رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* كنت أسمع من غيري عن إزعاج "Ooredoo" بإرسالها مسجاتها في أوقات تعد مزعجة، ولم ألق للأمر بالاً، فكل تصوري أن الأمر لا يتعدى العاشرة ليلاً وهذا الوقت يعد مزعجاً للذين ينامون مبكراً وهم قلة، أما الكثرة فكما تعرفون مسمرون أمام الشاشة التي استعبدتهم حتى صياح الديك! لكن عندما تعددت الشكاوى من الإزعاج لاحظت أن كثيرين غاضبون مما يصلهم من "Ooredoo" في أوقات غير مناسبة بالمرة..
بالصدفة أصبحت واحدة من الحانقين على أوريدو، ففي يوم 26/8/2015م، وتحديداً وبالضبط في الثالثة و22 دقيقة، و53 ثانية، أيقظني موبايلي على رنة مسج، توجست خوفاً من أن يكون في الأمر ما يقلق والساعة متأخرة، طار النوم من عيني وأنا أفتح "المسج" مترقبة ما فيه، وإذ به رسالة من "Ooredoo" تعلمني فيها برصيد مستحق الدفع! يا سلام!! قبيل الفجر؟ لم تجد الشركة وقتاً مناسباً إلا قبيل الفجر؟ بجد كنت أتمنى لحظة قراءة "المسج" أن يكون معي رقم أكبر مسؤول في شركة الاتصالات لأطلبه في التو، وأوقظه، وأسأله هل يليق إيقاظ الناس من نومهم، وقلة راحتهم، وإزعاجهم، وإخافتهم بمسجات قبيل الفجر؟
هل هذا الوقت لائق بأي اتصال للتنبيه بالدفع؟ ألم يخطر ببال "Ooredoo" أن في عملائها كبار سن، وأطفال، ومرضى، وبشر يعملون بنظام الشفت، وناس مؤرقون بأوجاعهم لا يزورهم النوم إلا قليلا، ألم يخطر ببال "Ooredoo" أن أي شركة اتصالات في (بلاد بره) لو انتهجت نهجها بإيقاظ الناس من نومهم، وإزعاجهم في أوقات راحتهم تعرضت للمقاضاة، والمساءلة؟! ولأننا لسنا (بلاد بره) نرجو من "Ooredoo" عدم الاستهتار براحة الناس، ومراعاة التوقيت المناسب لترسل للعملاء ما تريد (عندها اليوم طويل محبكش قبل الفجر) ويكفي الآلاف التي ندفعها للشركة لقاء كلام في الهواء (يعني مش معقول يبقى دفع، وإزعاج)! على فكرة واحد من المنزعجين من رسائل الشركة أقسم لو أن "Ooredoo" أرسلت له (مسج) قبل الفجر أو في أي ساعة متأخرة فلسوف يتوجه بالمسج إلى قسم الشرطة وسيطلب حقه القانوني من "Ooredoo" وشخصيا لو تكرر الأمر سأحذو حذوه بكل تأكيد.
* أحد الذين يهزون أكتافهم لشكاوى الناس يقول على المتضررين إغلاق هواتفهم قبل النوم لتفادي الإزعاجات، وله أقول ليس مطلوبا من الناس إغلاق هواتفهم ولا لأي كان الحق في هذا الطلب، فللعملاء أولاد يدرسون بالخارج، وأهل خارج قطر ومرضى بمستشفيات خارج الدوحة قد يحتاجون التواصل مع ذوويهم في أوقات متفرقة مفاجئة وتخضع لفروق التوقيت، لعله من الأسهل أن تتفادى "Ooredoo" إرسال مسجاتها المزعجة في وقت غير مناسب بدلاً من أن يغلق الناس هواتفهم تفاديا للإزعاج، ويا ريت يطالب كل منزعج بمسج من "Ooredoo" ببدل إزعاج ينفذ بعد إثباته بتخفيض من قيمة الفاتورة، وهذا المطلب نرفعه للسادة المسؤولين بالشركة علهم يدرون بمدى غضب الناس من الإزعاج أو يتصورون صداع من فز من نومه على مسج من "Ooredoo".
