رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لن تنطفئ جذوة ثورة الشعب السوري الصابر والمثابر والصامد رغم فائض القوة الذي يستخدمه بشار وجنوده على مدى أكثر من عام وأفضى إلى قتل وإصابة وتشريد الآلاف بالجملة فما تمتلكه الثورة من وقود مطرز بالإرادة القوية للتخلص من حقب الاستبداد والدموية والقهر أكبر من دباباته وآلياته المسلحة وعنفوان عسسه المدججين بالخزي والعار لأنهم يقتلون شعبهم استجابة لأوامر من قست قلوبهم فسكنتها العتمة ولم تعد تميز بين الحق والباطل بين النور والظلام والولوج إلى منطقة القتل ليحافظ على عرشه الزاخر بالثقوب والآلام والكراهية للإنسان وللحرية.
بغيضة هي السلطة عندما تدفع من يمتطي صهوتها إلى الركض على رمال الدم وجماجم الشعب وصرخات الأمهات الثكالى والزوجات الأرامل والأطفال اليتامى.
كريهة هي الكراسي التي تجبر الجالسين عليها إلى قذف الشعب بالصواريخ ومحاصرته بالمدرعات وقتله في ساعات الصباح والمساء
ما الذي يريده بشار وزبانيته؟
لقد امتصوا رحيق الشام، جثموا على صدر الوطن، خانوا الأمة بتمزيق أوصالها وعندما انطلق الشعب منتفضا في مارس قبل المنصرم صارخا بالحرية والعدالة والكرامة أطلقوا نيرانهم على الأبرياء الذين صبروا لعقود أربعة مترقبين انبثاق الفجر فهبطت عليهم أمطار السوء من كلاب السلطة وحرس السلطان.
لماذا يعشق بشار السلطة إلى هذا الحد؟
وإذا كان يريد البقاء فيها معززا مكرما محبوبا فلم لم يطلق برامج إصلاح حقيقية تتجاوب مع أشواق الناس فتجهض آلامهم من كبت طال وجوع توحش وقمع هيمن وحرية موءودة وحرمان فرض سطوته؟
جاءته الفرصة تلو الفرصة لكن العسس حاصروه أصحاب النفوذ القابضين على معادلة السلطة والثروة أمسكوا به فسقط صريعا لهواهم كان بوسعه عندما أطل لأول مرة رئيسا بعد أن ورث عرش الجمهورية التي أسسها الآباء وأرادوا منها أن تكون بالانتخاب فكرس التوريث في سابقة غير معهودة وشكلت أنموذجا لحكم مبارك في مصر وصالح في اليمن وإلى حد لزين العابدين في تونس. أقول كان بوسعه أن يقدم البهجة للناس الذين استبشروا به خيرا ليقودهم إلى زمان جديد بعد أن دغدغ مشاعرهم بعبارات محاربة الفساد وتوسيع دائرة الحريات وتحقيق قدر أكبر من الرخاء لكنه سرعان ما دخل نفق السلطة المعتم وغير في الشكل ولم يقارب المحتوى جاء بأشخاص من نفس سلالة الدم والنسب في المواقع المهمة خاصة في الجيش والمخابرات والأمن وتشكل ما يشبه التنظيم العصابي الحاكم وإن أخذ شكلا عصريا ومنحيا تكنولوجيا ينسجم مع ما تلقاه من تعليم في الغرب ثم انغمس في دوائر الاستبداد وممارسة القهر ضد الشعب الذين كان يخدر من منظور المقاومة والممانعة وهو ما صدقناه جميعا وللأسف كنت واحدا ممن صدقوا بشار وأطروحاته والتي ثبت أنها لم تكن سوى واجهة أو غطاء لامتلاك المزيد من القوة والقدرة على الاستبداد والإثراء له ولجنوده وزبانية نظامه وعسس قصره وسلطانه.
ولحظة أن بدأت الانتفاضة أشعرنا بأنه سيتجاوب معها بجملة من الإصلاحات التي لم تكن إلا ذرا للرماد في العيون ومضى هو وجنوده في منهجية القتل المنظم عبر استخدام القوة المفرطة ضد الشعب الأعزل والنساء والأطفال فلطخ صورة الجيش العربي بالعار والذي كان رصيدا في المواجهة مع الكيان فبات ذراعا لحماية الاستبداد.
وتحركت الأمة عبر جامعتها العربية لتقدم حلولا رأت أنها مناسبة تتكئ على الخيار السياسي وليس العسكري وقدمت الخطة تلو الخطة فلم يلتفت إليها وإن قدم تعهدات بالتجاوب معها غير أنه لم يف بأي التزام بل واصل القتل والإصابة والاعتداءات على المدن والأحياء الثائرة دون رحمة في قسوة قاربت قسوة الكيان الصهيوني عندما يقتحم أو يهاجم بلدة فلسطينية.
