رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

15

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

التقليد ليس سيئاً!

30 نوفمبر 2025 , 05:34ص

هل فكرتم يوماً أحبابي القراء، فيما كان هناك شيء ليس مقلداً بالكلية؟ فليس هناك شيء يأتي من العدم، فالعدم من الناحية المنطقية لن يعطي شيئاً. فعرفت البشرية حساب الأرقام مع غياب الصفر. ولم يكن هناك رمز يمثل «لا شيء»، فكانت الأنظمة تفتقر إلى مفهوم القيمة المكانية، ولم تكن الأرقام السالبة موجودة. ولم يُخترع الصفر في وقت واحد، ولكنه تطور عبر الحضارات. استخدم البابليون رمزًا للفراغ حوالي عام 300 قبل الميلاد، بينما يعود أول استخدام للهند للصفر كعدد مستقل في النظام الحسابي إلى نحو القرن الخامس قبل الميلاد. ثم انتقل هذا المفهوم إلى العالم الإسلامي، حيث طوره العالم الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي ليصبح رمزًا دائريًا له قيمة عددية، وهو ما مهد الطريق لانتقاله إلى أوروبا وانتشاره. فليس هناك أصلي على الاطلاق، إذ لا بد من تقليد لمقلد من قبل. فالبدعة المطلقة للخالق من العدم ولا يكون المخلوق إلا مقلد. فالتقليد هو حجر الأساس الذي بنى الإبداع.

قد يبدو التقليد للوهلة الأولى، نقيضًا للإبداع والابتكار. في عالمنا اليوم، تكون للأصالة والتفرد قيمة لا تنازعها قيمة، ويُنظر إلى التقليد بعين الريبة، كونه دليلًا على الكسل الفكري أو العجز عن الخلق. لكن هذا التقييم، رغم جاذبيته، يفتقر إلى فهم عميق لدور التقليد كقوة دافعة، لا مُعطّلة، للتقدم الاقتصادي والفكري. إن النظر بتمعن يكشف أن الإبداع ليس ظاهرة مطلقة، بل هو دائمًا بناءٌ متراكم على أساس من التقليد المحكم. فالتقليد ركيزة اقتصادية.

حيث يُعد التقليد أداة بالغة الأهمية لزيادة الكفاءة والنمو. فلا يجب على المؤسسة او الشركة او الدولة أن تعيد اختراع العجلة! عندما تعتمد الشركات الناشئة أو الأسواق الجديدة على نموذج عمل أو تقنية جديدة أثبتت نجاحها فإنها انما اعتمدت على مبدأ التقليد، فهي تختصر دورة طويلة ومكلفة من التجربة والخطأ. هذا ما يسميه الاقتصاديون «اقتصاديات التابع السريع». فهو يخفض المخاطر والتكاليف. فالتقليد يقلل بشكل كبير من التكاليف المرتبطة بالبحث والتطوير الفاشل، وهو تبنٍ رشيد للخبرة المُحكمة. ومن فوائد التقليد؛ تسريع الانتشار، حيث يضمن انتشار الابتكارات الناجحة بسرعة عبر الأسواق، مما يزيد من الإنتاجية الكلية للمجتمع والدولة. فالصين تحكم العالم اقتصادياً من سيادة الابتكار والإبداع من مبدأ التقليد. ولا تظن عزيزي القارئ أن الولايات المتحدة سادة العالم من حيث النهج الإمبريالي إلا بعد وراثته من الإمبراطورية البريطانية ومن قبلها الفرنسية. ولم يكن عصر النهضة إلا بعد تقليد العلو الإسلامي من بعد النهضة في الأندلس. فالتقليد طريقة متبعة عبر الأمم والعصور. فتصنيع سفينة شحن للغاز الطبيعي أو إدارة فرع لمصنع للطائرات العالمية لا يعد فشلًا إن أصبح حقيقة داخل بلدنا الحبيب. فالتقليد يجب أن يصبح ضرورة فكرية ورؤية وطنية.

أما على الصعيد الفكري، فإن فكرة الإبداع المطلق هي مجرد وهم. لا يوجد مفكر أو فيلسوف أو فنان بدأ من فراغ تام. الإبداع هو دائمًا حوار نقدي مع ما سبقه؛ وهو محاولة لحل مشكلة تركها التقليد القديم، أو تفكيك وتركيب للأفكار الموروثة بطريقة جديدة. فمن حيث التعليم واللغة، فإن أبسط أشكال المعرفة، كالتعلم واكتساب اللغة، تبدأ بالتقليد. نحن نقلد الأصوات، ثم القواعد، ثم نبدأ بتكوين جملنا الأصلية. فالتقليد هنا هو المدخل إلى الإبداع. والتراكم المعرفي: التاريخ الفكري للبشرية هو سلسلة متصلة. تقليد أفكار أفلاطون، أو نيوتن، أو آدم سميث، لا يعني نسخها أعمى، بل يعني فهمها واستيعابها، وهذا الاستيعاب هو الذي يُمكّن المفكر التالي من تجاوزها أو بنائها. الإبداع الحقيقي لا يرفض التراث، بل يهضمه ويُحوله. فلا أصالة بدون تقليد، وإنما الأصالة أتت مع مرور الوقت، والناس أعطت الأصالة قمتها بناءً على الحاجة. فحتى أكثر الأعمال والتحف الفنية أصالة تستمد قواعدها وجمالياتها من مدارس وتقاليد سابقة. فالمخطوطات الأثرية تبني على قيمة محتواها ورغبة مورديها، والروائيون يستعيرون هياكل السرد المتوارثة مما سبقوهم. فالأصالة تكمن في التنويع البارع على أطر التقاليد الإنسانية المتوارثة منذ بدأ الخلق، وليست تأليفا عقليا ملهما من صمت مطلق.

فلقد علم الخالق أبا البشرية جمعاء آدم عليه السلام أسماء كل شيءٍ في الحياة. قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} البقرة ٣١.

اقرأ المزيد

alsharq سابقة قضائية قطرية في الذكاء الاصطناعي

بات الذكاء الاصطناعي اليوم واقعاً لا يمكن تجاهله في ميادين العمل القانوني، حيث بدأت العديد من مكاتب المحاماة... اقرأ المزيد

18

| 30 نوفمبر 2025

alsharq الخليج أمام لحظة الذكاء الاصطناعي.. ماذا بعد موجة التبني الأولى؟

يشهد الخليج اليوم لحظة مفصلية في مسار الذكاء الاصطناعي، لحظة تتجاوز حدود التبنّي التقني إلى إعادة تشكيل منظومات... اقرأ المزيد

24

| 30 نوفمبر 2025

alsharq صناعة الصحفي في الميدان

لا تزال الصحافة الميدانية تمثل العمود الفقري لأي منظومة إعلامية تسعى إلى المصداقية والفاعلية والتأثير، ورغم التطور الكبير... اقرأ المزيد

15

| 30 نوفمبر 2025

مساحة إعلانية