رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبد العزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

357

د. قيس عبد العزيز الدوري

يوليو.. حين تتحدث الإنسانية بلغة الوعي

30 يوليو 2026 , 11:29م

ثمة أشهر تمر في الذاكرة بوصفها مجرد محطات زمنية، وثمة أشهر تتحول إلى سجل حي لقضايا الإنسان الكبرى، ويأتي شهر يوليو (تموز) في طليعة هذه الأشهر. فالتقويم الدولي خلال هذا الشهر لا يقتصر على تعداد الأيام، بل يقدم خريطة متكاملة لأولويات العالم، ويكشف عن منظومة من القيم التي تسعى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى ترسيخها في ضمير البشرية.

إن تخصيص أيام عالمية لقضايا بعينها لم يعد عملاً رمزياً أو احتفالياً، بل أصبح أداة من أدوات الدبلوماسية الإنسانية، ووسيلة لبناء الوعي الجمعي، وتحفيز الحكومات والمؤسسات والأفراد على مراجعة سياساتهم وسلوكهم تجاه القضايا التي تمس حاضر الإنسان ومستقبله. فلكل يوم عالمي رسالة، ولكل مناسبة قضية، ولكل قضية قصة تستحق أن تُروى وأن تتحول إلى سلوك وثقافة.

ويستهل يوليو رسالته بالاحتفاء باليوم الدولي للتعاونيات، في تأكيد واضح على أن التنمية لا تُبنى بالمنافسة وحدها، وإنما بالتكافل والشراكة والمسؤولية المشتركة. لقد أثبتت التجارب أن التعاونيات ليست مجرد مؤسسات اقتصادية، بل نموذج حضاري يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان قبل رأس المال، ويمنح المجتمعات المحلية قدرة أكبر على مواجهة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة.

ثم يأتي اليوم العالمي للغة السواحلية ليؤكد أن اللغات ليست وسائل للتخاطب فحسب، بل أوعية للذاكرة، ومستودعات للثقافة، وجسور للتفاهم بين الشعوب. فحين تمنح اليونسكو أول لغة أفريقية يوماً عالمياً، فإنها في الحقيقة تحتفي بالتنوع الثقافي، وتوجه رسالة مفادها أن الحضارات لا تُقاس بقوة السلاح، وإنما بثراء لغاتها وعمق تراثها.

وفي الحادي عشر من يوليو يتوقف العالم عند اليوم العالمي للسكان، ليتأمل العلاقة الدقيقة بين النمو السكاني والتنمية والبيئة والعدالة الاجتماعية. فالإنسان ليس رقماً في الإحصاءات، وإنما هو محور التنمية وغايتها، وكل زيادة سكانية لا يصاحبها استثمار في التعليم والصحة والاقتصاد تتحول إلى تحدٍّ بدلاً من أن تكون فرصة.

أما اليوم العالمي لمهارات الشباب، فيحمل رسالة أكثر إلحاحاً في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. فالأمم التي لا تستثمر في عقول شبابها، ولا تزودهم بالمهارات الحديثة، إنما تؤجل مستقبلها وتفرط في أهم ثرواتها. ولم يعد التعليم التقليدي وحده كافياً، بل أصبح التعلم المستمر واكتساب المهارات التقنية والمهنية شرطاً أساسياً للمنافسة في عالم سريع التحول.

وفي الثامن عشر من يوليو، يقف العالم احتراماً لإرث نيلسون مانديلا، الذي لم يكن رمزاً للتحرر السياسي فحسب، بل نموذجاً للقيم الإنسانية التي تنتصر على الكراهية والانتقام. ومن أروع ما يميز هذه المناسبة دعوة الأمم المتحدة كل إنسان إلى تخصيص سبع وستين دقيقة لخدمة مجتمعه، في رسالة تؤكد أن بناء الأوطان يبدأ من المبادرات الصغيرة، وأن العمل التطوعي هو الوجه العملي للمواطنة الصالحة.

