رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الذي يحل في المنطقة العربية منذ 2010 من ثورات وحركات مضادة مدهش، إذ يؤشر إلى وجود حيوية كبيرة مخبأة في المجتمعات ليس فقط عند الرجال وإنما خاصة عند النساء والأطفال. رغم أن النتائج لم تكن حتى اليوم بمستوى الطموحات، بل أعادتنا إلى الوراء في بعض الدول إنما ما جرى ويجري يعطينا الأمل في إمكانية التغيير النوعي المستقبلي. منذ الاستقلال العربي في منتصف القرن الماضي، كان هنالك تصور سياسي عقائدي واضح ليس فقط في مصر وإنما أيضا في الجزائر وسوريا واليمن وغيرها.
كانت الحركات الاستقلالية واضحة في أهدافها وميولها وتحالفاتها وكيفية عملها، أما اليوم فهنالك تخبط على جميع المستويات ربما لغياب القيادات النوعية أو لأن الظروف الدولية تغيرت كثيرا. بنيت الحركات الاستقلالية في مصر وغيرها على ضرورة التنمية والاهتمام بالفقراء والأرياف وجمع الشمل العربي ليس فقط في السياسة وإنما أيضا في الاقتصاد. حتى لو لم تكن النتائج السابقة جيدة، إلا أن المحاولات كانت عديدة وفي الاتجاه الصحيح.
في منتصف القرن الماضي، كانت القيادات السياسية العربية مدعومة خاصة من الطبقات الوسطى التي شكلت العمود الفقري للاقتصادات، تشرذمت هذه الطبقات الحيوية بل أصبحت فقيرة بسبب سوء الممارسات والسياسات على مستوى الحكومات والمؤسسات الرسمية وغيرها، تشرذمت أو قضي عليها بسبب سياسات التحرير السريعة بل المتسرعة وغير المدروسة في العديد من الدول العربية مما جعل كبار الشركات والثروات أو حيتان المال المرتبطة بالسلطات السياسية تسيطر على الاقتصاد وتلغي الوسط. في نسبة الإنفاق العام من الناتج في المنطقة العربية، تدنت من 22% في سنة 1975 إلى 14% في سنة 2005 أي أن دور القطاع العام تقلص عربيا على عكس ما حصل في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وحتى في الدول الغربية. عندما ينحدر الإنفاق العام بهذا الحجم وهذه السرعة، من يخسر؟ طبعا الطبقات الوسطى وما دون.
قبلت الشعوب بمصيرها لعقود طويلة ولم تحاول التغيير، ما الذي استجد حتى نزلت إلى الشارع في تونس ومصر واليمن وسوريا والأردن وغيرهم؟ هل استفاقت الشعوب على حقوقها السياسية وحرياتها، أم أن العوامل الاقتصادية المتدهورة هي التي حركت؟.. في رأينا الأسباب وراء ما يعرف بالربيع العربي متعددة ونوجزها كما يلي رغم أن النتائج حتى اليوم لم تعط "ربيعا" لكن الوقت سيشير مستقبلا إلى الفشل أو النجاح.
أولا: بدأت التحركات في تونس في 17-12-2010 عندما أحرق محمد بوعزيزي نفسه احتجاجا على الأوضاع العامة في البلاد. كانت الشعوب حاضرة للتحرك لأنها تعبت من سوء ممارسات الحاضر كما الماضي، أي أن لا شيء ستخسره من محاولات التغيير. كانت نسبة النمو في تونس 3.1% في تلك السنة أي نسبة مقبولة وأن لم تكن جيدة. إذا الأوضاع السياسية ترافقت مع نتائج اقتصادية غير باهرة أسهمت مجتمعة في تحريك الشارع. في مصر استقال الرئيس حسني مبارك في فبراير 2011 وتبعتها تطورات كبيرة في معظم الأقطار العربية. كانت نسبة النمو في مصر في سنة 2010 حوالي 5.1% وهي جيدة بكل المعايير، وإن تكن غير كافية لتغيير الأوضاع المعيشية للفقراء والأرياف، الاقتصاد لم يكن العامل الوحيد الدافع للتغيير.
