رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

كلك نظر

نقول في لهجتنا لمن نثق في اختياره: «كلك نظر». عبارة قصيرة، لكنها تحمل معنى أكبر من كلماتها. كأننا نقول للشخص: أنت ترى، وتفهم، وتعرف كيف تختار، ولذلك لن أتدخل في قرارك. لكن هل كل من ينظر… يرى فعلًا؟ نحن نعيش اليوم في عالم يضع أمامنا خيارات أكثر مما عرفه الإنسان في أي وقت مضى. نختار ماذا نشتري، وأين نعمل، ومن نتابع، وبماذا نستثمر، ومع من نتعامل، وأي فرصة نقبل وأيها نرفض. ومع كثرة الخيارات أصبح امتلاك حسن الاختيار مهارة لا تقل أهمية عن امتلاك الفرص نفسها. فليس كل ما يلمع يستحق الاقتراب منه. وليس كل عرض رخيص صفقة. وليس كل منصب ترقية. وليس كل فرصة مكسبًا. وليس كل شخص يتحدث بثقة يعرف الطريق. هنا يصبح معنى «كلك نظر» مختلفًا. فالنظر الحقيقي ليس بالعين وحدها، بل بالعقل والخبرة والقدرة على رؤية ما وراء الظاهر. في عالم الأعمال مثلًا، قد تصل إلى المدير ثلاثة عروض. الأول هو الأرخص. والثاني هو الأسرع. والثالث أعلى تكلفة، لكنه أفضل جودة وأكثر استدامة وأقل مخاطرة على المدى الطويل. القرار السهل أن ننظر إلى الرقم. أما القرار الذكي فهو أن ننظر إلى ما وراء الرقم. كم سيكلفنا هذا الخيار بعد سنة؟ ما المخاطر؟ هل المورد قادر على الوفاء بالتزاماته؟ هل الجودة تستحق السعر؟ وماذا سيحدث إذا تعطل المنتج أو تأخر المشروع؟ هنا لا تصبح العين أداة للرؤية فقط، وإنما تصبح طريقة للتفكير. والأمر نفسه يحدث في حياتنا. قد نرى شخصًا ناجحًا فنرغب في حياته، لكننا لا نرى الثمن الذي دفعه. نرى منزلًا جميلًا ولا نرى الالتزامات التي وراءه. نرى وظيفة مرموقة ولا نرى الضغط المصاحب لها. نرى مشروعًا ناجحًا ولا نرى السنوات التي سبقت نجاحه. ووسائل التواصل جعلتنا نرى من حياة الآخرين أكثر من أي وقت مضى، لكنها في الوقت نفسه جعلتنا نرى أجزاء مختارة بعناية. نرى النتيجة ولا نرى الرحلة. نرى الصورة ولا نرى ما حدث قبل التقاطها وبعدها. ولهذا ربما أصبحنا بحاجة إلى أن نتعلم ليس فقط كيف ننظر، وإنما كيف نقرأ ما نراه. وهناك نوع آخر من النظر أراه أكثر أهمية. أن تنظر إلى الإنسان نفسه. فقد تجلس أمام شخص لا يقول إنه متعب، لكنك تراه. وموظف لا يشتكي، لكن أداءه يخبرك بأنه يحتاج إلى دعم. وابن لا يقول إنه قلق، لكن تغيره يقول الكثير. وصديق يضحك طوال الجلسة، لكنك تعرف من عينيه أن شيئًا ليس على ما يرام. هنا يتحول النظر من ملاحظة إلى وعي. وربما لهذا نقول أحيانًا عن شخص: «عنده نظرة». لا نقصد قوة بصره. نقصد أنه يلتقط ما لا يلتقطه الآخرون. يفهم الموقف قبل أن يُشرح له. ويرى الخطر قبل أن يتحول إلى مشكلة. ويعرف قيمة الفرصة قبل أن يلتفت إليها الجميع. وهذه واحدة من أهم صفات القائد الناجح. فالإدارة ليست أن ترى ما يحدث أمامك فقط. الإدارة الحقيقية أن ترى ما يمكن أن يحدث بعد ذلك. أن ترى الموظف الذي يملك إمكانات أكبر من منصبه الحالي. أن ترى خطرًا صغيرًا قبل أن يصبح أزمة. أن ترى فرصة بينما يراها الآخرون فكرة عادية. وأن تعرف متى تقول «نعم»، والأهم متى تقول «لا». لكن «كلك نظر» تحمل أيضًا مسؤولية. فعندما يمنحك شخص ثقته ويقول لك: «كلك نظر». فهو لا يمنحك حرية الاختيار فقط. إنه يحمّلك أمانة الاختيار. وهذا ينطبق على المدير، والأب، والأم، وصاحب القرار، وحتى على الإنسان في قراراته الخاصة. فليس المهم أن تكون أمامنا خيارات كثيرة. المهم أن نملك البصيرة التي تجعلنا نعرف أيها يستحق أن نختاره. وفي زمن أصبحت فيه الصور أسرع من الحقائق، والمظاهر أعلى صوتًا من التفاصيل، والإعلانات تعرف جيدًا كيف تجذب أعيننا، ربما علينا أن نتوقف قليلًا قبل بعض القرارات ونسأل: هل أنا أرى الحقيقة… أم أرى فقط ما يريد الآخرون مني أن أراه؟ فالعيون قد ترى الشيء نفسه، لكن العقول لا تقرؤه بالطريقة نفسها. ولهذا عندما نقول لأحدهم: «كلك نظر». فأجمل ما يمكن أن يكون عليه فعلًا.. أن يكون كله بصيرة كلك نظر

