رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الثورة المصرية تواجه تحديات تحرير الوطن والمواطن من التبعية
إذا كانت ثورة 25 يناير قد حققت إنجازها الكبير بإسقاط حكم مبارك وتحرير المواطن من الاستبداد والهوان، فإن الإنجاز الأكبر المتمثل في تحرير الوطن من التبعية يظل تحديا مؤجلا ومعركة لم يحن أوان حسمها بعد.
(1)
حين يلاحظ المرء ذلك الإقبال الأمريكي المتسم بالإلحاح على تمويل المنظمات الأهلية بدعوى دعم الديمقراطية في مصر، فإنه يجد نفسه مدفوعا إلى التساؤل عن سبب ذلك الإلحاح، وما إذا كانت الولايات المتحدة حريصة حقا وغيورة صدقا على إقامة الديمقراطية في مصر، أم أنها تبادر إلى الاحتياط حتى لا تقوم في البلد ديمقراطية حقيقية تضر بمصالحها؟?أستبق برد خلاصته كالتالي: إذا قال قائل بأن واشنطن حريصة على ديمقراطية النظام المصري، فإن كلامه يندرج تحت أحد عنوانين، إما العبط أو الاستعباط، ذلك أن النظام الذي ثارت ضده الجماهير في 25 يناير كان من بين أهم حلفاء الولايات المتحدة، كما أن النظم الاستبدادية والمتخلفة في المنطقة هي بين أولئك الحلفاء، بل ومن المقربين الذين تحتضنهم واشنطن وتعتبرهم من المعتدلين والأصفياء. وليس غائبا عن الأذهان ما فعلته واشنطن حين فازت حماس بالأغلبية في الانتخابات الديمقراطية التي جرت في الأرض المحتلة، إذ عاقبتها وخاصمتها وما زالت تضغط لاستمرار حصارها في القطاع وتجويع أهله.
قبل أن أستطرد، أسجل أن ما دعاني إلى الخوض في هذا الموضوع أمران، أولهما: الهجوم التمويلي المشهود الذي تشنه الولايات المتحدة لاختراق الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني في مصر بعد الثورة. الثاني أنني قرأت مقالة نشرتها صحيفة «الشروق» للدكتور جلال أمين يوم الجمعة الماضي، 12/8، تحدث فيها عن الثورة المصرية ومشكلة التبعية، استهلها بالسؤال التالي: ما فائدة ثورة يناير إذا لم تمكنا من التخلص من التبعية؟.. مضيفا أن مساوئ نظام حسني مبارك كثيرة ويصعب حصرها، ولكن من أسوئها بلا شك إن لم يكن أسوأها على الإطلاق، ضعفه المذهل أمام الإدارة الأمريكية، واستعداده الدائم للانصياع لها. ومن ثم لما تريده إسرائيل أيضا. وفي مقالته أبدى الدكتور جلال أمين تفاؤله بإمكانية الخلاص من التبعية المفروضة، مستندا في ذلك إلى خبرة التاريخ وتحليل توازنات الساحة الدولية في الوقت الراهن وإن شاركته تفاؤله، فإنني أردت التنبيه إلى أن الأمر يستدعي شروطا يجب توفيرها، ليس فقط في الساحة الدولية، ولكن أيضا بدرجة أكبر في قوة الإرادة المحلية.
(2)
الموقع جنى علينا وأغرى بنا الاستعمار والأطماع الإمبريالية. هذه العبارة أوردها الدكتور جمال حمدان في الجزء الثاني من كتابه عن شخصية مصر، الذي تعرض فيه لما سماه «جناية الموقع». وفيه قرر أن خطورة موقعنا وأهميته أخرت من استقلالنا وقدرتنا على التحرر نسبيا. وإنه بقدر أهمية الموقع، بقدر ما كانت شراسة الاستعمار في التمسك به والاستماتة من أجله. مضيفا أنه بسبب فرادة الموقع فإن نحو 40 أمة تطلعت إليه وسيطرت عليه خلال عمره المديد، كما يقدر بعض الباحثين.
