رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هنادي فرج السويدي

مساحة إعلانية

مقالات

1056

هنادي فرج السويدي

نظرية العنيوش

02 سبتمبر 2026 , 02:00ص

هناك كائن صغير نسميه في عاميتنا "العنيوش".

دودة طويلة، كثيرة الأرجل وتسمى أيضاً أم أربعة وأربعين، أو الحريشة، وتنتمي علميًا إلى طائفة (كيلوبودا) من مفصليات الأرجل سريعة في حركتها، يكفي أن تظهر فجأة في زاوية من البيت حتى يتحول أكثر الموجودين شجاعة إلى خبراء في القفز فوق الأثاث.

ومنذ الصغر، ارتبط العنيوش في ذاكرتنا بتحذير شعبي مخيف:

"دير بالك منه… قرصته والقبر!"

قد تحمل العبارة شيئًا من المبالغة الشعبية، لكنها نجحت في شيء واحد على الأقل: جعلتنا نعرف أن هذا الكائن ليس ضيفًا نرحب به.

لكن أكثر ما يثير اهتمامي في "العنيوش" ليس شكله، ولا أرجله الكثيرة، ولا حتى القصص التي نسمعها عن سميته.

بل طريقة دخوله إلى المكان.

فهو لا يطرق الباب.

ولا يعلن وصوله.

ولا يطلب منك مساحة يعيش فيها.

يدخل من فتحة صغيرة لا تنتبه لها، ثم يختبئ في زاوية من بيتك، ويتحرك في مكانك، ويعيش معك فترة قد تطول…

وأنت أصلًا لا تعلم بوجوده.

إلى أن يأتي ذلك اليوم.

تحرك قطعة أثاث.

تفتح بابًا لم تفتحه منذ فترة.

تمد يدك إلى زاوية اعتدت المرور بجانبها.

وفجأة…

تكتشف العنيوش.

تتراجع خطوة، تنظر إليه، ثم يأتي السؤال الطبيعي:

من متى هذا عايش معاي؟

ومن هنا بدأت عندي ما أسميه:

"نظرية العنيوش"

لأنني اكتشفت أن حياتنا أيضًا مليئة بـ"العناويش".

لكنها ليست كلها حشرات.

قد يكون العنيوش شخصًا.

وقد يكون علاقة.

وقد يكون زميل عمل.

وقد يكون عادة.

وقد يكون إجراءً إداريًا خاطئًا عاش في المؤسسة سنوات حتى نسي الجميع أنه خطأ.

والأصعب؟ قد يكون العنيوش أخًا أو أختًا أو قريبًا جدًا منك.

وهنا لا تستطيع ببساطة أن تحضر المكنسة وتعلن انتهاء المشكلة!

فبعض "عناويش الحياة" تجمعنا بهم قرابة، أو عمل، أو ظروف، أو مسؤوليات تجعل فكرة إخراجهم بالكامل من حياتنا غير واقعية.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

فالعنيوش البشري أيضًا لا يدخل حياتك غالبًا وهو يحمل لوحة مكتوبًا عليها:

"تنبيه: أنا شخص سام."

بالعكس.

قد يدخل بطريقة عادية جدًا.

حديث.

معرفة.

زمالة.

قرابة موجودة أصلًا.

ثم تبدأ "الأرجل الأربع والأربعون" في الحركة.

تعليق صغير هنا.

انتقاد هناك.

مقارنة.

تدخل.

نقل كلام.

تقليل من إنجاز.

سؤال في غير مكانه.

استنزاف لوقتك.

تطفل على قرارك.

وكل واحدة منها تبدو صغيرة لدرجة أنك تقول: "مو مشكلة."

وهذه تحديدًا من أحب الجمل إلى "العنيوش".

مو مشكلة.

لأن الأشياء المؤذية نادرًا ما تبدأ كبيرة.

لو بدأت كبيرة لطردناها من أول يوم.

لكنها تبدأ صغيرة بما يكفي لنتسامح معها.

