث تأمين حدودها، يتعزز في البحر والصحراء.
وحيث صيانة ترابها الوطني، أولوية أساسية، في سائر الأرجاء وكافة الأجواء.
وحيث مواقف الوفاء لا تنقطع، افتخاراً بتضحيات الشهداء.
ولعل ما يميز، سيرة أولئك الرجال الأوفياء، ومسيرة الأبطال الشرفاء، الذين استشهدوا، في سبيل الذود عن الوطن، أنهم أدوا واجبهم الوطني بإخلاص، بعدما نذروا أنفسهم فداء ودفاعاً عن تراب قطر.
وما من شك في أن المنزلة العالية، والمكانة الرفيعة، التي يبلغها كل واحد فيهم، عند ربه، وفي مجتمعه، ووسط عائلته، ستبقى قائمة وحاضرة، مهما انقضت الأيام، وتوالت السنوات، وتواصلت التحديات.
وبطبيعة الحال، وفي جميع الأحوال، لا جدال، في أن الاستشهاد، دفاعاً عن الوطن، يعطي الشهيد حياة أبدية، عوضاً عن حياته الفانية، حيث يكرمه الله بحياة أخرى، فيها من الرزق، ما لا يكون مثله في الدنيا، تجسيداً لقوله تعالى، في الآية (169) من سورة آل عمران، التي يقول فيها عز وجل:
«ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون».
وهكذا يظل شهداء الوطن، أحياء في الذاكرة الوطنية، وإن كانت أجسادهم في التراب، يرزقون من ثمار الجنة، ونعيمها، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وسيبقى شهداء قطر، نموذجاً في الشجاعة، وقدوة في التضحية والفداء، وهذا يستوجب منا أن نقف جميعاً بكل اعتزاز واحترام، أمام تلك الأرواح الطاهرة، التي انتقلت إلى بارئها، وأن نحافظ جيلاً بعد جيل على عطائهم الكريم، وتاريخهم العظيم.
رحم الله، شهداء الطائرة «المروحية»، وأسكنهم فسيح جناته، مع الشهداء، والصديقين والصالحين.
وستبقى تضحياتهم مصدراً للعز، ومنبعاً لا ينضب للفخر.
وحفظ الله دولتنا الغالية قطر.
وحفظ أميرنا، وحكومتنا وشعبنا، من كل ضر، وكل شر وكل خطر.
الأندية الرياضية وبناء الإنسان (1)
بعد أن رسّخت دولة قطر حضورها العالمي في مجال الرياضة، ونجحت في بناء منظومة رياضية متقدمة على مستوى... اقرأ المزيد
135
| 27 مايو 2026
... يبقى الأهل عزوة صلة لا تنقطع
ليس كل ما يحدث داخل العائلة يُحكى، فهناك مشاعر تُخفى احترامًا للعِشرة، وأوجاع نصمت عنها لأن الطرف الآخر... اقرأ المزيد
177
| 27 مايو 2026
حرب أم هيمنة؟
حاولت الابتعاد قليلا عما يحدث بين أمريكا وإيران، خاصة أن دولا مثل باكستان والصين وقطر والسعودية ومصر وتركيا،... اقرأ المزيد
198
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2058
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1134
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1128
| 21 مايو 2026