201

| 16 أكتوبر 2026

حين لا تكفي الطيبة للحوكمة

قبل أن ندخل في الموضوع، يجب أن أوضح أن «سيد قشطة» ليس صاحب محل حلويات، ولا رجلًا مصريًا يجلس على المقهى ويطلب الشاي مضبوطًا. إنه ببساطة الاسم الشعبي الذي اشتهر به فرس النهر في مصر. اسم لطيف جدًا لمخلوق ضخم جدًا، وكأن أحدهم نظر إليه يومًا وقال: هذا الكائن الذي يزن أطنانًا وينزل الماء بكامل ثقله… لا ينقصه إلا اسم «سيد قشطة»! والأطرف أن الاسم يعطيك انطباعًا بأنه مسالم وناعم مثل القشطة نفسها، بينما الحقيقة أن فرس النهر من الحيوانات التي يُنصح أن تحترم مساحتها الشخصية… احترامًا شديدًا. وهنا تحديدًا أحببت الاسم. لأن «سيد قشطة» يختصر لنا درسًا كاملًا قبل أن تبدأ القصة: لا تحكم على شيء من اسمه… ولا على أحد من شكله. أما لماذا؟ فهنا تبدأ الحكاية رأيته مستلقيًا في الماء، بوجهٍ بريء، وجسدٍ ممتلئ، وأذنين صغيرتين تتحركان وكأن أقصى طموحاته في الحياة وجبة خفيفة وقيلولة محترمة. قلت في نفسي: «يا حليله… هذا لو دخل مؤسسة، حطّوه في العلاقات العامة». لكن المفاجأة أن «سيد قشطة» ليس بهذه الوداعة التي يوحي بها شكله؛ فخلف ذلك الوجه المسالم حيوان شديد القوة، سريع عند الحاجة، ويدافع عن منطقته بشراسة لا تتناسب أبدًا مع ملامحه اللطيفة. وهنا تذكرت بعض المنظومات. تدخلها فتبهرك اللوائح، والهيكل التنظيمي، والعبارات الأنيقة: شفافية، مساءلة، عدالة، حوكمة… كل شيء يبدو هادئًا على سطح الماء. لكن الحوكمة الحقيقية لا تسأل: كيف يبدو سيد قشطة؟ بل تسأل: ماذا يفعل عندما يقترب أحد من منطقته؟ فالمؤسسات، مثل الكائنات، لا تُعرف من ملامحها ولا من الشعارات المعلقة على جدرانها، بل من سلوكها عندما تتعارض المصالح، وعندما يقع الخطأ، وعندما يصبح تطبيق النظام مكلفًا. فاللائحة الجميلة لا تعني بالضرورة منظومة عادلة، كما أن الوجه البريء لا يعني بالضرورة حيوانًا أليفًا. ولهذا، إذا رأيت يومًا «سيد قشطة» يبتسم لك من وسط الماء… ابتسم له من بعيد. وفي الإدارة أيضًا… اقرأ اللائحة، لكن راقب ما يحدث عند ضفة النهر.

387

| 09 أكتوبر 2026

تخيّل رجلًا عاش قبل أكثر من ألف عام

لا هاتف في يده، ولا «واي فاي»، ولا حساب في مواقع التواصل، ومع ذلك ما زال يتدخل في حياتنا حتى اليوم! تبحث عن مطعم؟ هو هناك. يفاجئك التطبيق بإعلان عن شيء تحدثت عنه قبل قليل؟ لا تستغرب. تشاهد مقطعًا واحدًا عن السفر، فتستيقظ في اليوم التالي وكأن هاتفك قرر أن يرسلك في إجازة إجبارية! المتهم الأول: الخوارزميات. والاسم يقودنا إلى رجل جلس يومًا بين كتبه وأرقامه في بغداد: محمد بن موسى الخوارزمي. وهنا أعترف أنني كلما قرأت عن هذا الرجل ازددت إعجابًا وانبهارًا بشخصيته؛ ليس فقط لأنه عالم سبق عصره، بل لأنني أتساءل بدهشة: كيف استطاع عقل عاش قبل أكثر من ألف عام أن يترك فكرة ما زالت تتحرك بين أيدينا كل ثانية؟ رجل لم يرَ هاتفًا ذكيًا، ولم يسمع بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك يعيش شيء من فكره اليوم داخل هواتفنا. كان يبحث عن طريقة لحل المسائل بخطوات مرتبة، ولم يكن يدري أن اسمه سيعبر أكثر من ألف عام ليصل إلى كلمة Algorithm. اليوم تغيّر كل شيء؛ ظهرت الهواتف والروبوتات والذكاء الاصطناعي، وبقيت الفكرة: أعطني خطوات واضحة… أعطك نتيجة. لكن الخوارزمية اليوم لم تعد تحسب أرقامنا فقط، بل تحسبنا نحن؛ ما نحب، وما نبحث عنه، وما نتوقف عنده، وربما ما سنختاره لاحقًا. ولو عاد الخوارزمي اليوم ورأى ما فعلته الخوارزميات بنا، ربما أغلق هاتفه وقال: «يا جماعة.. أنا قلت احسبوا، ما قلت تحسبون علينا أنفاسنا!» ثم يبقى السؤال: هل نحن من يستخدم الخوارزميات أم أن الخوارزميات تعلمت كيف تستخدمنا؟ فأخطر ما قد نخسره في عصر الذكاء ليس أسرارنا فقط. بل أن ننسى أن الخصوصية كانت يومًا حقًا، لا إعدادًا نبحث عنه داخل الهاتف.

579

| 29 سبتمبر 2026

مصاص الدم

جلست معه كعادتي… أضحك وأتكلم وأحكي له عن فكرة جديدة كنت متحمسة لها. بعد دقائق انتهى الحديث. أغلقت هاتفي، لكن الغريب أن حماسي أُغلق معه. فجأة أصبحت الفكرة سخيفة، واليوم ثقيلًا، وأنا متعبة… مع أنني قبل المكالمة كنت بخير. وقتها فهمت أن «مصّاصي الدم» ليسوا دائمًا كما صورتهم الأفلام؛ لا أنياب حادة، ولا عباءات سوداء، ولا يخرجون في منتصف الليل. بعضهم يرتدي بدلة أنيقة، ويبتسم لك، وربما يجلس بجانبك كل يوم. ولا يحتاج إلى قطرة واحدة من دمك… يكفيه أن يأخذ طاقتك. هناك أشخاص تدخل معهم الحديث سعيدًا، وتخرج منه وكأنك تحمل يومًا كاملًا فوق كتفيك. إن نجحت، وجدوا ما يقلل من نجاحك. وإن فرحت، ذكّروك بما ينقصك. وإن اشتكيت، أقنعوك أن مشكلتك لا شيء أمام مشكلاتهم. وهناك نوع أكثر ذكاءً؛ لا يهاجمك، بل «يحتاجك» دائمًا. يتصل عندما تكون لديه مشكلة، ويختفي عندما تكون المشكلة لديك. يأخذ وقتك، ونصيحتك، واهتمامك، وربما فرصك… لكنه نادرًا ما يسأل نفسه: ماذا أضيف أنا إلى حياة هذا الإنسان؟ والأخطر أننا قد نعتاد الاستنزاف حتى نظنه طبيعيًا. ثم نبتعد قليلًا… فننام أفضل. ونفكر أوضح. ويعود إلينا حماس افتقدناه. فنكتشف أن الحياة لم تكن ثقيلة كما ظننا… كان بعض من فيها ثقيلًا. لكن قبل أن نفتش عن «مصّاص الدم» في حياتنا، علينا أن نسأل سؤالًا أشجع: هل كنا نحن يومًا مصّاصي دم في حياة أحد؟ هل نتصل فقط عندما نحتاج؟ هل نحول كل جلسة إلى شكوى؟ هل نأخذ الاهتمام أكثر مما نعطيه؟ فليس كل استنزاف متعمدًا. لذلك، لا نحتاج إلى الهرب من كل شخص متعب، فالعلاقات الحقيقية فيها أيام نحمل فيها بعضنا. لكن هناك فرقًا بين شخص يمر بمرحلة صعبة ويحتاجك… وشخص جعلك محطة دائمة لشحن طاقته. لهذا احمِ طاقتك. ليس كل اتصال يجب أن تجيب عنه، ولا كل نقاش يستحق أن تخوضه، ولا كل شخص دخل حياتك يستحق مقعدًا دائمًا فيها. فالحدود ليست قسوة، و«لا أستطيع» ليست أنانية. وفي النهاية، لا تسأل فقط: من أحب في حياتي؟ اسأل أيضًا: كيف أشعر بعد أن أكون معه؟ لأن بعض مصّاصي الدم لا يملكون أنيابًا… لكننا نكتشف آثار عضّتهم متأخرًا.

