رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شاركت في منتدى الجزيرة السنوي الخامس عشر الذي استضافه مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة الأسبوع الماضي. أقتبس من تعريف المنتدى بتصرف: «لم يبلغ الموقف العربي في علاقته بالقضية الفلسطينية من الضعف والسلبية وانعدام الوزن ما بلغه أثناء الحرب الأخيرة على غزة.. ولم تفلح اتفاقيات السلام المنفردة ومساعي التطبيع التي نشطت في السنوات الأخيرة في تغيير هذه المعادلة تغييرا جذريا أو إدماج إسرائيل في محيطها واعتبارها مكونا طبيعيا من مكوناته».
رصدنا وناقشنا في جلستنا تحولات المواقف العربية من القضية الفلسطينية بين الانخراط الكامل والوساطة الحذرة والتعاون مع إسرائيل، وأسباب تلك التحولات، وبحثنا في رهاناتها وآثارها على مستقبل الصراع».
أكدت في ورقتي للأسف لا يمكننا الحديث عن موقف عربي جماعي تجاه القضية الفلسطينية وحتى في المقاربات والتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي على مدى قرن ضد الشعب الفلسطيني وما يُعرف ب»دول الطوق»-بعد تطبيع مصر والأردن مع الاحتلال الإسرائيلي. وكرّت السبحة في صفقة القرن والاتفاق الإبراهيمي عام 2020 برعاية ترامب عرّاب الاتفاق.
استبدل ما يُعرف «بمحور المقاومة تكتل دول وتنظيمات مسلحة بقيادة الحرس الثوري الإيراني: بعضوية النظام السوري وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي ومليشيات عراقية ضمن الحشد الشعبي والحوثيين في اليمن»-دول الطوق».
والملفت قيادة وتحكم ذلك التحالف بمجريات النظام العربي اليوم، وليست الدول المركزية العربية. فكتائب القسام-الذراع العسكري لحماس هي من أطلقت عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر التي أعادت القضية الفلسطينية للصدارة بعد تهميشها وإخراجها من المشهد العربي برمته. وزاد المطبعون العرب تهميشها بتقديم التطبيع دون تحقيق إنجازات حقيقية للفلسطينيين. ما ساهم بإضعاف النظام والإجماع العربي وفقدان بوصلته. خاصة بعد مخالفة إجماع القمة العربية في بيروت عام 2002 بتبني المبادرة العربية للسلام بعدما كانت سعودية: «الأرض مقابل السلام»-»والتطبيع العربي الكامل-مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل» من جميع الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس والضفة الغربية والجولان السوري المحتل وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية»-ردت إسرائيل بنسف المبادرة العربية واجتاح شارون مخيم جنين وعاث قتلاً وتنكيلاً قبل أن يجف حبر المبادرة العربية-بمعادلة: السلام مقابل السلام، ولا تنازل عن الأراضي ولا عودة لحدود 4 يونيو 1967. أكدت في ورقتي في منتدى الجزيرة «لا يوجد موقف عربي واحد يدفع لوقف حرب غزة الدامية. للأسف لدينا مواقف تتراوح بين مترددين ومراقبين ومطبعين ووسطاء، مجتمعين يعجزون عن وقف حمامات الدم والإبادة المفتوحة. لذلك الموقف العربي تائهاً ومرتبكاً وغير متسق وحتى متناقض. ويبدو النظام العربي اليوم مترهلا وفاقدا للبوصلة وبلا قيادة. برزت تجليات ذلك بعجز النظام العربي في التأثير على مجريات حرب إبادة إسرائيل على غزة. وبرغم قمتين عربية-إسلامية في نوفمبر والقمة العربية الثالثة والثلاثين في البحرين والاتفاق على مؤتمر عالمي للدفع بمزيد من دول العالم بالاعتراف بدولة فلسطين والتأكيد على حل الدولتين. لكن الواقع المؤلم تمثل بعجز العرب عن إدخال شاحنة واحدة عبر معبر رفح العربي باتجاهين إلى غزة!. وفشلنا في كسر الحصار وإدخال قوافل المساعدات!
