رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

870

هديل رشاد

ضمير العالم المستتر

02 يوليو 2025 , 01:00ص

تدخل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة شهرها العشرين، والاحتلال لا يكتفي بالقصف والتجويع والتدمير، بل يتعمد تنفيذ سياسة خنق ممنهجة تستهدف ما تبقى من مقومات الحياة، في مقدمة هذه السياسات منع إدخال الوقود منذ أكثر من مائة يوم، وهي خطوة لا يمكن فصلها عن نية مدروسة لإسقاط النظام الصحي بشكل كامل، وإغراق السكان في كارثة إنسانية تدفعهم إلى واحد من خيارين: الموت أو الرحيل، هذا السلوك ليس بالعشوائية التي يظنها البعض، بل يأتي في إطار مخطط تهجيري واضح يهدف إلى دفع الغزيين قسرا نحو اللجوء إلى سيناء أو غيرها، تمهيداً لإفراغ القطاع من سكانه، والسيطرة الكاملة عليه، وفرض واقع استيطاني جديد يحقق الأهداف الإسرائيلية التوسعية.

المعلومات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تصف الوضع في غزة بأنه انهيار شبه تام للنظام الصحي، وقال الدكتور ريك بيبركورن، ممثل المنظمة في الأرض الفلسطينية المحتلة، إنَّ الجيش الإسرائيلي بأوامر من حكومته يرفض محاولات جلب مخزونات من مناطق الإخلاء، ما يدفع النظام الصحي إلى حافة الانهيار عندما يُضاف إلى النقص الحاد في الإمدادات،17 مستشفى من أصل 36 مستشفى لا تزال تعمل جزئيًا أو بالحد الأدنى من القدرة فقط، ويبلغ عدد الأسرة المتوفرة حالياً 1500 سرير فقط، أي أقل بنحو 45% مما كان عليه الوضع قبل اندلاع العدوان، أما في شمال القطاع، فالوضع أشد قتامة، إذ خرجت جميع المستشفيات والمراكز الصحية الأولية عن الخدمة، ولم تعد هناك أي بنية تحتية قادرة على تقديم العلاج حتى للحالات الطارئة.

النقص الحاد في الوقود أدى إلى توقف مولدات الكهرباء، وتجميد كل ما يرتبط بها من معدات إنقاذ، بما في ذلك غرف العمليات، وأجهزة غسيل الكلى، وأجهزة التنفس الاصطناعي، وحضّانات الأطفال الخدّج، الأطباء أصبحوا عملياً مضطرين إلى اتخاذ قرارات تتنافى مع ما أقسموا عليه في حماية أرواح وأبدان المرضى بسبب الوضع الكارثي الذي طال النظام الصحي ما دفع الفرق الطبية إلى اختيار من يعيش ومن يموت، بسبب شح الموارد، وهو مشهد لا يحدث إلا في ساحات الحروب الكبرى أو في لحظات الانهيار التام، فوفق مصادر وزارة الصحة في غزة، هناك آلاف من الجرحى والمرضى مهددون بالموت المحقق، ليس بسبب الإصابات المباشرة فقط، بل بسبب عدم توفر العلاج أو الطاقة لتشغيل المعدات الحيوية، كمرضى السرطان، والفشل الكلوي، والخدّج، والمصابون بجراح معقدة، باتوا جميعًا ينتظرون مصيرًا واحدًا: الموت التدريجي.

مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، أكد أن الوضع الصحي كارثي، بسبب تعنت الجيش الإسرائيلي في السماح بإدخال الوقود لتشغيل المستشفيات، سيما وأن الوقود متوفر في منطقة حمراء في رفح، كما أن هناك منظمات كمنظمة الصحة العالمية تشرف على دخول قوافل الوقود إلا أن الجيش الإسرائيلي يمنع من دخولها، إذ يسمح بإدخال كميات شحيحة لا تكاد تكفي تشغيل مستشفى ليوم كامل، ما دفع الفرق الطبية إلى إغلاق الكهرباء على المستشفى وتشغيلها للمرضى الأكثر حاجة كمرضى الغسيل الكلوي، والأطفال الخدج، والمرضى من هم على أجهزة التنفس الاصطناعي.