459

| 23 سبتمبر 2026

رقبتي سدّادة

يُحكى أن رجلًا عُرف بين أهله وأصدقائه بأنه «ما يقصّر». واحد يحتاج مبلغًا؟ حاضر. الثاني تعطلت معاملته؟ أبشر. الثالث تورط في مشكلة؟ ولا يهمك. وكلما جاءه أحد قال عبارته الشهيرة: «خلاص… رقبتي سدّادة.» ومرت الأيام، وكثرت الرقاب التي استراحت… إلا رقبته هو! حتى جاءه أحدهم يومًا يشكو له مشكلة جديدة، فسأله الرجل: «وش سويت عشان تحلها؟» قال بكل براءة: «ولا شيء… قلت أنت موجود!» هنا فقط اكتشف صاحبنا أن «رقبتي سدّادة» لم تعد عند البعض فزعة وقت الحاجة، بل أصبحت خطة طوارئ معتمدة! والحقيقة أن العبارة جميلة. في ثقافتنا العربية والخليجية، تحمل «رقبتي سدّادة» معاني الكرم والنخوة وتحمل المسؤولية. حين يقولها الإنسان، فكأنه يقول: أنا لها، اعتبر الموضوع منتهيًا. وهذه من أجمل الصفات التي عُرف بها مجتمعنا. لكن المشكلة ليست في الكرم، بل في اللحظة التي يتحول فيها الكرم من اختيار إلى واجب دائم. والأمر لا يحدث في حياتنا الاجتماعية فقط، بل حتى في العمل. يتأخر موظف؟ أعطوا المهمة للمجتهد. يغيب آخر؟ المجتهد يغطي مكانه. ظهر مشروع عاجل؟ اتصلوا بالمجتهد. وقعت مشكلة قبل نهاية الدوام بخمس دقائق؟ الجميع يعرف صاحب الرقم الذي يجب الاتصال به! وبعد فترة تحدث مفارقة عجيبة: يصبح أكثر الناس كفاءة أكثرهم حملًا لأعباء الآخرين، وكأن مكافأة الإنسان على إتقانه لعمله هي… المزيد من العمل! والصورة نفسها تتكرر في الأسرة. هناك دائمًا شخص «ما يقصّر». يدفع، ويتابع، ويحل، ويتدخل، ويساعد. وكلما سمع عبارة: «ما لنا غيرك.» شعر بالفخر والمسؤولية. لكن «ما لنا غيرك» إذا تكررت كثيرًا، قد تتحول من كلمة تقدير إلى نظام حياة. وهنا علينا أن نسأل: هل الكرم أن أعطي دائمًا، أم أن أعرف أيضًا متى يجب ألا أعطي؟ فالشهامة لا تعني أن أتحمل نتائج قرارات الآخرين إلى ما لا نهاية، والمساعدة لا تعني أن أحرم إنسانًا آخر من تعلم تحمل مسؤوليته. أحيانًا تكون كلمة «لا» أكثر فائدة من «رقبتي سدّادة». وحتى المؤسسات القوية لا ينبغي أن تعتمد على شخص واحد يقول دائمًا: «أنا لها». لأن السؤال البسيط هو: ماذا يحدث لو غاب هذا الشخص؟ إذا تعطلت الأمور بغيابه، فالمشكلة ليست في غيابه، بل في منظومة اعتادت أن تجعل رقبته سدّادتها. لذلك نعم… رقبتي سدّادة في الفزعة. في الواجب. في مساندة من وقع في ظرف حقيقي. وفي موقف يحتاج إلى شهامة لا إلى حسابات. لكنها ليست سدّادة لكل تقصير، ولا لكل مسؤولية هرب منها صاحبها، ولا لكل شخص اعتاد أن يأخذ لأن هناك من اعتاد أن يعطي. فالكرم جميل عندما يخرج من إرادة الكريم، لا عندما يتحول إلى حق مكتسب للآخرين. فافزع، وساعد، وقل «أنا لها» عندما يستحق الموقف. لكن لا تنسَ أن لرقبتك حقًا عليك أيضًا. لأنك إذا جعلت رقبتك سدّادة لكل شيء… قد يأتي يوم تبحث فيه عمّن يسندها، فتكتشف أن الجميع مشغول بمشاكله التي اعتاد أن تحلها أنت.

669

| 17 سبتمبر 2026

وزير كل الوزارات.. الله حفظه من التخصص!

