رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

438

هديل رشاد

هل كسرت «حنظلة» حصار غزة!؟

30 يوليو 2025 , 01:46ص

منذ العام 2010، لم تنجح أيٌّ من سفن تحالف أسطول الحرية في إيصال مساعدات مباشرة إلى شواطئ غزة، وعلى مدار 15 عامًا، ظلّ المصير واحدًا اعتراض من الجيش الإسرائيلي، استيلاء على السفينة، مصادرة للمحتويات، وترحيل للركّاب، وفي رواية أخرى قتل وتهديد من على متنها، ورغم هذا السيناريو المعروف سلفاً، لا تزال السفن تُبحر، ويصرّ النشطاء على تكرار المحاولة، كأنها المرة الأولى، وكأنهم لم يقرأوا النتيجة سلفًا.

لكن، لفهم هذا الإصرار، لا يكفي الرجوع إلى حصار 2007، بل لا بد من استحضار الواقع الدموي اليومي الذي يعيشه قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اللحظة، ما يجري ليس مجرد حصار، بل إبادة متواصلة، يتخللها قصف لا يتوقف، وتجريف للأحياء، ومجازر موثقة ترتكب يوميا، ومع ذلك، فالأبشع مما يُقصف هو ما يُمنع من الدخول، 2.2 مليون إنسان فلسطيني محاصر، في ظروف كارثية لا تسمح بالحياة: لا طعام، لا ماء، لا دواء، يستشهد الغزيون تعطيشاً وتجويعا، لا مجازاً بل فعلياً، رضعٌ لم يُكملوا فطامهم، ونساء أنهكت أجسادهن على أعتاب أمل بات سراباً، وشيوخ كرام لفظوا أنفاسهم الأخيرة أمام تِكيات لا تقدم سوى النزر اليسير من الطعام بسبب إطباق الحصار على قطاع غزة منذ مارس 2025.

حتى يوليو الجاري، وثّقت منظمات إنسانية مستقلة استشهاد ما لا يقل عن 147 فلسطينياً بسبب الجوع والعطش فقط، بينهم 24 طفلاً دون سن الخامسة، والأعداد تتزايد وسط شُحّ غير مسبوق في المواد الغذائية، وانهيار تام في القطاع الصحي، وانعدام أدوية أساسية من رفوف المستشفيات المهدّمة أصلاً يضاف إليه خذلان عربي مسلم يندى له الجبين.

هذه الحقيقة هي ما يدفع السفن إلى الإبحار، رغم أن احتمالية بلوغها الهدف تكاد تكون معدومة، فالغرض لم يَعُد مقتصراً على إيصال حمولة من الطحين أو الدواء، بل أصبحت هذه السفن تمثل دعاية مضادة للسردية الصهيونية التي تروّج بأن الكيان المحتل لا يعيق وصول المساعدات، وأن حركة «حماس» هي من تستولي عليها، وهي رواية ثبت كذبها، إذ تؤكد شهادات الغزيين أن الاحتلال هو من يمنع وصول المساعدات، تحت ذرائع واهية هدفها تضليل المجتمع الدولي، من بين هذه الشهادات، ما رواه الطفل حمزة أبو سلطان بصوت يختلط فيه الألم بالعجز، قائلا « إنَّ شاحنات المساعدات تمر عبر مناطق خطرة تسيطر عليها عصابات مدعومة من الاحتلال، حيث يُنهب الطعام قبل أن يصل إلى الجائعين، وأضاف»عدت إلى إخوتي الصغار ببقايا طحين جمعتها من الأرض، ممزوجة بالتراب والشوائب، ولا يوجد ما يسد رمقنا.»

رغم الادعاءات المتكررة بأن المساعدات الإنسانية تتدفق إلى غزة، تصف الأمم المتحدة ما يصل فعليًا إلى القطاع بأنه «قطرة في محيط الاحتياج». مئات الشاحنات تبقى عالقة أو تُخضع للفحص والابتزاز، في وقت يواجه فيه أكثر من مليوني إنسان مجاعة حقيقية. يُسمح بدخول كميات محدودة، ثم تُستثمر إعلاميًا كدليل زائف على «الجهود الإنسانية»، بينما في الواقع، يُترك الفلسطينيون ليواجهوا الموت جوعًا وعطشًا، ويسقط الشهيد تلو الشهيد، لا في ساحات القتال، بل على أبواب المخابز، وفي طوابير المياه، بانتظار كسرة خبز أو شربة ماء، كأنها آخر ما يمكن أن يحلم به الإنسان في هذا العالم المنكفئ على ضميره.

في هذا السياق، تُبحر السفن لتكسر الصمت، ولتقول للعالم إن الحصار ليس إجراءً أمنيا كما يُروّج له الاحتلال، بل أداة إبادة جماعية تُستخدم ببطء، وبدم بارد، ضد سكان غزة. واستمرار هذا الحصار في ظل حرب شاملة لا يُعد فقط جريمة، بل جريمة مركبة وممنهجة. وعندما تعترض بحرية الاحتلال سفينة مدنية غير مسلحة، تقلّ ناشطين من 12 جنسية، كما حدث مع سفينة «حنظلة»، فإن الرسالة الرمزية تكون قد وصلت، الاحتلال لا يخشى السلاح، بل يخشى الحقيقة، ويخشى أن تُفضح روايته أمام العالم.

ما جرى مع «حنظلة» في المياه الدولية، من اعتراض واحتجاز، يكشف زيف ادعاء الاحتلال بأنه «الجيش الأكثر أخلاقية»، ويحوّل السفينة إلى وثيقة حية على جريمة مستمرة منذ أكثر من 75 عامًا، يُقتل فيها الفلسطينيون بصمت، وتُدفن فيها الحقيقة تحت ركام الدعاية الصهيونية.

صحيح أن هذه السفن لم تنجح منذ 2010 في كسر الحصار فعليًا، لكنها نجحت في ما هو أعمق: في كسر حاجز الصمت، وفي إبقاء غزة حاضرة في الوعي العالمي، التغطية الإعلامية، والمتابعة الشعبية، والضغط المتراكم، كلها تُبقي ملف الحصار مفتوحاً على مصراعيه، رغم محاولات الإعلام الغربي والعربي المتواطئ طمسه، وإعلاناً حيا بأن غزة لا تُنسى، وأن الضمير الإنساني لا يزال قادرا على التحرك، حتى وإن بدا صوته خافتا.

ختاماً..

لم أجد ختاما يبلسم على إخوتنا في قطاع غزة وعلينا سوى قول الله تعالى «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [سورة التوبة: 111].

مساحة إعلانية