في رأي الدكتور حمدان أن مصر لم تكتسب أهميتها الإستراتيجية فقط من موقعها الجغرافي بين الشرق والغرب، ولكن أيضا من كونها مفتاح العالم العربي. إذا سقطت سقط وإذا فتحت فتح. «ولذا كان الاستعمار يركز ضربته الأولى والقصوى على مصر، ثم ما بعدها فسهل أمره. هذا أدركته ــ وفشلت فيه ــ الصليبيات وتعلمه الاستعمار الحديث، فكان وقوع مصر عام 1882 بداية النهاية لاستقلال العالم العربي، بينما جاء تحرر مصر الثورة بداية النهاية للاستعمار الغربي في المنطقة، بل وفي العالم الثالث جميعا».
انضاف إلى الموقع الإستراتيجي الفريد عنوانان جديدان خلال الثمانين سنة الأخيرة هما ظهور النفط في الثلاثينيات وتأسيس دولة إسرائيل في أواخر الأربعينيات. الأمر الذي ضاعف من أهمية العالم العربي لدى الدول الغربية الكبرى، وضاعف في الوقت ذاته من أهمية مصر بحسبانها مفتاحا لذلك العالم وقاطرته الأساسية.
وإذا كانت إستراتيجية الموقع سببا لشراسة الاستعمار في تمسكه ببسط هيمنته على مصر على مدى التاريخ، فإن العاملين الجديدين اعتبرا ضمن «المصالح الحيوية» للعالم الغربي التي سوغت لدوله الكبرى الادعاء بأن حضورها ونفوذها في مصر (الدولة المفتاح) ضرورة لا غنى عنها. لذلك فإنه لم يكن مستغربا أن تسارع الولايات المتحدة فور رحيل الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، وتولي السادات للسلطة إلى تثبيت أقدامها في مصر وإقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية في ربوعها، على غرار ما فعلته في تركيا عقب الحرب العالمية الثانية. وهذا الكلام ليس من عندي ولكنه مقتبس حرفيا من المحاضرة الشهيرة التي ألقاها وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق آفي ريختر على الدارسين في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في شهر سبتمبر من عام 2008.
في شهادة الرجل التي سبق أن أشرت إليها أكثر من مرة تفاصيل مهمة عن الركائز التي سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إقامتها في مصر لضمان تثبيت نفوذ البلدين فيها. وهي تتمثل فيما يلي: نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار لجمع المعلومات وتحليلها ــ إقامة علاقة شراكة مع أقوى الأجهزة الأمنية في مصر ــ توثيق العلاقات مع الفاعليات صاحبة النفوذ في مصر، التي تشمل أركان السلطة الحاكمة وطبقة رجال الأعمال والنخب الإعلامية والسياسية ــ تأهيل محطات إستراتيجية داخل المدن الرئيسية في مصر ــ الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة بالعاصمة إضافة إلى مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر وبجوارها.
(3)
طوال أكثر من 35 عاما على الأقل ــ منذ عهد السادات ــ والولايات المتحدة وإسرائيل تعملان على تثبيت أقدامهما في مصر لضمان استبقائها في المعية ــ استتباعها إن شئت الدقة ــ بحيث لا تتغير سياستها إزاءهما تحت أي ظرف. وإلى جانب الترتيبات التي ذكرتها توا، فإن الوزير الإسرائيلي الأسبق تحدث عن تنسيق بين واشنطن وتل أبيب لمواجهة أي تحولات حادة في السياسة المصرية تجاه البلدين. وبالنسبة لإسرائيل فإنها تعتبر أن سيناء المجردة من السلاح رهينة لديها. وأن ذلك الارتهان تكفله ضمانات أمريكية من بينها السماح لإسرائيل بالعودة إلى احتلالها.
ذلك فيما هو معلن من سياسات وضمانات لثبات السياسة الخارجية المصرية تجاه البلدين. وإذا كان فيه ما يكفي لإثارة قلقنا وتوجسنا، فإن ما تتحدث به الطبقة السياسية في مصر عن ترتيبات أخرى غير معلنة يضاعف من ذلك القلق. إذ يرى هؤلاء أن الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك قدما لإسرائيل ضمانات غير معلنة لتأكيد التزامهما بإدامة السلام بين البلدين واستمرار «التعاون» بينهما في ظل كل الظروف. وليس مستغربا في ظل ذلك «التجاوب» أن يعد السادات شخصية مرموقة في إسرائيل، أطلق اسمه على أحد ميادين مدينة حيفا، وأن يوصف مبارك بأنه «كنز إستراتيجي»، ويقترح إطلاق اسم مبارك على ميدان آخر في المدينة ذاتها.
