رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تَصدرت كلمة معلش الترند الأسبوع الماضي في وسائل التواصل الاجتماعي والتي قالها مراسل قناة الجزيرة في غزة وائل الدحدوح اثر قصف بيت كان يضم أفراد أسرته واستشهد ابنه وابنته وزوجته في الوقت الذي كان ينقل فيه الحقيقة على الهواء مباشرة، وفي لحظات أصبح هو الخبر واستهداف عائلته الحقيقة التي لوحَ بها الصهاينة في قنوات أخرى، تكرر استهداف الصحفيين وعائلاتهم في فلسطين وخاصة لمراسلي قناة الجزيرة والتي تكاد القناة الإخبارية الوحيدة التي تُسخّر كل إمكانياتها وكل أخبارها لكشف ما يحدث في فلسطين لاسيما الأحداث الأخيرة في غزة بعد عملية طوفان الاقصى التي انطلقت 7 أكتوبر ليبدأ معها الغزو البربري الصهيوني على غزة، حيث لم يكتفوا باستهداف المنشآت العامة والبيوت بل جرتهم وحشيتهم لقصف المستشفيات وقطع الكهرباء والماء ناهيك عن منع المساعدات الإنسانية والغذاء من الدخول لغزة، مجازر لا تُعد ولا تُحصى تقوم بها إسرائيل يوميًا بدعم من الدول الكبرى وبصمت عربي مُقيت بل وبازدواجية في المعيار عند بعض الدول العربية التي تبرر لإسرائيل مجازرها ضد إخواننا في غزة للأسف!
ويحاول الاعلام الغربي إخفاء الحقائق عن الشعوب الغربية ويبث أخبارا مُضللة وقصصا مُختلقة ويحاولون شيطنة الفلسطينيين والمقاومة متناسين حقيقة أن الأرض في الأساس فلسطينية وأن إسرائيل مغتصِبة للأرض وهجّرت أصحابها قسراً واحتلت المدن الفلسطينية بإيعاز غربي، وأن المقاومة تدافع عن أرضها المتبقية بعد أن طغى الاحتلال على كل المدن الفلسطينية، في الوقت نفسه الذي يتاجرون بالصورة المُلفقة للأطفال المقطوعة رؤوسهم في إعلامهم يتجاهلون الأطفال الفلسطينيين الذين يَقتلهم الكيان الصهيوني بأسلحته المُدمرة وهم نيام ولا حول ولا قوة لهم، كذلك يُظهر المقاومة بأنهم وحوش بشرية في حين يتستر على وحوش الكيان الصهيوني الذي يُعذب الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية حتى الموت، وللأسف ليس الإعلام التقليدي الغربي وحده يحاول التستر على جرائم الحرب التي يقوم بها الصهاينة بل طال التستر والتقييد منصات التواصل الاجتماعي والتي لطالما كانت منبراً للكل والتي يبثُ فيها كل مستخدم أفكاره ومحتواه وإن كان مخالفاً للأدب والفطرة فها هم يفرضون تقييداً على المحتوى المناصر لفلسطين والذي يُبث الحقيقة من أرض الحدث، فكل النشطاء في فلسطين وخاصة غزة أصبحوا مراسلين يوثقون الحقيقة لحظة بلحظة ليرى العالم بشاعة ما يحدث في حق الإنسانية، ونعلم أن إسرائيل لها يد في كل الوسائل الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي بل انها تصرف الملايين لتلميع صورتها إعلامياً لتكسب التأييد الشعبي الغربي أو المُتصهين والكارثة أنها تتسيد الموقف بفضل دعم الدول الكبرى لها، ومؤخراً لاحظنا أن المنصات مثل الانستغرام والسناب شات فرضوا تقييدا على المحتوى الخاص لفلسطين ويتم حجب القصص التي تحتوي على الحقيقة المروعة في غزة بل ان بعض الحسابات تلقت تنبيهات بشأن ذلك وبعض الحسابات تم إغلاقها في السناب شات، وتقل نسبة المشاهدات وفرصة الوصول للمتابعين عند الحديث عن فلسطين وأحداث غزة وهذا ما يثبت تَعمّد منصات التواصل الاجتماعي إخفاء الحقيقة حتى لا تصل الجرائم الصهيونية للعالم، ونحنُ نعلم ما للتواصل الاجتماعي من تأثير على الكبار والصغار والذين يجب أن يعلموا حقيقة ما يحدث في غزة لأن البعض منهم لم تتم تربيته على القضية الفلسطينية وتاريخها، ومن جانب آخر نرى بعض الحسابات لشخصيات إسرائيلية سمجة تقوم بنشر محتوى يستخف بالفلسطينيين وأزمتهم من حيث سقوط أبنائهم شهداء أو أشكالهم بعد الخروج من تحت الركام يغطيهم السواد أو استفزازهم بوفرة المياه المقطوعة من أهالي غزة، فمثل هذا المحتوى لا يتم تقييده في شبكات التواصل الاجتماعي رغم أنه يُثير الاستفزاز، وللأسف هذا حال الغرب يُشجع كل ما هو غربي ويعتبره حرية رأي ويحارب ويقمع كل ما له علاقة بالإسلام والعروبة ويعتبره إرهابا وعنصرية وكأن العرب والمسلمين ليس لهم حق التعبير وحق العيش وحق الدفاع عن أراضيهم وحق العيش بكرامة وحق حرية المعتقدات والتي تنصب في قائمة الحريات الإنسانية التي نُشرت في بنود الأمم المتحدة التي فشلت هي الاخرى في إيقاف حمام الدم في غزة والذي سيكمل قرابة شهر وارتقت آلاف الأرواح البريئة والتي كان كل حلمها أن تعيش في وطنها بأمان وأن تتحرك في أرضها بسلام وأن تحظى بحياة طبيعية غير مُقيدة مثل باقي البشر!
• الأخطبوط إسرائيل تُهيمن على العالم لأنها خططت كيف يكون لها أذرع في كل مكان فنجد لها وجودا في القنوات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي والعلامات التجارية الكبيرة للمواد الغذائية غيرها بل والأدهى أنها تُسيطر على بعض الحكام لذلك تجد الدعم وتتسلط وتبطش في قتل الابرياء وتسلب الأراضي الفلسطينية دون تردد!
• فشلَ الإعلام الغربي في نقل الحقيقة التي لطالما نادوا بها، وظهرَ الانحياز للجانب الاسرائيلي في تغطيتهم الإخبارية وفي حسابات الذباب الإلكتروني الصادرة منهم، وحاولوا نشر قصص مُلفقة كصورة الأطفال المقطوعة رؤوسهم ومن ثم قدموا اعتذارا لعدم وجود ما يثبت ذلك، في الوقت الذي تتوفر صور اطفال فلسطين الشهداء ويتم حجبها عن الرأي العام، وشككوا في رواية الأسرى الإسرائيليين بالمعاملة الحَسنة للمقاومة بعد أن أُطلق سراحهم لتبقى صورة المقاومة والفلسطينيين والعرب والمسلمين سيئة فتزداد العنصرية والكره تجاهنا!
• حرية التعبير عند الغرب كذبة كبيرة ونقل الحقيقة بحياد كذبة أكبر جعلونا ندرسها في الإعلام وها هم يثبتون أن ليس كل ما تبثه وسائل الإعلام حقيقة وأنها تعمل وفق أجندتها والجانب الذي يدفع أكثر!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
Amalabdulmalik333@gmail.com
@amalabdulmalik
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2826
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2805
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1062
| 26 فبراير 2026