ويحمل العشرون من يوليو مفارقة جميلة تجمع بين اليوم العالمي للشطرنج واليوم الدولي للقمر؛ فالأول يحتفي بعقل الإنسان وقدرته على التخطيط والإبداع، والثاني يحتفي بقدرته على تجاوز حدود الأرض واستكشاف آفاق الكون. وبين رقعة الشطرنج وسطح القمر، تتجسد رحلة العقل البشري من التفكير إلى الإنجاز.

وفي الخامس والعشرين من يوليو، يذكرنا اليوم العالمي للوقاية من الغرق بأن آلاف الأرواح يمكن إنقاذها عبر التوعية والتدريب ونشر ثقافة السلامة المائية. أما اليوم العالمي لالتهاب الكبد الوبائي في الثامن والعشرين من الشهر، فيعيد التأكيد على أن الوقاية والكشف المبكر والتطعيم ليست إجراءات صحية فحسب، بل استثمار في حياة الإنسان.

ويختتم يوليو أيامه بمناسبتين تحملان بعداً أخلاقياً عميقاً؛ اليوم الدولي للصداقة الذي يؤكد أن السلام يبدأ بعلاقة إنسانية صادقة، واليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص الذي يذكر العالم بأن كرامة الإنسان ليست قابلة للبيع أو المساومة، وأن مكافحة هذه الجريمة مسؤولية جماعية تتجاوز الحدود والقوميات.

إن المتأمل في مناسبات يوليو يكتشف أن العالم لا يحتفل بالأيام لذاتها، بل يحتفي بالقيم التي تحملها. فكل مناسبة تمثل نافذة للتعليم، وفرصة للمراجعة، ومنصة لإطلاق المبادرات. وهنا يبرز الدور المحوري للجامعات، والمؤسسات البحثية، ووسائل الإعلام، والمراكز الثقافية، في تحويل هذه الأيام من أخبار موسمية إلى مشاريع توعوية مستدامة، تغرس في الأجيال ثقافة المسؤولية، وتعزز الانتماء الإنساني. ويوليو تاريخياً شهر الاحداث الجسام والثورات والانقلاب وهو شهر ولادتي فيه ولكن لقد أدركت الأمم المتقدمة أن صناعة المستقبل تبدأ بصناعة الوعي، وأن الوعي لا يُبنى بالقرارات وحدها، بل بالتثقيف المستمر، وبربط الإنسان بالقضايا التي تمس حياته اليومية.

ومن هنا، فإن شهر يوليو لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه صفحة في التقويم، بل بوصفه وثيقة عالمية تذكّرنا بأن الإنسانية، رغم اختلاف لغاتها وأعراقها وثقافاتها، ما زالت قادرة على الاجتماع حول قيم واحدة: الكرامة، والعلم، والعدالة، والتعاون، والسلام.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا مع انقضاء هذا الشهر: هل تمر هذه الأيام علينا كتواريخ عابرة، أم نجعل منها منطلقاً لتغيير حقيقي في وعينا وسلوكنا ومؤسساتنا؟ فالحضارات لا تُقاس بعدد ما تحتفل به من مناسبات، بل بمدى قدرتها على تحويل تلك المناسبات إلى ثقافة راسخة، وسلوك يومي، ورسالة تبني الإنسان قبل العمران.

 

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

اقرأ المزيد

قطر الأمن والأمان قطر الأمن والأمان

ما أروع أن تجد نفسك في بلد يكتنفه الأمن والأمان مهما طرأت عليه تغييرات قد ترهقنا!، ولكن بفضل... اقرأ المزيد

39

| 02 أغسطس 2026

ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني

حين يتأمل العقل النقدي المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط، يصطدم بأكبر مأزق فكري يعاني منه الوعي الجمعي العربي: السقوط... اقرأ المزيد

36

| 02 أغسطس 2026

صوت الحكمة صوت الحكمة

مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وازدياد المخاوف من مخاطر تجدد انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع من... اقرأ المزيد

36

| 02 أغسطس 2026

مساحة إعلانية