ثانيا: في سنة 2005، قامت مؤسسة "زغبي الدولية" باستفتاء الشعوب العربية في إطار نماذج إحصائية علمية تمثلها. سألتها، ما هي أولوياتها بل مما تعاني أكثر؟ كانت الأوجاع الاقتصادية في الطليعة. تركزت الأجوبة على مستوى البطالة وتوافر الصحة والتعليم كما على ضرورة محاربة الفساد، لم تأت الحريات السياسية والديمقراطية إلى في أدنى السلم، طبعا لو كانت الحريات السياسية متوافرة، لما شعرت الشعوب بالوجع الاقتصادي كما كان الحال.. تراكم المشاكل والإهمال الرسمي دفعا الناس إلى الشارع.
ثالثا: مع توافر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وتقدم كل ركائز الاتصالات في سرعتها وأسعارها وامتداد الشبكات خاصة الخلوية، أصبحت الشعوب العربية واعية أكثر فأكثر على أوضاعها مقارنة بما يجري في العالم. لماذا يحق للغير ما لا يحق لنا، وبالتالي تراكم الشعور بالغبن مع الوقت. أصبحت الشعوب العربية واعية أكثر فأكثر على مستوى معيشتها وازدياد فجوات الدخل والثروة بين الطبقات الشعبية كما على خطورة الفساد المستشري على حساب الناس ومستقبلها، لا شك أن سوء الخدمات العامة والاجتماعية المقدمة للفقراء أسهمت في دفع غضب المواطنين إلى العلن وإلى حدود لم نشهدها من قبل.
رابعا: سوء السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي استفاد منها الأغنياء بل القسم المرتبط بمصالح الحكام ومتحالف معهم، فالدعم الممارس في قبل العديد من الحكومات العربية للسلع النفطية والمواد الغذائية أرهق الموازنات، وكان الأغنياء المستفيدون الأولون منها لأنهم يستهلكون أكثر.
في سنة 2011، بلغت تكلفة دعم الطاقة 41% من إيرادات الدولة المصرية و24% من اليمنية و22% من الأردنية وبقي القليل للحاجات الأخرى. كانت تكلفة الصحة كبيرة جدا على الموطنين لأن ما تقدمه الدولة لم يكن كافيا. هذا كان حال المواطنين في مصر وتونس حيث يضطر المواطن إلى الإنفاق على صحته من جيبه الصغيرة أصلا فوق ما تقدمه له الحكومات، تحاول الدول العربية اليوم تخفيف الدعم وإعطاء معونات مباشرة للأسر والشركات الصغيرة كي تكون هي المستفيدة من السياسات وليس الميسورين.
خامسا: لم تكن الثورات لتحصل لو بقي مؤيدو الحكام السابقون على تأييدهم لهم، اهتراء الحكومات بالإضافة إلى القمع وسوء الأداء أفقد الحكم في مصر وتونس وغيرهما التأييد التقليدي لهم من قبل قطاع الأعمال والطبقات الوسطى، تمادى الحكام في الفساد الذي انعكس سلبا على الاقتصاد وأوضاع الفقراء، كانت أجور موظفي القطاع العام ضئيلة ولا تكفي، في وقت لم يكن أداء المسؤولين موازيا للطموحات الشعبية العامة المتزايدة. تعلق المواطنين المتزايد بالدين المحارب للفساد شجعهم أيضا على الانتفاضة ضد الحكام.
لا أحد ينكر تشابه الأوضاع العربية في سنة 2010 مع ما حصل في الاتحاد السوفييتي والدول المجاورة له بدأ من سنة 1989، تراكمت الأوضاع السياسية مع الاقتصادية والاجتماعية لتفجر الأوضاع وتعزز غضب الشارع. إلا أن النتائج المحققة في روسيا ودول أوروبا الشرقية هي لا شك أفضل مما هو الحال عندنا، هناك انتقال سياسي واقتصادي واضح معزز بالاستقرار في الدول الشيوعية السابقة لم نعرفه بعد عربيا، هناك تراجع كبير في أوضاع بعض الدول العربية ومنها ليبيا التي تحتوي على طاقات كبرى لكنها تعاني من الفوضى والخراب والدمار والصراعات الذي ستؤخرها سنوات. طبعا لا أسف على معظم القيادات العربية السابقة، إنما نتوقع ممارسات أفضل من الحكام الجدد أينما وجدوا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1404
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1095
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
957
| 16 مايو 2026