رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
علمتنا مصر العروبة طوال سنين الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي مفهوم الوطن والمواطنة، علمتنا مفاهيم الحرية السياسية، علمتنا أن الشركات العالمية استبدت بثرواتنا البترولية والمعادن الأخرى، وممراتنا المائية السويس، باب المندب، مضيق هرمز، خليج العقبة وجبل طارق. مصر العروبة استردت قناة السويس من يد الشركة العالمية للقناة، وأصبحت ملك شعب مصر، ومن وارداتها بني السد العالي، والإصلاح الزراعي، ومصانع حلوان، ومجانية التعليم. وفي الخليج العربي استعادت الدول العربية المنتجة للنفط والغاز سيادتها على مواردها النفطية.
(2)
كان الفكر السياسي والاقتصادي والثقافي في تلك الحقبة من الزمن في أوج عظمته، قد نختلف في تصنيف الفكر في أي من تلك الحقول وقد نختلف في أهداف كتاب فكر ذلك الزمان إلا أنه لا يجب أن نختلف على أن مصر كانت قبلة المثقفين العرب والأفارقة، ومن أمريكا الجنوبية. كانت مصر مهد حركات التحرر الوطني من الاستعمار، استطاعت مصر العروبة المساهمة مالا وإعلاما وتمويلا في تحرير جنوب الجزيرة العربية من الاستعمار البريطاني الذي بقي في هذه المنطقة لأكثر من قرن من الزمان، وخرج مهزوما عام 1967، وأسهمت أيضًا في انتصار الثورة الجزائرية وهزم الاستعمار الفرنسي بعد أكثر من 120 عاما كان جزاء الأولى حرب 1967 والهزيمة التي منيت بها الدول العربية المشرقية، وللهزيمة / النكسة أسباب وأسباب ولست في مجال سردها، وكان جزاء الثانية العدوان الثلاثي على مصر (إسرائيل، فرنسا، بريطانيا).
وانهزم العدوان الثلاثي لأن مصر العزيزة ناصرها العرب كلهم في ذلك الزمان ولأن في مصر حكما وطنيا استقطب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج لصالح مصر. كانت مصر العروبة تعج برجال الفكر والفن والآداب أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر محمود أمين العالم ولطفي الخولي وعصمت سيف الدولة ومحمد حسنين هيكل والعقاد وطه حسين وغيرهم، ولم يبق في الصحافة المصرية من يشار إليه بالبنان سوى الأستاذ فهمي هويدي وجميل مطر، وفي الفن محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وفي القوات المسلحة الشاذلي وعبد المنعم رياض ومحمد فوزي هذه الأسماء فقط كنموذج وليس حصرا كما ذكرت فمصر فيها رجال أعطوا وبنوا ورحم الله تلك الأجيال.
كان جمال عبد الناصر رحمه الله زعيم مصر أولا وزعيما عربيا يشار إليه بالبنان، كان إذا دعا إلى مؤتمر قمة عربية أو إسلامية يتدافع الزعماء العرب نحو القاهرة استجابة لدعوته، وإذا ألمت نازلة سياسية بدولة عربية أو إفريقية فسرعان ما يمد يده لاحتواء تلك النازلة أذكر منها قضية لبنان
عام 1958، واليمن عام 1962، والأردن عام 1979، والكنغو 1961.
(3)
فما حال مصر اليوم؟ إنها في حال لا تحسد عليه، تغرق في الديون، تضخم اقتصادي جامح، واضطراب إداري لا سابقة له في تاريخ مصر، قضاء لا يتسم بالاستقلالية وتحوم حوله الشبهات. مصر الجنرال السيسي رئيس مصر في خلاف مع الذين مدوا أيديهم بالدعم المالي والسياسي والإعلامي، أعني الدول الخليجية العربية، وثبتوا حكم العسكر في القاهرة. مصر السيسي ليست على وفاق مع تركيا القوة الأولى في المنطقة عسكريا بعد إسرائيل، وأقوى اقتصاديا من مصر. الكل يعلم أن القرار السياسي في الشرق الأوسط اليوم ينطلق من الخليج العربي ومركزه المملكة العربية السعودية، لكن الجنرال السيسي لم يدرك بعد أنه لا يستطيع السير بمصر العزيزة وعواصم الخليج ليست على وفاق معه.
مصر السيسي، لم يناصر قوى التحالف العربي في مواجهة الانقلابيين في اليمن الذين استولوا على السلطة بقوة السلاح ونهبوا محتويات البنك المركزي وأسلحة معسكرات الجيش اليمني، وهو يعلم أن أمن مصر من أمن البحر الأحمر والتي تملك السعودية أطول شواطئ ذلك البحر، لم يقف السيسي مع الدول الخليجية لمناصرة الشعب السوري العظيم الذي بلي بنظام ظالم حاقد استعان على قهر الشعب السوري بكل عصابات الحقد من إيران وباكستان وأفغانستان والعراق ولبنان، وكذلك مرتزقة من روسيا النظام السوري قتل أكثر من 600 ألف إنسان من الشعب وشرد أكثر من 8 ملايين إلى خارج الحدود إلى جانب الاستعانة بقوات إيرانية وروسية لإخماد الشعب السوري.
من المحزن أن تقف مصر مع هكذا حكومة في دمشق.
(4)
كان إعلام مصر العروبة مؤثرا في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أما إعلام مصر السيسي اليوم فقد نزل إلى الدرك الأسفل من السطحية واللا أخلاق. يروي الأستاذ فهمي هويدي أن "الصحف القومية المصرية التزمت الصمت حين زار وزير خارجية مصر تل أبيب في خطوة مفاجئة لم نشهد لها مثيلا منذ تسع سنوات، وفي الوقت نفسه تعالت أصوات البعض منددة بالدعوة التركية لمد الجسور مع مصر ورافعة شعار "لا تصالح" وعند هؤلاء فإن التطبيع مع إسرائيل قفز فوق بحور الدم العربي صار حلالا مباحا، أما التطبيع مع الأشقاء فهو أمر مكروه" الشرق القطرية 18 / 7.
عندي أمثلة واقتباسات تثبت قولي عن الإعلام والسلوك السياسي الذي انحدر بمصر العزيزة إلى الدرك الأسفل لكن المساحة في الصحيفة محدودة بعدد من الكلمات وعلي أن ألتزم.
آخر القول: رحم الله مصر العروبة، وأعان شعبها العظيم على تحمل حقبة عبد الفتاح السيسي وإعلامه الهزيل وسياسة خارجية مضطربة وتأكدوا بأن لكل باغ نهاية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3813
| 30 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
3288
| 03 نوفمبر 2026