رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتناول بعض النقاشات التي تدور في مواقع التواصل الاجتماعي والتي تعبر عن نبض الشارع، قضايا هامشية لا تعد موضوعات محورية، ومع الأخذ بالاعتبار اختلاف الآراء والأذواق ومذاهب الناس فيها، إلا أن غالبية تلك النقاشات لا ترقى بالفعل لأن تكون قضايا مهمة تتصدر الرأي العام كالقضية التي تثار سنوياً عن مدى مشروعية تهنئة بابا نويل بعيده المجيد من عدمها، وغيرها من القضايا.
خلال العام الجاري والذي شارفنا على نهاياته، ومع ما يمر به العالم من جائحة المت به، وتأثيرها على مختلف أوجه الحياة وتقليصها للخيارات أمامنا، نجد أن هناك قضايا أخذت تطفو على السطح واشبعت نقاشًا وبحثًا، ومنها قضية السفر والقيود الموضوعة على حرية السفر والانتقال وتذمر فئة من الناس من الوضع الراهن، وأنا هنا اتحدث عن السفر للسياحة على وجه التحديد ولست بصدد الحديث عن السفر من أجل العمل او الدراسة او العلاج او العودة إلى الديار.
يمثل السفر السياحي للبعض أهمية قصوى حيث يتم تصويره كإحدى ضروريات الحياة التي من دونها لن نبلغ مبلغ السعادة والاطمئنان ولن نشعر بالرضا عن أنفسنا، ومع القيود والإجراءات الاحترازية المفروضة على المسافرين والحجر عند الوصول والعودة بجانب الفحوصات التي تنخر الأنوف وتدمع الابصار، نجد البعض مصراً على المضي قدماً وقد تكبد العناء وحزم أمتعته وشد الرحال بإصرار الى ديار تطبق هي الأخرى إجراءات احترازية صارمة جراء الوضع الراهن، دون التوقف وسؤال النفس عن جدوى السفر والغاية منه- سواءً في هذا الوقت او أي وقت- وهل هو فعلاً يحقق لنا المتعة التي نبحث عنها والرضا الذي ننشده.
إن تلك الصورة المنطبعة في الأذهان عن السفر أصبحت تتناقلها الأجيال ويرثها الأبناء عن الآباء حتى أضحت ضرورة لا يكتمل عامنا إلا بها وصارت غاية عوضاً عن أن تكون وسيلة، ودون الوقوع في شرك التعميم، نجد أن البعض ممن جعل السفر ديدناً وطقساً سنوياً لا يستطيع التخلي عنه، أصبح في سفره يكرر نمطاً من السياحة لا يكل ولا يمل منه، وتجده وقد دأب على الذهاب إلى الأماكن ذاتها وارتياد المقاهي والمطاعم الموجودة أساساً في بلادنا، وقد يقضي يومه في النوم الى وقت متأخر، ليكمل ما تبقى من يومه في باحة الفندق، متجاهلاً الفوائد السبع للسفر التي تحجج بها ودون ان تقدم له رحلته الميمونة فائدة تذكر سوى بذل المال والذي قد يكون مقترضاً من أجل هذه الغاية.
في الواقع فإن السعادة تمثل غاية ينشدها جميع البشر على اختلاف اعراقهم وألوانهم، ولكن دون الوقوف والتفكر في معنى السعادة والتبصر بها، سنجد أنفسنا نمارس ما يفرضه علينا المجتمع على أنه "السعادة" الأمر الذي يقلص خياراتنا ويجعلنا نلهث خلف غاية قد لا تكون هي مرادنا ولن تزيدنا إلا بؤساً وسأماً.
يجرنا هذا الواقع الى طرح تساؤل: هل توقفنا يوماً مع انفسناً وتفكرنا فيما نريد؟ وهل تجرأنا وحاولنا الخروج من صندوقنا المغلق وتجاوز الدائرة المرسومة لنا على الرمال، نحو أفق ارحب ومفهوم أشمل للسعادة؟ إن السعادة ليست بالضرورة ما يقوم به الآخرون، وما يسعد غيرنا ربما لا يسعدنا، كما أن اختزال مسببات السعادة باتباع خطى الآخرين هو تقاعس وكسل عن فهم الذات وسؤال النفس عن مرادها، فكثير من الأشخاص لا يعلم ما يريد، فيتصور واهماً ان مجرد قيامه بما يقوم به الآخرون هو في حد ذاته ما يسعده ويطمئن قلبه، وبذلك تغيّر المفهوم واختلت البوصلة، فأصبح القيام بما قام به الاقران في حد ذاته سبباً للسعادة وعدم الشعور بالحرمان، والعكس صحيح.