لا أعرف إن كان قد مرّ عليكم هذا الشخص من قبل، لكنني شبه متأكدة أن واحدًا منه موجود في مكان ما حولكم. هو ذلك الإنسان الذي لا توجد قضية في العالم إلا وله فيها رأي. تجلس معه على القهوة وتقول له إن أسعار العقارات ارتفعت، فيعدل جلسته قليلًا ويبدأ يشرح لك الاقتصاد العالمي، وأسعار الفائدة، وما الذي كان يجب على البنوك أن تفعله منذ البداية. بعد خمس دقائق ينتقل الحديث إلى مباراة الأمس، وفجأة تكتشف أن المدرب أخطأ في الخطة، وأن التشكيلة لو عُرضت عليه شخصيًا لما حدثت الكارثة. يمر أحدهم ويشتكي من ألم في ظهره. هنا تبدأ العيادة. «اسمع مني… مشكلتك مو في الظهر أصلًا.» وكيف عرف؟ لا تسأل. فهو يعرف. ثم يأتي الحديث عن تربية الأبناء، فيصبح مستشارًا أسريًا. وعن الأسهم، فيصبح محللًا ماليًا. وعن السياسة، فيخفض صوته قليلًا، ويقترب منك، ويقول الجملة الشهيرة: «الموضوع أكبر مما تتصور.» وهنا تعرف أنك دخلت في ملفات دولية. لكن أجمل لحظاته عندما يصل الحديث إلى الدين. يعتدل في جلسته أكثر، وتظهر نبرة الوقار فجأة، وقد يبدأ عبارته بـ: «شوف… الدين واضح.» ثم يتحدث بثقة تجعلك للحظة تشك في معلوماتك أنت، لا في معلوماته هو. الغريب في هذه الشخصية أنها لا تقول غالبًا: «لا أعرف». هذه العبارة تحديدًا غير موجودة في قاموسها. والأغرب أنك قد تخرج من المجلس وأنت معجب به فعلًا. ليس لأنه قال شيئًا صحيحًا بالضرورة، بل لأنه قاله بطريقة صحيحة جدًا! صوت هادئ، كلمات منتقاة، ثقة عالية، شيء من الحكمة، شيء من الأخلاق، وربما ابتسامة صغيرة في نهاية الجملة توحي لك بأن الرجل اختصر لك الحياة كلها في عشر دقائق. وهنا تكمن الحكاية. فليس كل من أتقن الكلام أتقن العلم، وليس كل من امتلك جمهورًا امتلك أهلية الحديث في شؤون الناس. والطريف أن هذه الشخصية التي نراها اليوم وكأنها من منتجات عصر المنصات ومواقع التواصل ليست جديدة أصلًا. فقد وصف رسول الله ﷺ زمنًا قال فيه: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قيل: وما الرويبضة؟ قال ﷺ: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». رواه ابن ماجه. إذًا، هو موجود منذ زمن. لكن الفرق أن الرويبضة قديمًا كان يحتاج مجلسًا حتى يتكلم في أمر العامة. أما اليوم… فيحتاج حسابًا فقط.

