رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في هذه الأيام المباركة، بعد أن ودعنا شهر رمضان المبارك، جلست مع نفسي، في الليلة الرمضانية الأخيرة، أنظر في مذكراتي، وأسترجع ذكرياتي، مع العديد من الأخوة الأحباء، الذين رحلوا عن عالمنا، خلال أيام وليالي شهر الصيام، الذي لم يخل من مراسم العزاء.
ومع رحيل أولئك الأعزاء، استحضرت أيضاً، قصصا مأساوية، تحكي سيرة آلاف الشهداء، ومسيرة هؤلاء الأحباء ضحايا حرب الإبادة الجماعية، التي تشنها إسرائيل، على أهلنا الأشقاء.
وهذا يحدث يومياً، بل وفي كل ساعة، ولن أبالغ إذا قلت في كل دقيقة في غزة، بلد العزة، والتضحية والفداء.
وهنا، من موقعي في قطر، وطن الكرامة والكبرياء، يشرفني أن أنحني إجلالاً وإكراماً وتكريماً، لتضحيات الفلسطينيين الشرفاء، وبينهم شيوخ وأطفال ونساء.
وسلام مني على الضحايا الأبرياء، الذين هدمت بيوتهم فوق رؤوسهم، بفعل القصف الإسرائيلي المجنون.
وسلام إلى الجرحى، الذين يئنون، والأسرى الذين يعانون، ويتم تعذيبهم، في غياهب السجون.
سلام على الأطفال الذين بترت أطرافهم، والأمهات الثكالى، اللواتي فقدن أطفالهن.
سلام على الشهداء الأحياء، الذين ينتظرون دورهم، للفوز بأوسمة الشهادة.
سلام على من انتقلوا من ديار الفناء، إلى دار البقاء، ومن دار الفساد والشوائب الى دار النقاء، ومن دار الكدر والتلوث إلى دار الصفاء، وأصبحت سيرتهم، منارة تشع بالضياء.
سلام مني، أوجهه إلى الإنسان الفلسطيني المعذب، الثائر المشرد، المجاهد المستهدف.
أكتبه بكل عنفوان، معطر برائحة الزنبق والريحان، وعبق «الياسمين»، وهو عطر أمي، وأريج الإقحوان.
وستظل تضحيات شهداء غزة، محفورة في الوجدان، ومحفوظة في ملف حقوق الإنسان.
وسيبقى اللسان عاجزاً عن وصف هبتهم في حياتهم، وهيبتهم في مماتهم.
وأسأل الله، أن يلهم أهاليهم الصبر والسلوان، ويعوضهم خيراً عما فقدوه، من الأرواح، والأموال، والممتلكات، و«البيارات».
وبأصدق الكلمات أنوه، بمواقف جميع الشرفاء، في شمال قطاع غزة وجنوبه، الذين يلتفون حول المقاومة الفلسطينية، ويفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، ولم يستسلموا لليأس، رغم القصف، وإطلاق النار، وآثار الدمار، الذي يحيط بهم، وضغوط الحصار.
وهذا سلام مني أيضاً على الأوفياء لوطنهم والمؤيدين لمقاومتهم، والمتمسكين بأرضهم، والمؤمنين بقضيتهم العادلة، أولئك الأتقياء، وهؤلاء الأنقياء، في مواقفهم.
سلام مني إليهم، وسلام آخر عليهم، وقد احتفلنا بالعيد، ولا يوجد في غزة وقطاعها، مواطن فلسطيني واحد سعيد.
وهذا هو العيد الثالث، من أعيادنا الإسلامية، الذي يدق أبواب غزة، بينما أهل القطاع المقطوع عن العالم، يواجهون حرب الإبادة الجماعية، للشهر السادس عشر على التوالي، ويتم استهدافهم بالهجمات الصاروخية الوحشية، والاعتداءات الهمجية، الصهيونية.
* وفي خضم، تلك الممارسات النازية، التي تسعى إسرائيل من خلالها، لفرض شروط الاستسلام، على الفلسطينيين، ونزع روح السلام..
أوجه تحية السلام، لكل المقاومين الثوار، والمناضلين الأحرار، الذين يدافعون عن القضية الفلسطينية العادلة، بكل شجاعة وإصرار.