وأجهض بشار ما أرسلته الجامعة من مراقبين فدفعها إلى سحبهم وتحركت مرة أخرى مع مجلس الأمن متجنبة فيتو روسيا والصين وصيغت خطة جديدة تقوم على مبادراتها السياسية وكلف كوفي عنان بتولي مهمة تطبيقها قبل أكثر من أسبوعين ولكنه تعامل معها بنفس المنطق من خلال الالتزام بالتطبيق وفي الأرض يكون شأنا آخر وحسب آخر الإحصاءات فإن ما يقرب من 500 مدني قتلوا منذ بدء تطبيق خطة عنان وهو ما يعني أن بشار ليس بارا بوعوده وليس قادرا على الوفاء بالتزاماته، ما يستطيعه هو حماية عرشه واستلاب حرية شعبه، أي عرش يمكن أن يبقى والشعب كاره لمن يجلس عليه.
ثمة إجماع عرب على إبقاء الأزمة في منطقة الحل السياسي وهو ما تجلى كل اجتماعات الجامعة العربية سواء على مستوى اللجنة الوزارية المعنية بالأزمة التي يرأسها الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء وزير الخارجية أو على مستوى مجلس الجامعة وكان آخرها في اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة يوم الخميس الفائت ولكن يبدو لي أن بشار وجنوده مصرون على دفع الأمور دفعا إلى منطقة الحل العسكري الذي نخشاه جميعا لأنه سيقود إلى تدمير مقدرات الشعب السوري غير أن ثمة من يرى من دوائر المعارضة أن الخيار العسكري هو الوحيد القادر على ردع بشار ونظامه المتوحش وللحرية كلفتها الباهظة حسبما يقولون والشعب بدأ في دفع الثمن عبر تقديمه عشرة آلاف من شهدائه غير عشرات الألوف من الجرحى والمشردين على الحدود مع دول الجوار.
لم يعد أمام بشار خيار آخر فإما أن يقبل بالمضي قدما في التجاوب مع خطة كوفي عنان والتي تهيئ له خروجا آمنا ولسوريا زمنا مغايرا من الحرية والديمقراطية والكرامة من خلال تكرار النموذج اليمني أو أن يلقى مصيره.
وفي هذا السياق ألفت إلى أن تطبيق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتي تعني في النهاية اللجوء إلى الحل العسكري وفرض قرارات مجلس الأمن بالقوة المسلحة تلوح في الأفق ولعلي أشير هنا إلى تصريح أدلى به الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية أمام مؤتمر أصدقاء سوريا في اسطنبول الشهر الفائت تحدث فيه عن إمكانية اللجوء إلى هذا البند المخيف كما تحدثت عنه أطراف إقليمية ودولية مؤثرة والأخطر أنه في حالة استخدام الفيتو الروسي أو الصيني في مجلس الأمن لو عرضت عليه المسألة السورية وانتهاكات النظام والتي بدأ كوفي عنان ونبيل العربي يظهران تبرما واضحا منها من فرط تجاهله للخطة العربية الأممية فقد تندفع مجموعة الدول الكبرى من دون موسكو وبكين إلى تشكيل تحالف دولي من خارج مجلس الأمن في إعادة إنتاج للحالة العراقية وحالة كوسوفو وهنا لن تدفع سوريا بمفردها الثمن وإنما المنطقة التي قد تشهد اشتعالا استثنائيا قد يتجاوز بأضعاف مضاعفة اشتعال العراق بعد غزوه في 2003 وهو ما لا يريده أحد لكن يبدو أن بشار وزبانيته يريدونه أو بالأحرى يدفعون الأمور دفعا باتجاهه مؤمنين بمقولة شمشون الجبار "علي وعلى أعدائي " فهم لا يهمهم وطن أو شعب.
السطر الأخير:
لك العشق
ولي البهجة الكامنة
أسرد شعري في ليلك
ينبثق النيل قصيدة لا تنتهي
أحرر وجعي من غيابك
تستعيد الروح بهاءها المغادر
اسكبي بوجهي عطرا
رحيقا ممزوجا بالكتابة
يترجل الحزن عن صهوة جوادي
أسافر إلى عينيك
متكئا على خضرة حقولهما
فاستبيحي مناطق الحرام
سجلي شهادة ميلادي
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
383
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
446
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
316
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
636
| 12 أكتوبر 2026