رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعد البحر الأحمر ممرًا بحريًا دوليًا مهمًا يمر عبره 10 بالمائة من التجارة العالمية. ويربط في أحد طرفيه البحرين الشرقي والغربي عبر البحر الأبيض المتوسط بقناة السويس، بينما في الطرف الآخر يتصل بالمحيط الهندي عن طريق باب المندب وينفتح على الشرق. رغم أهميته في الماضي، إلا أنه بعد افتتاح قناة السويس، زادت أهميته بشكل أكبر، حيث أصبحت تلك القناة أحد الأسباب الرئيسية وراء رغبة بريطانيا والغرب في السيطرة على البحر الأحمر وتدمير الإمبراطورية العثمانية، كما أشار إليه مصطفى باشا كامل في كتابه تحت عنوان «المسألة الشرقية». لذلك، في الوقت الحالي، تشكل سيطرة أي طرف على هذه المنطقة قضية جيوسياسية مهمة. بالرغم من استمرار النفوذ الغربي في المنطقة بشكل عام، إلا أن روسيا ايضا لديها اهتمامٌ طويل الأمد بالمنطقة، وكذلك يتزايد اهتمام الصين والهند.
وبالمقارنة مع منطقة الخليج، البحر الأحمر والمناطق المحيطة به أقل انتشارًا للصحراء وأكثر كثافة سكانية. وتتمتع دول المنطقة بموارد طبيعية كثيرة، وحتى إذا لم تكن لديها موارد، يمكن لتجارة وخدمات اللوجستيات أن تشكل مصدرًا رئيسيًا لتحقيق العيش. حيث يحتل السودان ومصر موقعًا متميزًا بفضل مياه النيل والأراضي الخصبة، مما يمنحهما إمكانيات زراعية هائلة. اذ يعتبر ضمان سلامة الغذاء قضية رئيسية لكل دولة، خاصةً مع تصاعد قضايا الاحتباس الحراري وتفشي وباء كورونا. وبالإضافة إلى قطاعي النفط والغاز، تكمن إمكانيات كبيرة للطاقة المتجددة في المنطقة، وذلك بفضل التوفر الكبير لأشعة الشمس. كما تتيح المنطقة أيضًا لكل دولة فرصًا كبيرة في مجالي الشحن وصيد الأسماك.
واليوم يبدو أن البحر الأحمر ومحيطه قد تعرض لدمار كبير عبر الإرهاب والانقلابات والصراعات والحروب الأهلية: الصومال واليمن وإثيوبيا والسودان وفلسطين وربما ليبيا ايضا..فالحرب الأهلية والتدخل الأجنبي في الصومال، المعروف باحتوائه على اليورانيوم والمعادن الثمينة والنفط والغاز الطبيعي بالإضافة إلى الموارد البحرية، مستمر منذ التسعينيات. وعلى الرغم من تحقيق استقرار نسبي بفضل الدعم الدولي الذي قدمته تركيا، إلا أن خطر الإرهاب والانقسام وبالتالي الحرب الأهلية لا يزال مستمرًا. كما أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يمارس تأثيرًا كبيرًا على الطرف الشمالي من البحر الأحمر في تلك المنطقة.
وجود اليمن على الجانب الآخر من باب المندب يمنحه إمكانيات تجارية وصناعية كبيرة. بالإضافة إلى النفط والغاز، يحتوي على مناجم للموارد الصناعية مثل الذهب والحديد والنحاس والحجر الجيري والجبس، ويتمتع أيضًا بإمكانيات قوية في مجال صيد الأسماك. بينما كان اليمن فقيرًا في الماضي بسبب سوء إدارة علي عبد الله صالح، إلا أنه اليوم يعاني من انقلاب الحوثي والحرب الأهلية. يُلاحظ أيضًا أن الحوثيين يؤثرون على حركة المرور في البحر الأحمر، خاصة فيما يتعلق بحرب غزة. من عجيب المفارقات هنا أن الإعلام الغربي كان يدعم الحوثيين أثناء استمرار الصراع بين الحكومة الشرعية اليمنية والحوثيين في مدينة الحديدة في عام 2021، واليوم تعبر نفس الحكومات الغربية عن قلقها من تصرفات الحوثيين في البحر الأحمر.
إثيوبيا، التي تعد دولةً قريبة جغرافياً من منطقة، على الرغم من عدم إطلالها مباشرة على البحر الأحمر، فإنها لا تزال تتأثر بالأحداث في المنطقة وتؤثر فيها. ويشهد الصومال توتراً أثناء محاولته فصل ولاية أرض الصومال عن الصومال. بالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقات مع مصر، وإلى حد ما، مع السودان، متوترة بسبب سد النهضة. أيضا حرب تيغراي في عام 2022 وما قد تفضي إليه من خطر الحرب الأهلية والتوترات مع الجيران، التي يمكن أن تندلع هناك في أي وقت، لا يزال قائما، وإلى الشمال، هناك أيضاً علاقة مترابطة بين الحرب الأهلية السودانية والأزمة الفلسطينية الإسرائيلية. لقد تم التطرق إلى المعنى الجيوسياسي وانعكاسات كلتا الحربين في مقالاتنا السابقة.
نتيجة لذلك، يمكن القول إن الحروب والأزمات المندلعة حول البحر الأحمر لم تنشأ بشكل فعلي من قبل شعوب المنطقة بمبادرة خاصة. باستثناء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تظهر هذه الصراعات عدم اعتمادها على انقسامات عميقة عرقية ودينية. حتى في حالتي السودان والصومال، حيث قد تحمل الأزمتان طابعًا عرقيًا، إلا أن هذا التأثير غير قوي، ولا يتسم بالاختلافات الدينية. وعلى الرغم من وجود اختلافات طائفية في اليمن، فإن الشيعة الزيديين والسنة لا يكفر بعضهم بعضًا حيث عاشوا معًا لآلاف السنين. في جميع هذه الأزمات، بما في ذلك حرب غزة، يشهد النزاع تدخلًا من قبل القوى الكبرى والقوى الإقليمية، مما يُضيف إلى تعقيدات الوضع.
وبما أن البحر الأحمر يهم العالم أجمع، فإن دولًا مهمة لها تواجد عسكري في المنطقة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا واليابان وتركيا والصين والهند. وعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية ومصر، كدولتين إقليميتين، تشعران بالقلق إزاء هذه التطورات، إلا أنه لا يُنظر إليهما على أنهما تلعبان دورًا كبيرًا في حل الأزمات. وفي أزمة اليمن، تركت القوى العظمى الحكومة السعودية دون دعم فعّال. ورغم محاولات السعودية في التوسط في أزمة السودان، إلا أنها لم تسفر عن أي نتائج.
إذا لم يتم حل هذه الأزمات، قد يتأثر مشروع نيوم الضخم أيضًا. وباعتبارها دولة تجارية وصناعية، تركيا تراقب عن كثب التطورات في المنطقة. ينبغي على تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر أن تلعب دورًا أكثر نشاطًا في التوسط وإيجاد حلول سياسية من أجل الاستقرار الإقليمي، وخاصةً فيما يتعلق بالمجتمعات الإسلامية التي تجد نفسها في صراع. حيث تستفيد هذه الدول من الاستقرار والتنمية، وليس من الفوضى. الفوضى تُعَدُّ عاملاً ضارًا لا يقتصر تأثيره على الدول المتأثرة بها فقط، بل يمتد أيضًا للدول المجاورة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
3924
| 07 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3894
| 04 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1443
| 05 يوليو 2026