رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

435

د. أحمد المحمدي

لبيك اللهم لبيك

01 يونيو 2025 , 02:00ص

الحجّ ليس انتقالًا من بلدٍ إلى بلد، بل هو خروجٌ من النفس إلى ربّ النفس، هو السفر الذي تُخلع فيه عن القلب أغطيته، ويُنزَع فيه عن الروح غبار الأيام، وتُكتَب فيه صفحةٌ جديدة من النور، كأن العبد حين يخرج من داره إنما يخرج من ذاته، ويعود وهو ليس هو.

ما بين التلبية الأولى حتى آخر دمعة على عرفات، يمرّ الإنسان بتجربة خلع الدنيا، لا من الجيب والثوب، بل من الضلوع والأعماق. يتخفّف من الأسماء، من المناصب، من الزينة، من الحُجُب، حتى لا يبقى إلا هو، ونفسه، وربّه.

الحجّ موسمٌ يلتقي فيه الخلق على صعيدٍ واحد، وتنكسر فيه الفوارق، وتسقط فيه الزخارف، فلا وجهٌ إلا وجه التوبة، ولا لباسٌ إلا لباس الذل، ولا صوتٌ يعلو على «لبيك»، ولا طواف إلا حول بيتٍ بُني على التوحيد، وسُقي بدموع المحبين.

الذي يقف بعرفة، إنما يقف على باب الرحمة، وإنّ دمعةً واحدة على ذلك الصعيد، لتعدل جبالًا من العمل، ولفظةَ استغفار، تصعد به إلى أعلى مراتب القبول.

ذاك اليوم هو محشرٌ صغير، فيه تُسكب الرحمة لا الحساب، وتُعطى الصحف لا العقاب، وتُكتب البداية لا النهاية.

الذي يطوف، إنما يدور حول محبوبه، فيزداد بكل شوطٍ قربًا، وبكل طواف شوقًا، وبكل دمعةٍ يقينًا، فالبيت ليس من حجارة، ولكنه مناداة للقلوب، دعوة من السماء أن أقبلوا.

الذي يسعى، لا يركض بين جبَلين فقط، بل يركض بين اليأس والرجاء، بين الخوف والطمع، بين فناء الدنيا وثبات الطاعة، وهو يكتب برجليه قصة امرأة سعت لأجل ولد، فصار سعيها شريعةً للأمم، ورحمةً للعالمين.

أما التجرّد من الثياب، فليس من أجل الفقر، بل من أجل العودة إلى أصل التكوين، ليقف الإنسان كما خرج من بطن أمه: لا يملك من نفسه شيئًا، ينتظر القَبول والرحمة.

وأما التلبية، فهي تجديد عهد، وتكرار عهد، وإصرار على العهد، كأنّ العبد

يقول: لبيك، وإن تأخرتُ، لبيك، وإن عصيتُ، لبيك، وإن قصّرتُ، لبيك مهما كنت.

وفي الحج تتجلّى أعظم معاني التوحيد؛ يُلقى فيه عن القلب كل شريك، وتُنسى فيه الدنيا والناس، ويُرفع فيه شعار: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».

ومن كرم الله في هذه الفريضة، أنه جعل أجرها عظيمًا، وثوابها موفورًا، وجعل من حجّ فلم يرفث ولم يفسق، يعود كما ولدته أمّه، نقيّ الصفحة، طاهر القلب، خفيف الحمل.

فيا من نادى ربّه في عرفات، ويا من طاف حول البيت، ويا من سعى وقبّل، ويا من لبّى وهلل، ابكِ كثيرًا، وارجُ كثيرًا، فإن الله في هذا المقام أرحم من كل وصف، وأقرب من كل ظن، وأوسع من كل حلم.

أما من لم يبلغه الحجّ، فحسبه أن يحسن النية، ويشتاق بقلبه، ويتعطّر بذكر الحجيج، ويكثر من الذكر والدعاء، فإن الرحمة أوسع من أن تُقصر على مَن حضر، والله كريم لا يُضيّع قلبًا اشتاق، ولا عينًا بكت، ولا لسانًا قال:

«يا رب، لو استطعت لحججت».

اللهم اجعل حجّنا حجًّا مبرورًا، وسعينا مشكورًا، وذنبنا مغفورًا، واجعل عودتنا عودة إلى الطاعة، لا إلى الغفلة، وإلى النور، لا إلى الظلمة، وإلى الصدق، لا إلى الحجاب.

اللهم لا تحرمنا ما حيينا من شوق البيت، ولا تجعلنا ممن يُردّ بعد التلبية، واكتب لنا حجًّا آخر قبل الممات، أو حسنَ ختامٍ يقوم مقامه.

مساحة إعلانية