وأكد الدكتور محمد أبو سلمية أن الوقود على وشك النفاد تمامًا، وأن المستشفى سيخرج عن الخدمة خلال أيام إن لم يتم إدخاله فورًا، فمجمع الشفاء هو أكبر مشفى في القطاع ورغم أنه يعمل بربع طاقته التشغيلية بسبب أعمال القصف إلا أنه يستقبل 200% من طاقته الاعتيادية، ومن تبقى من مرافقه يخدم عشرات الآلاف، وهو اليوم في حالة احتضار حقيقي، متحدثا بلغة يائسة عن مشهد كارثي بكل ما للكلمة من معنى، بينما العاملون فيه يواصلون العمل وسط الظلام، ومن دون أدوية كافية، ومن دون مستلزمات جراحية أو أدوات تعقيم، بل وبدون مياه صالحة للاستخدام في بعض الأقسام.

كل هذا يحدث والعالم يكتفي بالمراقبة، البيانات الأممية تتوالى، لكن دون فعل حقيقي، منظمة الصحة العالمية أطلقت نداءات عاجلة، لكنها لم تتجاوز حدود التحذير اللفظي، الصليب الأحمر لا يزال يمارس دوره التقليدي في إصدار البيانات الدبلوماسية، بينما الهيئات الدولية العاملة في المجال الإنساني اكتفت بتوثيق الكارثة لا مواجهتها، المجتمع الدولي يقف صامتاً أمام جريمة خنق شعب بالكامل، ويبدو أنه اختار ألا يفعل شيئًا حتى تنتهي “المهمة” الإسرائيلية على طريقتها.

والسؤال هنا: ما جدوى هذه المنظمات، إن لم يكن وجودها يُترجم إلى حماية حقيقية للمدنيين؟ إذا لم يكن ملايين المدنيين العالقين تحت الحصار، المصابون والمرضى والجوعى، أولوية عاجلة للضمير العالمي، فمتى يكونون؟ وإذا لم يكن النظام الصحي المتهاوي في غزة سببًا كافيًا لتدخل دولي لوقف الجريمة، فمتى سيتحركون؟ الجريمة ليست فقط في من يمنع الوقود، بل في من يرى هذا المنع ويصمت عليه، أو يساويه بالمقاوم الذي يدافع عن أرضه.

ختاماً...

كل هذا يحدث أمام الكاميرات، أمام المجتمع الدولي، أمام من يدّعون الدفاع عن حقوق الإنسان، وأمام من يستخدمون شعارات حماية المدنيين، اليوم، الوقود ممنوع، العلاج ممنوع، والموت مباح، ولا شيء يحرّك هذا العالم الأعمى، الذي بات ضميره مستتراً في ظل إبادة جماعية ممنهجة ومكتملة الأركان.

يجب أن يعلم العالم أن ما يقوم به الكيان الصهيوني المجرم ما هو إلا تنفيذ لما يتضمنه سفر صموئيل الأول والذي أمر به يهوه شاول -أول ملوك بني إسرائيل كما يقال في الحكاية الكتابية- عندما واجه العماليق أي الأقوام التي كانت تسكن فلسطين قائلا "اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ما له، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً"، فهذه الأوامر بالإبادة ما هي إلا تفسير للأيديولوجية التي تتبناها حكومة "النتن ياهو" وأشباهه المتطرفين.

اقرأ المزيد

alsharq هل ينجح أعداء أمتنا في تقسيم دولنا؟

نعيش جميعا منعرجا تاريخيا يتمثل لدينا فيما نراه يوميا من تقسيم دولنا أعراقا وقبائل وفرقا وهو ما يسعى... اقرأ المزيد

60

| 16 يناير 2026

alsharq السيكودراما وذوو الإعاقة

السيكودراما (Psychodrama) هي طريقة علاجية جماعية تعتمد على التمثيل الإيجابي والتجسيد الدورى للمشاهد الداخلية والعلاقات بين الناس. اخترعها... اقرأ المزيد

42

| 16 يناير 2026

alsharq خطورة التربية غير الصحية

هناك فرق كبير بين التركيز على الجهد وليس النتيجة في التربية وتلبية الاحتياجات الأساسية وليس كل الرغبات والرفاهيات... اقرأ المزيد

39

| 16 يناير 2026

مساحة إعلانية