والصادم مع تصاعد أتون حرب إبادة الصهاينة الوحشية بدعم وشراكة كاملة من إدارة بايدن-الذي بدأ ينقلب ويبتعد عن مواقف نتيناهو وحكومته المتطرفة بمقترح لوقف الحرب وتبادل الأسرى وإعادة إعمار غزة- بعد ارتكابها جرائم حرب وسبق اتهم إسرائيل بقصف عشوائي في غزة!
والمثير للدهشة ضغط ودفع الرئيس بايدن وقيادات إدارته ومبعوثيه في زياراتهم المتكررة للمنطقة: وزير الخارجية بلنكين ومستشار الأمن الوطني سوليفان والمبعوث للشرق الأوسط ماكغوريك-للتطبيع بين السعودية وإسرائيل. بطمأنة السعودية بالتوقيع على معاهدة أمنية مُلزمة بالدفاع عن السعودية والمساعدة بتطوير برنامج نووي سلمي، والتعهد حسب المبادرة العربية للسلام بالعمل على مسار للالتزام بدولة فلسطينية بشكل جدي لا نكوص عنه. ولكن من يثق بنتنياهو واليمن المتطرف؟ وبمن باع وهم أوسلو على مدى 30 عاما ويفاخر أنه عطل اتفاق أوسلو ومنع قيام دولة فلسطينية ويوغل بالدم الفلسطيني في غزة والضفة الغربية ويصادر الأراضي ويوسع المستوطنات ويطلق قطعان للمستوطنين للتنكيل بالفلسطينيين، واستباحة حقوقهم وأرضهم مع وزراء متطرفين يقتحمون باحات المسجد الأقصى.
وبرغم الزلازل التي تضرب إسرائيل مؤخراً: بقرارين غير مسبوقين بطلب كريم خان مدعي عام محكمة الجنائية الدولية إلقاء القبض على نتنياهو ووزير دفاعه غالنت لمسؤوليتهم عن جرائم الحرب، وقرار محكمة العدل الدولية وقف فوري للحرب على رفح والسماح بدخول المساعدات. شن الصهاينة والجمهوريون في مجلس الشيوخ ومجلس النواب الأمريكي حملة هجوم منسقة وغير مسبوقة على المحكمتين واتهموهما بالعداء للسامية. تلى ذلك اعتراف 4 دول أوروبية هي إسبانيا والنرويج وإيرلندا وسلوفينيا بالدولة الفلسطينية، كان بمثابة ضربات مؤلمة لغطرسة وترهيب الصهاينة ضد منتقديهم بأنهم يعادون السامية ويدعمون الإرهاب ويكافئون حماس! نشهد اليوم مرحلة تاريخية غير مسبوقة-بسقوط السرديات والأساطير الصهيونية على مدى أكثر من قرن من التدليس ولعب دور الضحية «للديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط والجيش الأكثر أخلاقية في العالم»!-لتفضح وتُسقط حرب إبادة الصهاينة الوحشية على غزة أقنعة الصهاينة وتُظهرهم على حقيقتهم السادية بقتل الأبرياء وحرق الأطفال وملاحقة النساء والشيوخ وتصفيتهم أمام مرأى ومسمع العالم. في سقوط أخلاقي للإنسانية وازدواجية معايير وقيم الغرب الداعم والممول لأوكرانيا ضحية عدوان واعتداء روسيا من جهة، والغرب المنقسم على نفسه بقيادة إدارة بايدن المتراجع عن مساندة عدوان إسرائيل ضد الضحايا الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي! وفي نفاق واستفزاز صارخ، يدعم الغرب الضحية في أوكرانيا والجلاد في فلسطين، دون اكتراث لموقف لملياري عربي ومسلم!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
30876
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17655
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4434
| 15 يونيو 2026