984

| 08 سبتمبر 2026

نظرية العنيوش

هناك كائن صغير نسميه في عاميتنا "العنيوش". دودة طويلة، كثيرة الأرجل وتسمى أيضاً أم أربعة وأربعين، أو الحريشة، وتنتمي علميًا إلى طائفة (كيلوبودا) من مفصليات الأرجل سريعة في حركتها، يكفي أن تظهر فجأة في زاوية من البيت حتى يتحول أكثر الموجودين شجاعة إلى خبراء في القفز فوق الأثاث. ومنذ الصغر، ارتبط العنيوش في ذاكرتنا بتحذير شعبي مخيف: "دير بالك منه… قرصته والقبر!" قد تحمل العبارة شيئًا من المبالغة الشعبية، لكنها نجحت في شيء واحد على الأقل: جعلتنا نعرف أن هذا الكائن ليس ضيفًا نرحب به. لكن أكثر ما يثير اهتمامي في "العنيوش" ليس شكله، ولا أرجله الكثيرة، ولا حتى القصص التي نسمعها عن سميته. بل طريقة دخوله إلى المكان. فهو لا يطرق الباب. ولا يعلن وصوله. ولا يطلب منك مساحة يعيش فيها. يدخل من فتحة صغيرة لا تنتبه لها، ثم يختبئ في زاوية من بيتك، ويتحرك في مكانك، ويعيش معك فترة قد تطول… وأنت أصلًا لا تعلم بوجوده. إلى أن يأتي ذلك اليوم. تحرك قطعة أثاث. تفتح بابًا لم تفتحه منذ فترة. تمد يدك إلى زاوية اعتدت المرور بجانبها. وفجأة… تكتشف العنيوش. تتراجع خطوة، تنظر إليه، ثم يأتي السؤال الطبيعي: من متى هذا عايش معاي؟ ومن هنا بدأت عندي ما أسميه: "نظرية العنيوش" لأنني اكتشفت أن حياتنا أيضًا مليئة بـ"العناويش". لكنها ليست كلها حشرات. قد يكون العنيوش شخصًا. وقد يكون علاقة. وقد يكون زميل عمل. وقد يكون عادة. وقد يكون إجراءً إداريًا خاطئًا عاش في المؤسسة سنوات حتى نسي الجميع أنه خطأ. والأصعب؟ قد يكون العنيوش أخًا أو أختًا أو قريبًا جدًا منك. وهنا لا تستطيع ببساطة أن تحضر المكنسة وتعلن انتهاء المشكلة! فبعض "عناويش الحياة" تجمعنا بهم قرابة، أو عمل، أو ظروف، أو مسؤوليات تجعل فكرة إخراجهم بالكامل من حياتنا غير واقعية. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. فالعنيوش البشري أيضًا لا يدخل حياتك غالبًا وهو يحمل لوحة مكتوبًا عليها: "تنبيه: أنا شخص سام." بالعكس. قد يدخل بطريقة عادية جدًا. حديث. معرفة. زمالة. قرابة موجودة أصلًا. ثم تبدأ "الأرجل الأربع والأربعون" في الحركة. تعليق صغير هنا. انتقاد هناك. مقارنة. تدخل. نقل كلام. تقليل من إنجاز. سؤال في غير مكانه. استنزاف لوقتك. تطفل على قرارك. وكل واحدة منها تبدو صغيرة لدرجة أنك تقول: "مو مشكلة." وهذه تحديدًا من أحب الجمل إلى "العنيوش". مو مشكلة. لأن الأشياء المؤذية نادرًا ما تبدأ كبيرة. لو بدأت كبيرة لطردناها من أول يوم. لكنها تبدأ صغيرة بما يكفي لنتسامح معها. ثم تتكرر بما يكفي لنتعود عليها. ثم تستمر بما يكفي لنعتبرها طبيعية. قد يكون أخًا تحبه، لكنك تعرف أن حديثك معه ينتهي دائمًا وأنت تشعر أنك أقل. وقد تكون أختًا قريبة منك، لكن المقارنة المستمرة أو التدخل في تفاصيل حياتك يجعلان كل لقاء معها امتحانًا جديدًا. وقد يكون قريبًا لا تريد خسارته، لكنك اكتشفت أن كل معلومة تعطيه إياها عن حياتك تعود إليك يومًا ما بصورة لا تعجبك. وقد يكون زميل عمل تراه كل صباح. يسلم عليك. يبتسم. يشرب القهوة معك. ثم يبدأ عمل "العنيوش" بهدوء. ينقل كلمة. يزرع شكًا. يسأل عن شيء لا يعنيه. يعطيك "نصيحة" تجعلك تشك في قرار كنت مقتنعًا به. يعرف أخبار الجميع، ولا أحد يعرف كيف عرفها. وعندما تحدث مشكلة… يكون، بطريقة عجيبة، آخر شخص يمكن إثبات أن له علاقة بها! هذا هو العنيوش المتخفي. لا يقرصك قرصة واحدة واضحة تستطيع أن تشير إليها. بل يعطيك جرعات صغيرة. وهنا تصبح فكرة "السُّم" أكثر إثارة. فالسم في حياتنا ليس دائمًا مادة تدخل الجسد. هناك سم اجتماعي. وسم عاطفي. وسم مهني. وسم فكري. بعضه يدخل على هيئة كلمة. وبعضه يدخل على هيئة شخص يهدم ثقتك بنفسك قليلًا كل يوم. وبعضه يدخل المؤسسة على هيئة موظف ينشر الإحباط بين زملائه. وبعضه يدخل على هيئة إجراء يعرف الجميع أنه خاطئ، لكن لا أحد يريد تحمل مسؤولية تغييره. والغريب أننا عندما نرى العنيوش الحقيقي قد نقفز خوفًا من "قرصته". لكن قد نعيش سنوات كاملة بجانب "عنيوش بشري" يقرص أعصابنا ووقتنا وثقتنا بأنفسنا كل يوم… ونقول: "عادي… تعودنا عليه". وهنا نصل إلى أخطر مرحلة في "نظرية العنيوش": التعايش. فالإنسان لديه قدرة عجيبة على التكيف. وهذه القدرة تنقذه في ظروف كثيرة، لكنها أحيانًا تجعله يقبل أشياء لم يكن ينبغي له أن يقبلها. في البداية تقول: "هذا التصرف يضايقني". بعد فترة: "هذا طبعه". وبعد سنوات: "وش نسوي؟ متعودين". لاحظوا كيف تغيرت المشكلة. المشكلة لم تختفِ. نحن الذين تغيرنا تجاهها. وهذا يحدث داخل المؤسسات أيضًا. قد يكون هناك إجراء طويل ومعقد يعرف الجميع أنه غير منطقي. تسأل: لماذا نفعله؟ فيقول أحدهم: "من زمان نسوي جذي". مبروك. لقد وجدت عنيوشًا إداريًا. إجراء دخل المؤسسة قبل سنوات، واختبأ بين السياسات والنماذج والموافقات، ثم أصبح جزءًا من المكان إلى درجة أن محاولة إلغائه تبدو أغرب من وجوده. وقد يكون العنيوش مصروفًا ماليًا. اشتراكًا لا تستخدمه. خدمة لا تحتاج إليها. رسومًا تتكرر. مبلغًا صغيرًا تقول كل شهر: "ما يسوى." لكن تذكر… العنيوش لديه أرجل كثيرة. وكل رجل تعرف جيدًا كيف تمشي على جزء صغير من ميزانيتك. وفي نهاية السنة تكتشف أن الشيء الذي "ما كان يسوى" كان يسوى الكثير. لكن أكثر ما يهمني في النظرية هو هذه اللحظة: ماذا تفعل بعد أن تكتشف العنيوش؟ في البيت، الإجابة سهلة نسبيًا. لكن ماذا لو كان "العنيوش" أخاك؟ أو أختك؟ أو قريبًا؟ أو شخصًا تعمل معه ثماني ساعات يوميًا؟ هنا لا يكون الحل دائمًا الطرد. ولا القطيعة. ولا الحرب. أحيانًا يكون الحل ببساطة: إدارة المسافة. تتعامل، لكن لا تكشف كل شيء. تحترم، لكن لا تسمح بالتجاوز. تسمع، لكن لا تأخذ كل كلمة إلى قلبك. تساعد، لكن لا تجعل نفسك متاحًا بلا حدود. تعمل معه، لكن تحفظ خصوصيتك. تحبه لأنه أخوك أو أختك، لكن تدرك أن القرابة لا تعني أن كل أبواب حياتك يجب أن تبقى مفتوحة. وهنا ربما تكون أهم قاعدة في "نظرية العنيوش": ليس كل من اضطررت إلى التعايش معه، مضطرًا أن تسمح له بالعيش داخلك. وقد لا تستطيع تغيير الشخص. وقد لا تستطيع تغيير مكان العمل اليوم. وقد لا تستطيع إنهاء علاقة عائلية. لكن تستطيع تغيير المسافة بينك وبين ما يؤذيك. والأهم أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تقول: "أنا أتعامل مع هذا الوضع مؤقتًا لأن ظروفي تفرضه." وبين أن تقول: "هذا طبيعي." الأول وعي بالواقع. والثاني استسلام له. ولهذا أقترح أن نطبق "اختبار العنيوش" من حين إلى آخر على حياتنا. وهو اختبار بسيط جدًا: لو دخل هذا الشيء حياتي اليوم لأول مرة… هل سأسمح له بالبقاء؟ لو تعرفت إلى هذا الشخص اليوم، هل سأسمح له بالاقتراب مني بهذه الدرجة؟ لو عُرض عليّ هذا الإجراء الإداري اليوم، هل سأوافق عليه؟ لو بدأت هذه المصروفات اليوم، هل سأدفعها؟ لو بدأت هذه العادة اليوم، هل سأختارها؟ إذا كانت الإجابة: "لا." فربما أنت لا تتمسك بالشيء لأنه جيد. ربما تتمسك به فقط لأنك اعتدت وجوده. وهذه هي خطورة "العنيوش". ليس أنه دخل. بل أنك لم تشعر به عندما دخل. ثم اكتشفته. ثم تأقلمت معه. ثم نسيت أن الحياة كانت يومًا بدونه. ففتشوا من حين إلى آخر في زوايا حياتكم. في علاقاتكم. في أماكن عملكم. في عاداتكم. في مصروفاتكم. وحتى في أفكاركم القديمة. قد تجدون "عنيوشًا" دخل منذ سنوات، واستقر، وأخذ مكانه، وأصبح يتحرك أمامكم بكل أريحية… بينما أنتم تقولون: "عادي." والسؤال ليس دائمًا: كيف دخل العنيوش حياتنا؟ فبعض الأشياء تدخل دون استئذان، وبعض الأشخاص لا نختار وجودهم أصلًا. السؤال الأهم هو: بعد أن اكتشفناه… كم مساحة سنسمح له أن يحتلها؟ لأن بعض "العناويش" قد لا نستطيع إخراجها من حياتنا تمامًا… لكن بالتأكيد لا يجب أن نعطيها البيت كله.