* * * "المدير الواحد لا شريك له"!
* المدير الديكتاتور في عالمنا العربي الوسيع يحرص على المركزية حرصه على نور عينه، فهي التي تمكنه من احتلال كل كادر الصورة وحده دون سواه، وليتوقف ما يتوقف، وليتأخر ما يتأخر، وليذهب المراجعون إلى الجحيم، فرصة أن نقول بعد دمار مؤسسات كثيرة بالمركزية البغيضة لماذا لا يجتمع مدير المؤسسة، ومدير المدرسة، ومدير البنك، ومدير المستشفى، ومدير المصنع، ومدير كل إدارة في أي موقع عمل بموظفيه يستمع بنفسه لخطط سير العمل بحثاً عن الأفضل مستفيداً من آراء الموجودين جميعاً التي قد تتفوق على رؤيته، لماذا لا يستمع بنفسه لمظلوميه المظلومين دون وسيط ولا كتاب يصل أو لا يصل، ينساه السكرتير عامداً أو يتعطف بتمريره؟ لماذا لا يخصص يوماً في الشهر كيوم استماع الرئيس لمرؤوسه لإصلاح أشياء كثيرة، كلها تصب في صالح الإنتاج؟ لو جرب المسؤول لعرف.
* في عالمنا العربي الجميل اللوبيات، البلديات، البرلمانات، النقابات كلها تجمعات لا يؤخذ فيها قرار إلا بعد طرحه على الكبير، إذا وافق وافقوا، وإذا (لم) تراجعوا!
* * * حوار يحدث كثيراً
* - المعاملة خلصت؟
- لا.
- ليه؟
- المدير مسافر.
- أليس له نائب؟
- فيه نائب لكن أي قرار يجب أن يوقعه المدير!!
* إنها المركزية يا سادة التي تعم كل دكاكين العالم العربي إلا من رحم ربي، والتي تؤكد أن القرار بيد واحد لا شريك له اسمه (المدير)!!
* * * طبقات فوق الهمس
* عندما تكون في قمة السعادة لن تنام، وعندما تكون في قمة الوجع لن تنام! غريب أمر الإنسان!
* تأكد أن كل الصعوبة ستسهل، وكل المستحيلات ستتلاشى لو دققت في ست كلمات تقول (إن الله على كل شيء قدير).
* تذهب لتخليص معاملتك عند (فلان) فيعثرها لك ويعقدها، تذهب بعد فترة لغيره فيسهلها لك وبسرعة ينجزها! الفرق في المعاملة دين، وتربية، وأخلاق.
* شاهدت خمس صور مرعبة لمسلمين في بورما محروقين، ومذبوحين من الرقبة ويصفى دمهم في إناء كبير، ترافقت الصور مع صور زفاف الفنانة (فلانة) الذي هز الدنيا، ولم يهتز أحد لمذبحة بورما! لكم الله يا مذبوحين دون بواكٍ، وعذراً نحن لم نعد نصلح حتى للعزاء!!
* ارحل بروحك للجواد بركعتين .. واغسل فؤادك بالتقى في دمعتين
يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف .. ثم انتهى ثم استحى ثم اعترف
أبشر بقول الله في آياته .. إن ينتهي يُغفر له ما قد سلف
خطب مكررة... وقضايا تنتظر المنبر
أصبحت خطب الجمعة في كثير من الأحيان متشابهة إلى درجة أنك تكاد تتوقع موضوع الخطبة القادمة قبل أن... اقرأ المزيد
117
| 19 فبراير 2026
التكلفة الخفية للإدارة داخل المؤسسات
قد تبدو المؤسسة ناجحة على الورق، أرقام مستقرة ومشاريع مستمرة، لكن ما لا يُرى أحيانًا هو ما يُنهكها... اقرأ المزيد
78
| 19 فبراير 2026
لماذا المناطق الحرة القطرية؟
أقر قانون المناطق الحرة الاستثمارية ٢٠٠٥/ ٣٤ للشركات والكيانات التي تسجل أنشطتها تحت إشراف هيئة المناطق الحرة؛ العديد... اقرأ المزيد
117
| 19 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6357
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1965
| 12 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
954
| 16 فبراير 2026