ثم تتكرر بما يكفي لنتعود عليها.

ثم تستمر بما يكفي لنعتبرها طبيعية.

قد يكون أخًا تحبه، لكنك تعرف أن حديثك معه ينتهي دائمًا وأنت تشعر أنك أقل.

وقد تكون أختًا قريبة منك، لكن المقارنة المستمرة أو التدخل في تفاصيل حياتك يجعلان كل لقاء معها امتحانًا جديدًا.

وقد يكون قريبًا لا تريد خسارته، لكنك اكتشفت أن كل معلومة تعطيه إياها عن حياتك تعود إليك يومًا ما بصورة لا تعجبك.

وقد يكون زميل عمل تراه كل صباح.

يسلم عليك.

يبتسم.

يشرب القهوة معك.

ثم يبدأ عمل "العنيوش" بهدوء.

ينقل كلمة.

يزرع شكًا.

يسأل عن شيء لا يعنيه.

يعطيك "نصيحة" تجعلك تشك في قرار كنت مقتنعًا به.

يعرف أخبار الجميع، ولا أحد يعرف كيف عرفها.

وعندما تحدث مشكلة…

يكون، بطريقة عجيبة، آخر شخص يمكن إثبات أن له علاقة بها!

هذا هو العنيوش المتخفي.

لا يقرصك قرصة واحدة واضحة تستطيع أن تشير إليها.

بل يعطيك جرعات صغيرة.

وهنا تصبح فكرة "السُّم" أكثر إثارة.

فالسم في حياتنا ليس دائمًا مادة تدخل الجسد.

هناك سم اجتماعي.

وسم عاطفي.

وسم مهني.

وسم فكري.

بعضه يدخل على هيئة كلمة.

وبعضه يدخل على هيئة شخص يهدم ثقتك بنفسك قليلًا كل يوم.

وبعضه يدخل المؤسسة على هيئة موظف ينشر الإحباط بين زملائه.

وبعضه يدخل على هيئة إجراء يعرف الجميع أنه خاطئ، لكن لا أحد يريد تحمل مسؤولية تغييره.

والغريب أننا عندما نرى العنيوش الحقيقي قد نقفز خوفًا من "قرصته".

لكن قد نعيش سنوات كاملة بجانب "عنيوش بشري" يقرص أعصابنا ووقتنا وثقتنا بأنفسنا كل يوم…

ونقول: "عادي… تعودنا عليه".

وهنا نصل إلى أخطر مرحلة في "نظرية العنيوش": التعايش.

فالإنسان لديه قدرة عجيبة على التكيف.

وهذه القدرة تنقذه في ظروف كثيرة، لكنها أحيانًا تجعله يقبل أشياء لم يكن ينبغي له أن يقبلها.

في البداية تقول: "هذا التصرف يضايقني".

بعد فترة: "هذا طبعه".

وبعد سنوات: "وش نسوي؟ متعودين".

لاحظوا كيف تغيرت المشكلة.

المشكلة لم تختفِ.

نحن الذين تغيرنا تجاهها.

وهذا يحدث داخل المؤسسات أيضًا.

قد يكون هناك إجراء طويل ومعقد يعرف الجميع أنه غير منطقي.

تسأل: لماذا نفعله؟

فيقول أحدهم: "من زمان نسوي جذي".

مبروك.

لقد وجدت عنيوشًا إداريًا.

إجراء دخل المؤسسة قبل سنوات، واختبأ بين السياسات والنماذج والموافقات، ثم أصبح جزءًا من المكان إلى درجة أن محاولة إلغائه تبدو أغرب من وجوده.

وقد يكون العنيوش مصروفًا ماليًا.

اشتراكًا لا تستخدمه.

خدمة لا تحتاج إليها.

رسومًا تتكرر.

مبلغًا صغيرًا تقول كل شهر:

"ما يسوى."

لكن تذكر…

العنيوش لديه أرجل كثيرة.