1395

| 02 سبتمبر 2026

ليس كل منشغل.. منتجًا!

في كثير من بيئات العمل، أصبح الانشغال يُنظر إليه باعتباره دليلًا على الاجتهاد، حتى بات الموظف الذي يمضي يومه بين الاجتماعات والرسائل والمكالمات يبدو أكثر إنتاجية من غيره. لكن الواقع يطرح سؤالًا مهمًا: هل كثرة الانشغال تعني بالضرورة تحقيق نتائج أفضل؟ الإنتاجية الحقيقية لا تُقاس بعدد ساعات العمل، ولا بعدد المهام المنجزة، وإنما بقيمة الأثر الذي يحققه العمل. فقد يقضي شخص عشر ساعات في أداء أعمال متفرقة، بينما ينجز آخر خلال ساعات أقل نتائج أكثر تأثيرًا على المؤسسة. ومع تسارع بيئة الأعمال، أصبحت المؤسسات تواجه تحديًا متزايدًا يتمثل في التفريق بين “النشاط” و”الإنجاز”. فالرد المستمر على البريد الإلكتروني، وحضور الاجتماعات المتكررة، والانشغال الدائم بالتفاصيل قد يخلق انطباعًا بالحركة، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق تقدم حقيقي نحو الأهداف. ولعل أحد أكبر التحديات الإدارية اليوم هو ما يمكن تسميته بـ”وهم الإنتاجية”، حين ينشغل الموظف بمهام عاجلة لكنها محدودة القيمة، بينما تتراجع الأولويات الاستراتيجية التي تصنع الفارق على المدى البعيد. وفي المقابل، فإن الموظف المنتج هو من يعرف كيف يرتب أولوياته، ويوجه وقته نحو الأعمال التي تحقق نتائج ملموسة. ولا يقتصر الأمر على الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات أيضًا. فالمؤسسة الناجحة ليست تلك التي تكثر فيها الاجتماعات أو التقارير، وإنما التي تمتلك أهدافًا واضحة، ومؤشرات أداء دقيقة، وبيئة عمل تمكّن موظفيها من التركيز والإبداع واتخاذ القرار في الوقت المناسب. كما أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أعادا تعريف مفهوم الإنتاجية. فالتقنيات الحديثة قادرة على تنفيذ كثير من المهام الروتينية بسرعة وكفاءة، مما يمنح الإنسان فرصة للتركيز على التفكير، والتحليل، والابتكار، وهي الجوانب التي تضيف قيمة حقيقية للعمل. ومن هنا، فإن بناء ثقافة إنتاجية لا يبدأ بزيادة ساعات الدوام، بل بإعادة النظر في طريقة إدارة الوقت، وتحديد الأولويات، وتمكين الموظفين، وقياس الأداء بناءً على النتائج لا على الحضور والانشغال. وفي عالم يتغير بسرعة، ستنجح المؤسسات التي تدرك أن القيمة لا تكمن في كثرة الحركة، بل في جودة الإنجاز. وسيتميز الموظف الذي يسأل نفسه في نهاية يومه: ماذا أنجزت فعلًا؟ لا كم ساعة قضيتها في العمل؟ وهل نقيس الأداء بالوقت أم بالأثر؟ فالفرق بين الانشغال والإنتاجية هو الفرق بين من يملأ يومه بالمهام، ومن يملأ مؤسسته بالنتائج.

291

| 27 أغسطس 2026

الشهادة تفتح الباب لكنها لا تضمن الدخول

بين الشهادة والكفاءة… أين يحسم سوق العمل قراره؟ في زمن تتسارع فيه المعرفة وتتغير فيه متطلبات الوظائف، لم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية لصناعة مستقبل مهني ناجح، بل أصبحت البداية فقط، لم تعد الشهادة الجامعية اليوم تمثل خط النهاية كما كان يُعتقد في السابق، بل أصبحت نقطة البداية في رحلة مهنية تتطلب التعلم المستمر، واكتساب المهارات، والقدرة على التكيف مع عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. فأسواق العمل لم تعد تبحث فقط عمن يحمل مؤهلًا أكاديميًا، بل عمن يستطيع تحويل المعرفة إلى قيمة، والأفكار إلى نتائج. ولسنوات طويلة، ارتبط النجاح بالحصول على شهادة جامعية، باعتبارها المفتاح الأساسي لبناء المستقبل المهني. إلا أن التحولات الاقتصادية والتقنية، وتسارع الابتكار، غيّرت معايير التوظيف، وأصبح أصحاب العمل ينظرون إلى ما يستطيع المرشح إنجازه، وليس فقط إلى ما درسه في قاعات الجامعة. فقد يتساوى اثنان في التخصص والمؤهل، لكن أحدهما يمتلك مهارات التواصل، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، وتحليل البيانات، واستخدام التقنيات الحديثة، بينما يفتقر الآخر إلى تلك المهارات. وعندها، لا تكون الشهادة هي العنصر الفاصل، بل القدرة على الإضافة وصناعة الأثر داخل بيئة العمل. ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التعليم الجامعي، فهو يظل حجر الأساس لبناء المعرفة والتفكير العلمي، لكنه لم يعد كافيًا بمفرده. فالمؤسسات اليوم تبحث عن موظف يتعلم باستمرار، ويتقبل التغيير، ويطوّر نفسه من خلال الدورات المهنية، والشهادات الاحترافية، والخبرات العملية، والمبادرات التطوعية، والمشاركة في المشاريع التي تثبت قدرته على الإنجاز. كما أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي فرضا واقعًا جديدًا، أصبحت فيه بعض المهارات التقنية مطلبًا في معظم الوظائف، حتى تلك التي لا ترتبط مباشرة بمجال التقنية. ولم يعد الإلمام بالأدوات الرقمية ميزة إضافية، بل أصبح جزءًا من الكفاءة المهنية التي يتوقعها أصحاب العمل. ومن جهة أخرى، يتحمل الخريجون مسؤولية الاستثمار في أنفسهم بعد التخرج، كما تتحمل الجامعات وأصحاب العمل مسؤولية تقليص الفجوة بين الدراسة الأكاديمية ومتطلبات السوق، من خلال التدريب العملي، والشراكات مع المؤسسات، وبرامج التطوير المهني التي تمنح الطالب فرصة لاكتساب الخبرة قبل دخوله الحياة الوظيفية. إن التحدي الحقيقي لم يعد الحصول على وظيفة، بل المحافظة على القدرة على المنافسة في سوق يتغير باستمرار. فالمعارف قد تتقادم، أما مهارة التعلم والتطوير الذاتي فتبقى استثمارًا طويل الأمد لا يفقد قيمته. وفي النهاية، ستظل الشهادة الجامعية إنجازًا مهمًا يستحق التقدير، لكنها لم تعد وحدها جواز العبور إلى المستقبل المهني. فالنجاح اليوم يُبنى على مزيج متوازن من المعرفة، والمهارة، والخبرة، والقدرة على التعلم المستمر. وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الذي يطرحه أصحاب العمل هو: "ماذا درست؟" بل أصبح: "ماذا تستطيع أن تقدم؟".