يقول فردريك كيونغ: "لقد نسينا بأن السعادة ليست الحصول على ما لا نملك بل هي أن نفهم وندرك قيمة ما نملك". بالفعل فإن السعي خلف مالا نملك والاعتقاد الدائم بأن الحصول عليه هو مبتغانا لهي التعاسة بحق، ولن يزيدنا هذا الموضع إلا حسرةً وقلقاً، لأن الإنسان مهما بلغ فلن يحصل على كل ما يريد، فلا بد لنا من ان نوقن أن ما تصوره لنا شاشات الهواتف وما تعكسه لنا تطبيقات التواصل الاجتماعي عن حياة الآخرين ليست هي حياتهم بالفعل، وعلينا أن لا نبقى رهينة لتلك التطبيقات وان لا نسمح لها بأن توجه سلوكنا وتحدد أهدافنا، وقد نجحت تلك الوسائل بالفعل في ذلك المسعى، إلى درجة أنها استطاعت ترويج السلع البائرة المرمية على رفوف المحلات في الأسواق الشعبية والتي لا يلتفت لها أحد، وتسويقها بأضعاف أثمانها واصبحت المتاجر الالكترونية غير قادرة على تلبية طلبات الزبائن التواقين للحصول على ما يمتلكه المشاهير وما يسوقونه على انه غاية السعادة وسبب الرضا!.
وما ينطبق على سياحة الخارج ينطبق على سياحة الداخل كذلك، ففي كثير من الأحيان عندما أذهب إلى أماكن سياحية ومرافق جميلة موجودة في بلادنا، تنافس في جمالها ورونقها وحداثتها أرقى المرافق السياحية في البلدان الأخرى التي نسافر اليها، أجد أن ارتيادها مقتصر على البعض من الأخوة المقيمين في حين انها تخلوا من المواطنين، في حين أن أماكن أخرى قد امتلأت بهم ولن تجد لك فيها موطئ قدم وكأنك تعيش في عالمين متوازيين، والسؤال هنا هو: لماذا نحرم أنفسنا من خيارات موجودة لدينا بحجج واهية ثم نتذمر من غلاء الأسعار التي تفرضها علينا بعض الأماكن، ونتحسس إذا قيل إنها مخصصة "للبعض" دون غيرهم ممن لا يهمهم المبلغ المدون على الفاتورة؟ ألسنا نحن من قلص خياراته واتبع ما تمليه عليه الحياة الزائفة التي نشاهدها في تطبيقات التواصل الاجتماعي وما يسوقها الآخرون على انها السعادة الحقة؟.
في تقرير أصدرته منظمة السياحة العالمية في عام 2018 بالتعاون مع لجنة السفر الأوروبية حول معدل الإنفاق العالمي على السياحة لعام 2017، كشف ذلك التقرير أن نفقات السياحة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي ارتفعت خلال العام 2017 إلى 60 مليار دولار مقابل 40 مليار دولار في 2010.
ومن جهة أخرى فقد أظهرت بيانات بريطانية أن إنفاق الخليجيين على التسوق يعادل ضعفي متوسط إنفاق السياح الآخرين، حيث يبلغ معدل إنفاق السائح الخليجي 442 جنيها إسترلينيا، وهو بذلك يتصدر قائمة السياح في الانفاق على التسوق في بريطانيا.
وأمام تلك الحقائق ينبغي علينا مراجعة علاقتنا مع السفر وتصوراتنا عنه، والخروج من دائرة الاستهلاك التي تلاحقنا في حلنا وترحالنا وأفراحنا واتراحنا، والتصدي لـ"رسملة" كل ما يحيط بنا، لا بد لنا من التوقف مع أنفسنا وتحديد أولوياتنا وأن لا نصدق الشعوذة التي يمارسها علينا البعض عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي التي أصبحت نقمة علينا بدل ان تكون نعمة نحسن استخدامها، وأن لا ننخدع بحياة الزيف التي تُصور على أنها الغاية المنشودة، وأن لا نستنزف جيوبنا ونبذل كل ما نملك لتقليد ما يقوم به غيرنا، فإن لم نمتلك الى السفر سبيلاً، فذلك لا يعني أن نبقى رهن التعاسة والتذمر والتململ، فوسائل المتع كثيرة بين أيدينا ولا يحجبها عنا سوى النظر لها بعقلية مستقلة متبصرة وعندها سندرك معنى السعادة وسنوقن أن قول الشاعر محمود حسن إسماعيل "ظمآن والكأس في يديه" في قصيدته "النهر الخالد" التي صدح بها الموسيقار محمد عبدالوهاب ينطبق علينا.
سيرى العالم قدرة قطر على استضافة أحداث عالمية بنجاح استثنائي
في عام 1993، انتهى "شكلياً على الأقل" نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أو ما يسمى بالـ(الأبارتايد)، والقائم... اقرأ المزيد
4314
| 10 نوفمبر 2022
المجلس المنتخب بين الواقع... والمأمول
خلال الفترة الماضية، تصدرت مستجدات مجلس الشورى عناوين الأخبار، وما زالت، إلا أنها لم تعد كالسابق، فقد انتقلت... اقرأ المزيد
2458
| 16 ديسمبر 2021
هكذا تكلم أبو تريكة
اعرف ابو تريكة بالاسم، ولكنني لو شاهدته قبل اليوم لما عرفته، ليس لكونه مجهولاً بل لجهلي أنا الكبير... اقرأ المزيد
3568
| 09 ديسمبر 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026