وكل رجل تعرف جيدًا كيف تمشي على جزء صغير من ميزانيتك.

وفي نهاية السنة تكتشف أن الشيء الذي "ما كان يسوى" كان يسوى الكثير.

لكن أكثر ما يهمني في النظرية هو هذه اللحظة:

ماذا تفعل بعد أن تكتشف العنيوش؟

في البيت، الإجابة سهلة نسبيًا.

لكن ماذا لو كان "العنيوش" أخاك؟

أو أختك؟

أو قريبًا؟

أو شخصًا تعمل معه ثماني ساعات يوميًا؟

هنا لا يكون الحل دائمًا الطرد.

ولا القطيعة.

ولا الحرب.

أحيانًا يكون الحل ببساطة:

إدارة المسافة.

تتعامل، لكن لا تكشف كل شيء.

تحترم، لكن لا تسمح بالتجاوز.

تسمع، لكن لا تأخذ كل كلمة إلى قلبك.

تساعد، لكن لا تجعل نفسك متاحًا بلا حدود.

تعمل معه، لكن تحفظ خصوصيتك.

تحبه لأنه أخوك أو أختك، لكن تدرك أن القرابة لا تعني أن كل أبواب حياتك يجب أن تبقى مفتوحة.

وهنا ربما تكون أهم قاعدة في "نظرية العنيوش":

ليس كل من اضطررت إلى التعايش معه، مضطرًا أن تسمح له بالعيش داخلك.

وقد لا تستطيع تغيير الشخص.

وقد لا تستطيع تغيير مكان العمل اليوم.

وقد لا تستطيع إنهاء علاقة عائلية.

لكن تستطيع تغيير المسافة بينك وبين ما يؤذيك.

والأهم أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تقول:

"أنا أتعامل مع هذا الوضع مؤقتًا لأن ظروفي تفرضه."

وبين أن تقول:

"هذا طبيعي."

الأول وعي بالواقع.

والثاني استسلام له.

ولهذا أقترح أن نطبق "اختبار العنيوش" من حين إلى آخر على حياتنا.

وهو اختبار بسيط جدًا:

لو دخل هذا الشيء حياتي اليوم لأول مرة… هل سأسمح له بالبقاء؟

لو تعرفت إلى هذا الشخص اليوم، هل سأسمح له بالاقتراب مني بهذه الدرجة؟

لو عُرض عليّ هذا الإجراء الإداري اليوم، هل سأوافق عليه؟

لو بدأت هذه المصروفات اليوم، هل سأدفعها؟

لو بدأت هذه العادة اليوم، هل سأختارها؟

إذا كانت الإجابة: "لا."

فربما أنت لا تتمسك بالشيء لأنه جيد.

ربما تتمسك به فقط لأنك اعتدت وجوده.

وهذه هي خطورة "العنيوش".

ليس أنه دخل.

بل أنك لم تشعر به عندما دخل.

ثم اكتشفته.

ثم تأقلمت معه.

ثم نسيت أن الحياة كانت يومًا بدونه.

ففتشوا من حين إلى آخر في زوايا حياتكم.

في علاقاتكم.

في أماكن عملكم.

في عاداتكم.

في مصروفاتكم.

وحتى في أفكاركم القديمة.

قد تجدون "عنيوشًا" دخل منذ سنوات، واستقر، وأخذ مكانه، وأصبح يتحرك أمامكم بكل أريحية…

بينما أنتم تقولون: "عادي."

والسؤال ليس دائمًا:

كيف دخل العنيوش حياتنا؟

فبعض الأشياء تدخل دون استئذان، وبعض الأشخاص لا نختار وجودهم أصلًا.

السؤال الأهم هو:

بعد أن اكتشفناه… كم مساحة سنسمح له أن يحتلها؟

لأن بعض "العناويش" قد لا نستطيع إخراجها من حياتنا تمامًا…

لكن بالتأكيد لا يجب أن نعطيها البيت كله.

مساحة إعلانية