رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أوّاب المصري

أوّاب المصري

مساحة إعلانية

مقالات

901

أوّاب المصري

تعازينا الحارة للشعب اللبناني المسحوق

30 أغسطس 2015 , 01:33ص

أثبت لبنان مرة جديدة تميزه عن غيره، وأن ما ينطبق على دول العالم قاطبة لا ينطبق عليه، فاللبناني يحرص دائماً على أن يكون "ما في متلو تنين". وضمن هذا الحرص يندرج ركون اللبنانيين وصمتهم أمام التفكك الذي تشهده البلاد. ففي كل بقاع الدنيا يؤدي الفساد والانهيار الاقتصادي والسياسي والأمني الذي تعاني منه البلاد لاشتعال ثورات شعبية تشارك فيها مختلف أطياف المجتمع لإطاحة الأنظمة الفاسدة، إلا في لبنان، فرغم المآسي والنكبات والمصائب التي يعاني منها اللبنانيون، فإنهم لا يلتفّون إلا حول زعيمهم، ولا يجتمعون إلا للدفاع عن طائفتهم، ولا يتقاتلون إلا على حصتهم من قطعة الجبن التي لا يأكلها في النهاية إلا المحظيون من حاشية الزعيم.

هذا الواقع المؤلم كاد يجد خاتمة له ويصل إلى نهاية سعيدة، في ظل التظاهرات التي شهدها وسط بيروت، وتغيرت النهاية السعيدة إلى نكسة جديدة في بناء وطن يجعل اللبناني يفتخر بلبنانيته، ونقطة سوداء في مسار الطموح لبناء نسيج اجتماعي متجانس، بعيداً عن إقطاعيات الطوائف والسياسة والمال، فقد نجحت هذه الإقطاعيات بتفوّق بحرف التظاهرات السلمية عن وجهتها المطالبة برفع النفايات من الشوارع، ووقف الفساد، إلى وجهات أخرى شوّهت صورتها ونفّرت اللبنانيين منها، بعد أعمال الشغب والاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة التي قام بها مندسون. نجحت الطبقة السياسية والمنتفعون منها بتوجيه رسالة لكل من يعتبر نفسه بعيداً عن الاصطفاف الطائفي والسياسي في لبنان مفادها أن مكانه ليس هنا، وأن عليه أن يبحث عن بقعة جغرافية في أرض الله الواسعة يعيش عليها، أما إذا أراد العيش في لبنان، فما عليه إلا اعتياد التصفيق والهتاف للحزب، وتعليق صور الزعيم، وترديد شعارات الحزب.

كان بإمكان التظاهرات التي طالبت بإيجاد حل لأزمة النفايات أن تتطور لتكون شرارة لاندلاع ثورة شعبية على الفساد كتلك التي شهدتها دول الربيع العربي. كان بإمكان مطلب رفع النفايات أن يكبر ككرة الثلج ليتحول إلى المطالبة بسقوط النظام الطائفي وبناء عقد اجتماعي جديد مبني على العيش المشترك والاحترام بين اللبنانيين، لكن أمراء الطوائف والأحزاب ما كان لهم أن يقفوا متفرجين وهم يشاهدون لبنانيين يجتمعون حول مطلب جامع بعيداً عن مصالح الطائفة والحزب والزعيم، فتداركوا الأمر وأوعزوا لشبيحتهم وبلطجيتهم وزعرانهم الذين كانوا بانتظار إشارة للقيام بأعمال الشغب والاعتداء على الممتلكات، وتشويه كل صورة مشرقة.

أمام هذا المشهد السوداوي يواصل المواطن اللبناني المسكين الصراخ، يعاني من أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية مزرية، يقبع في منزله، ينفث دخان سيجارته بعصبية، مع كل مصيبة جديدة يسمع عنها في نشرة الأخبار، ينظر إلى طفله الصغير الذي يلهو بلعبته، فيتذكر أنه لم يتمكن من تأمين جمع ثمن القسط المدرسي للعام الدراسي الذي يطل برأسه الأسبوع المقبل، هذا المواطن ليس نموذجاً نادراً، ففي لبنان شرفاء ومخلصون كثر، لا ينتمون إلى حزب ولا يقدّسون الطائفة، ولا يبغون من هذه الحياة إلا العيش بكرامة وحرية، لا يريدون رفاهية، فقط يتمنون كفاف يومهم وتأمين تعليم واستشفاء أبنائهم. أراد هؤلاء المشاركة في التظاهرة التي شهدها وسط بيروت لرفع الصوت والصراخ بوجه طبقة سياسية طائفية فاسدة لا تراعي إلا مصالحها. أراد هؤلاء أن يثبتوا للعالم أن في لبنان مواطنين لم تتلوث أيديهم بالفساد، لبنانيون مستاءون من الأوضاع الذي وصل إليه بلدهم، لبنانيون ليسوا مع 14 ولا 8 آذار، لا يعبأون بشغور كرسي الرئاسة، وغير معنيين بالخلافات بين السياسيين، إضافة لهؤلاء يوجد لبنانيون كثر يتابعون من وراء الشاشات ما جرى وسط بيروت، لكنهم يفتقدون الجرأة والشجاعة التي يملكها من نزلوا إلى الشارع، مشكلة هؤلاء أنهم يتجنبون تصدر المشهد ويفضلون الجلوس في الصفوف الخلفية، واعتادوا اللحاق بالركب، وكانوا بانتظار ما ستؤول إليه الأمور حتى ينزلوا ويشاركوا في التحرك. شرفاء هذا الوطن ليسوا قلة، لكن لا زعيم مستعد لقيادتهم ودعمهم ومساندتهم والمطالبة بحقوقهم.

هنيئاً للطبقة السياسية نجاحها مرة جديدة في إجهاض حراك شعبي وطني وحرف وجهته السلمية. هنيئاً لهذه الطبقة تفويت الفرصة أمام بروز مجتمع مدني لا ينتمي لطائفة ولا حزب ولا زعيم، هنيئاً لها تحقيق انتصار جديد على أهلها وناسها، وتعازينا الحارة للشعب اللبناني المسحوق الذي لم تتح له فرصة التغيير، و"هارد لك" في المرات القادمة.

مساحة إعلانية