516

| 20 أغسطس 2026

لماذا نحتاج إلى دخل نخبئه لأيام لا تشبه خططنا؟

نحن نجيد التخطيط للأشياء التي نريدها؛ نخطط للسفر، لشراء سيارة، لتجديد المنزل، أو حتى لهدية قادمة. لكننا في المقابل نادرًا ما نخطط للأشياء التي لا نريد حدوثها أصلًا. عطل مفاجئ في السيارة، ظرف عائلي، إصلاح ضروري في المنزل، توقف مؤقت للدخل، أو التزام مالي لم يكن موجودًا في ميزانية الشهر. هنا لا تكون المشكلة دائمًا في قيمة المصروف المفاجئ، بل في السؤال الأصعب: من أين سندفعه؟ من هنا تأتي فكرة ما أسميه "الراتب الذي لا تلمسه". هو ليس راتبًا فعليًا، ولا حسابًا للادخار من أجل السفر أو الكماليات، وإنما مبلغ يتراكم بهدوء حتى يصبح بمثابة راتب احتياطي نلجأ إليه عندما تتغير الظروف دون موعد. الفكرة تبدأ ببساطة. بدل أن يكون الادخار هو ما يتبقى في نهاية الشهر، يصبح مبلغ الطوارئ التزامًا في بداية الشهر. حتى لو كانت النسبة صغيرة، فإن الاستمرار أهم من البداية الكبيرة. لكن هناك فارقًا مهمًا بين الادخار وصندوق الطوارئ. قد ندخر لهدف نرغب فيه، أما صندوق الطوارئ فنحن نبنيه لشيء نتمنى ألا نحتاج إليه أبدًا. ولهذا فإن قيمته الحقيقية ليست فقط في المال الموجود داخله، بل في المساحة التي يمنحها لنا لاتخاذ القرار بهدوء عندما نمر بظرف صعب. فالشخص الذي يملك احتياطًا ماليًا يستطيع أن يسأل: ما أفضل قرار؟ بينما من لا يملكه قد يضطر إلى سؤال مختلف تمامًا: ما أسرع طريقة للحصول على المال؟ وهنا يتحول الاحتياط المالي من مجرد مفهوم للادخار إلى أداة من أدوات إدارة المخاطر الشخصية. في المؤسسات، لا تُبنى الخطط المالية على افتراض أن كل شيء سيسير كما هو متوقع. توجد احتياطيات، وسيناريوهات للمخاطر، وخطط لاستمرارية الأعمال. فلماذا لا نطبق جزءًا من المنطق نفسه على حياتنا المالية؟ ربما نحتاج إلى إعادة تعريف علاقتنا بالادخار. فليس كل مبلغ لا ننفقه مالًا مؤجلًا للاستهلاك، وبعض المال يجب أن تكون مهمته الوحيدة هي حماية بقية المال. ولا توجد قيمة واحدة تناسب الجميع لصندوق الطوارئ؛ فالاحتياجات تختلف باختلاف الالتزامات واستقرار الدخل وحجم الأسرة. لكن الهدف الذي يمكن بناؤه تدريجيًا هو الوصول إلى احتياط يغطي عدة أشهر من المصروفات الأساسية، وليس بالضرورة عدة أشهر من كامل الراتب. والأهم أن تكون لهذا المال قواعد واضحة: لا يُستخدم لأن هناك تخفيضات مغرية، ولا لرحلة غير مخطط لها، ولا لشراء يمكن تأجيله. إنه موجود عندما يصبح التأجيل صعبًا أو عندما يتعرض الدخل أو الاحتياجات الأساسية لظرف غير متوقع. وقد تبدو فكرة اقتطاع مبلغ كل شهر بسيطة جدًا أمام النقاشات الكبيرة عن الاستثمار وتنمية الثروة. لكن بناء الثروة لا يبدأ دائمًا بالسؤال: كم سأربح؟ أحيانًا يبدأ بسؤال أكثر حكمة: إذا تغير كل شيء غدًا… كم من الوقت أستطيع أن أبقى واقفًا دون أن أستدين؟ لهذا ربما لا نحتاج في حياتنا إلى "حصالة طوارئ" بقدر ما نحتاج إلى راتب لا نلمسه، حتى يأتي اليوم الذي نحتاج فيه إلى أن يحمينا.

411

| 15 أغسطس 2026

الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف قيمة الإنسان

لم يعد السؤال اليوم هو: هل سيستولي الذكاء الاصطناعي على وظائف البشر؟ فهذا السؤال أصبح جزءًا من نقاش متكرر منذ سنوات. أما السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم فهو: ما القيمة التي سيضيفها الإنسان في بيئة يعمل فيها الجميع إلى جانب الذكاء الاصطناعي؟ لقد غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة أداء الأعمال، لكنه لم يُلغِ الحاجة إلى الإنسان. بل كشف أن المهارات التي لا تستطيع الآلة تقليدها بسهولة أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالإبداع، والقيادة، واتخاذ القرار في المواقف المعقدة، وفهم البعد الإنساني، كلها عناصر لا تزال تمثل جوهر القيمة البشرية. في المقابل، ستتراجع قيمة المهام الروتينية والمتكررة، لأنها أصبحت الأسرع انتقالًا إلى الأنظمة الذكية. وهذا لا يعني اختفاء الوظائف بقدر ما يعني إعادة تشكيلها. فالموظف الذي كان يقضي ساعات في إعداد التقارير، أصبح مطالبًا اليوم بتحليل نتائجها واتخاذ القرار المناسب بناءً عليها. ومن هنا، فإن المنافسة في سوق العمل لم تعد بين الإنسان والآلة، بل بين شخص يجيد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وآخر يرفض التكيف معها. فالطبيب الذي يستفيد من التحليل الذكي سيكون أكثر دقة، والمحامي الذي يوظف التقنيات الحديثة سيكون أسرع في البحث، ومدير الأعمال الذي يحسن استخدام البيانات سيكون أكثر قدرة على استشراف المستقبل. ولا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على القطاع الخاص؛ فالحكومات والمؤسسات العامة أيضًا أصبحت أمام فرصة حقيقية لتحسين الخدمات، ورفع كفاءة الإنفاق، وتسريع الإجراءات، وتطوير تجربة المستفيدين. لكن نجاح هذا التحول لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على الاستثمار في تأهيل الإنسان ليقود هذا التغيير. إن أخطر ما قد تواجهه المؤسسات ليس دخول الذكاء الاصطناعي، بل الاعتقاد بأن شراء التقنية يكفي لتحقيق النجاح. فالتقنية لا تصنع مؤسسة متقدمة ما لم تصاحبها ثقافة تعلم مستمر، وقيادة واعية، وبيئة تشجع على الابتكار والتجربة. لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل موظف على نفسه ليس: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: هل أمتلك من المهارات ما يجعلني شريكًا في هذا التحول، لا مجرد متفرج عليه؟ وفي النهاية، يبدو أن المستقبل لن يكون من نصيب الإنسان أو الآلة، بل من نصيب الإنسان الذي يعرف كيف يعمل مع الآلة، ويحوّل التكنولوجيا من منافس محتمل إلى شريك في صناعة الإنجاز.