(4)
إحدى الخلاصات التي يخرج بها المرء من استدعاء هذه الخلفية أن خروج مصر من بيت الطاعة الأمريكي والارتهان الإسرائيلي ليس أمرا ميسورا، وأن كل الترتيبات والتربيطات التي أعدت خلال الأربعين سنة الماضية استهدفت التحسب للحظة الراهنة. إذ أريد لها أن تضمن ألا يقع احتمال الخروج، بحيث تبقى السياسة المصرية أسيرة ذلك الماضي. بالتالي فإن الهدوء الظاهر، المشوب بالرضا النسبي من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل على السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 25 يناير، ربما كان راجعا إلى اطمئنان البلدين إلى أن الترتيبات التي سبق الاتفاق عليها لا تزال سارية المفعول. إذ كان متوقعا أن يعبر البلدان عن قلقهما إزاء الثورة التي أسقطت النظام الذي كان حليفا قويا لهما، وحين لا يحدث ذلك ــ حتى الآن على الأقل ــ فلا تفسير له سوى أن البلدين أدركا أن الثورة كانت انقلابا على مبارك ونظامه وربما سياساته في الداخل، لكنها أبقت على سياساته الخارجية كما هي، على الأقل في توجهاتها الرئيسية.
لا أدعو إلى اشتباك أو حرب كما قد يخطر على بال البعض لكني أتحدث عن هدف التخلص من التبعية والانصياع للإرادة الأمريكية والإسرائيلية تحديدا. وأتساءل في هذا الصدد عن مصير الترتيبات والتربيطات التي أقيمت لاستمرار إلحاق السياسة المصرية بسياسات العدو الإستراتيجي. وهو الإلحاق الذي يظل أحد مظاهر التبعية التي يراد الخلاص منها.
لم يعد سرا أن الضغوط الأمريكية والغربية عموما والإسرائيلية ضمنها بطبيعة الحال، وكذلك التمويل الغربي لمنظمات المجتمع المدني في مصر، تستهدف، إلى جانب ثبات مرتكزات السياسة الخارجية، ضمان أمرين أولهما علمانية النظام الجديد. وثانيهما تقليص فرص التيار الإسلامي في التأثير على القرار السياسي. بالتالي فهم يريدون لمصر ديمقراطية تتحرك تحت هذا السقف. لكن تلك مغامرة غير مأمونة العاقبة. لأن الآلية الديمقراطية إذا استخدمت بنزاهة فقد تسمح للوطنية المصرية ــ وليس الإسلاميون وحدهم ــ بالوصول إلى السلطة والتأثير في القرار السياسي. وإذا ما تحقق ذلك فإن المطالبة بالتخلص من التبعية ستفرض نفسها على رأس أولويات العمل الوطني. وهنا يصبح الاشتباك السياسي ضروريا ولا بديل عنه.
أدري أن ترتيب البيت من الداخل وتثبيت أركانه من الشروط الضرورية، التي توفر للنظام العافية التي تمكنه من المطالبة بالخروج من إسار التبعية واستعادة الحرية. وأفهم ترتيب البيت بحسبانه فتح الأبواب للممارسة الديمقراطية وتنشيط مؤسسات المجتمع المدني، بما يمهد الطريق للنهوض على الصعيدين السياسي والاقتصادي. وإذا ما تحقق ذلك الترتيب فإنه يصبح بمقدور مصر أن تتحرى مصالحها العليا فيما تقدم عليه من خطوات، بحيث تستطيع أن تخوض بجدارة معركتها السياسية، وتقول «لا» لكل ما تراه متعارضا مع تلك المصالح أو مع مسؤولياتها الوطنية والقومية ــ لذلك قلت إنها معركة مؤجلة، لكنها قادمة لا ريب إذا ما أصرت مصر على مطلب الانعتاق والتخلص من التبعية. تؤيد ذلك الاختبارات التي واجهها النظام المصري خلال الأشهر الماضية، حين لم يستطع أن يحرز أي تقدم في فتح معبر رفح أمام فلسطينيي غزة، وحين لم يتقدم خطوة واحدة باتجاه تطبيع العلاقات مع إيران. حتى الاتفاق الخاص بفتح خط الطيران بين البلدين تعذر إدخاله حيز التنفيذ، لا بأس من أن يطول طريق الانعتاق لأن الأهم أن نظل سائرين على دربه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8886
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7203
| 15 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4767
| 22 سبتمبر 2026