525

| 13 أغسطس 2026

مجالس الإدارة في عصر التحول.. من الرقابة إلى صناعة المستقبل

في عالم تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية والتقنية بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد مجالس الإدارة مجرد جهة تعتمد القرارات أو تراجع التقارير الدورية، بل أصبحت المحرك الاستراتيجي الذي يحدد قدرة المؤسسات على الاستمرار، والتكيف، وصناعة القيمة على المدى الطويل. لقد أثبتت التجارب العالمية أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الموارد، وإنما تلك التي تتمتع بمجالس إدارة قادرة على استشراف المستقبل، وإدارة المخاطر، واتخاذ قرارات مبنية على المعرفة والبيانات والحوكمة الرشيدة. واليوم، ومع تسارع التحول الرقمي، وتنامي تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع توقعات المستثمرين وأصحاب المصلحة، أصبحت مسؤولية مجلس الإدارة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فلم يعد التركيز مقتصرًا على النتائج المالية، بل امتد ليشمل الاستدامة، والابتكار، والأمن السيبراني، وإدارة المخاطر، ورأس المال البشري، والمسؤولية المجتمعية. إن المجلس الفعّال هو الذي يوازن بين الرقابة والإدارة دون أن يتدخل في التنفيذ، ويطرح الأسئلة الصحيحة قبل البحث عن الإجابات، ويصنع ثقافة مؤسسية قائمة على الشفافية والمساءلة وتحقيق القيمة المستدامة. كما أن التنوع داخل مجالس الإدارة لم يعد مطلبًا شكليًا، بل أصبح أحد أهم عناصر جودة القرار. فتنوع الخبرات والتخصصات والخلفيات المهنية يثري النقاش، ويقلل من مخاطر التفكير الجماعي، ويعزز جودة القرارات الاستراتيجية. ومن القضايا التي تستحق اهتمامًا أكبر، بناء ثقافة تقييم أداء مجالس الإدارة بصورة دورية. ففي كثير من المؤسسات يتم تقييم أداء الإدارات التنفيذية بينما يغيب التقييم المنهجي للمجلس نفسه، رغم أن جودة قراراته تنعكس مباشرة على أداء المؤسسة واستدامتها. ومن المهم أيضًا أن تنظر المجالس إلى إدارة المخاطر باعتبارها فرصة لتعزيز المرونة المؤسسية، وليس مجرد وسيلة لتجنب الأزمات. فالمؤسسات الرائدة هي التي تمتلك القدرة على تحويل التحديات إلى فرص للنمو والابتكار. وفي منطقتنا، ومع تسارع الخطط التنموية، أصبحت الحوكمة أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والقطاع الخاص. ويؤكد ذلك أن بناء مجالس إدارة تمتلك الكفاءة والخبرة والرؤية المستقبلية لم يعد خيارًا، بل ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التنافسية. إن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من رأس المال، وإنما يبدأ من جودة القرار. وجودة القرار تبدأ من مجلس إدارة يمتلك رؤية واضحة، ويؤمن بأن الحوكمة ليست مجموعة من اللوائح، بل ثقافة مؤسسية تُمارس يوميًا، وتنعكس في كل قرار يصنع مستقبل المؤسسة. وفي النهاية، فإن نجاح أي مؤسسة لا يقاس فقط بما حققته اليوم، بل بقدرتها على الاستمرار غدًا. وهنا يأتي الدور الحقيقي لمجالس الإدارة؛ ليس في إدارة الحاضر فحسب، وإنما في صناعة المستقبل. فالقيادة الاستراتيجية ليست منصبًا، بل مسؤولية، والحوكمة ليست إجراءً تنظيميًا، بل أساسٌ تُبنى عليه الثقة، وتتحقق من خلاله الاستدامة، وتُصنع به المؤسسات القادرة على المنافسة محليًا وعالميًا.

549

| 03 أغسطس 2026

الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا
الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا

حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...

2532

| 16 أكتوبر 2026

محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟
محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟

في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...

2286

| 15 أكتوبر 2026

حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً
حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً

قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...

1188

| 11 أكتوبر 2026

خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة
خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة

قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...

1086

| 14 أكتوبر 2026

كبار القدر بين التكريم والتصنيف
كبار القدر بين التكريم والتصنيف

شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...

1032

| 15 أكتوبر 2026

عتابٌ من الجهة الأخرى!
عتابٌ من الجهة الأخرى!

أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...

678

| 12 أكتوبر 2026

قبل أن يولد الطفل الثالث
قبل أن يولد الطفل الثالث

■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...

597

| 13 أكتوبر 2026

من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية
من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية

-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...

579

| 11 أكتوبر 2026

الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية
الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية

يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...

483

| 11 أكتوبر 2026

الناس أمام الابتلاءات
الناس أمام الابتلاءات

لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...

465

| 15 أكتوبر 2026

أعيدوا لنا طلاق أول
أعيدوا لنا طلاق أول

الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...

456

| 15 أكتوبر 2026

رياضة ضرب الوجه!!
رياضة ضرب الوجه!!

قبل أيام تم الإعلان من قبل « visit...

420

| 12 أكتوبر 2026

أخبار محلية