وما من شك، في أن الأهداف الوطنية، التي يسعون لتحقيقها والغايات النبيلة، التي يدافعون عنها، والقيم السامية، التي غرسوها في تراب وطنهم المحتل، والمثل العليا، التي نشروها، في قطاع غزة، ستثمر أجيالاً جديدة، من المقاومين الشجعان، للقضاء على هذا الكيان.
وحتماً لن تنهزم الأمة التي أنجبتهم، ولن يفنى الشعب، الذي رباهم، على الشجاعة، والإقدام.
أقول هذا الكلام، رداً على من يحركون مظاهراتهم المحدودة، وتظاهراتهم المعدودة، ضد حركة المقاومة الإسلامية.
ولا أريد القول، إنها مظاهرات، مدفوعة بقيمة «الشيكل»، ولكن توقيتها، وشعاراتها، ومساراتها، وهتافاتها، تؤكد أن محركها واحد، ومحرضها واحد.
ويكفي أن الترويج لها، والنفخ فيها، يتم في موقع «إسرائيل بالعربية»، التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، والذي يتم فيه، نشر الدعاية الصهيونية، الموجهة إلى العرب، بهدف التأثير على ضعاف النفوس، واستمالتهم، لتأييد المشروع الصهيوني في المنطقة.
ومن الناحية الواقعية، لا خلاف مع الذين نظموا المظاهرات، وشاركوا في الاحتجاجات، بأن الظروف الحياتية، والأوضاع المعيشية، التي كانوا يعيشونها، قبل السابع من أكتوبر، ليست كما بعده.
فهذا أمر مفروغ منه، قبل سماع الكلام الفارغ، الذي يرددونه في هتافاتهم، وقبل رفع الشعارات الفارغة من مضمونها الوطني، التي يحملونها، وكلها تصب في مستنقع المصلحة الإسرائيلية، ومنها شعار «بره بره حماس تطلع بره»!
وهذا يساهم في إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني، وتضخيم الضغوط على المقاومة، وتعظيم التحديات على الجميع.
*وها هي «حماس» تؤكد مجدداً، أنها تتعامل بكل مسؤولية، وكل إيجابية، وكل مرونة وطنية، مع المقترحات المطروحة، لإنهاء معاناة أهالي غزة، حتى لو وصلت الأمور إلى ضرورة خروجها من المشهد مقابل التزام إسرائيلي، أولا بوقف الحرب نهائياً.
والتزامها دائماً بتنفيذ القرارات الدولية، وفي مقدمتها، وأهمها، وأبرزها، «حل الدولتين»، ولا حلول غير ذلك.
بدلاً من قيام، الذين يتحركون بقوة «الشيكل»، بتوجيه الجماهير داخل قطاع غزة وخارجه، للقبول بأهداف الحرب الوحشية، التي تشنها إسرائيل، مما يتساوق مع شروط الاحتلال، ويتناسق مع مصالحه، ويستجيب لمطالبه، ويتواطأ مع رغباته!
وأقولها، بكل الثوابت القومية والقيم الوطنية، والحقوق الفلسطينية، والروابط الأخوية، بأنه لا يجوز لأي مواطن فلسطيني، تمكين إسرائيل، من تنفيذ مشروعها اللعين، وهو يعلم أنها تسعى لابتلاع كامل الجغرافيا الفلسطينية، وتعمل على التخلص من كل حقائق التاريخ، المتعلقة بعدالة القضية الفلسطينية.
وما أعرفه شخصياً عن أهالي غزة، أن المقاومة جزء لا يتجزأ من أولوياتهم، وركن لا ينفصل من ثوابتهم.
ولعل ما يميزهم، ثباتهم في النوائب، وصلابتهم في مواجهة المصاعب، وتضامنهم مع بعضهم البعض في المحن والمصائب.
وما من شك، في أن الشعوب، لا تصان حقوقها إلا بالتضحيات، والأوطان، لا تتعطر أجواؤها، عندما تكون أراضيها محتلة، إلا بدماء الشهداء، التي تراق، ذوداً عن الحرية، وسعياً لنيل الاستقلال.
* وما حدث، ويحدث في غزة، مرت به الكثير من الشعوب، ومنها الشعب الجزائري الشقيق، الذي تعرض بكل مكوناته، أيام الاستعمار الفرنسي، إلى أبشع أشكال التصفية، وأفظع أنواع التنكيل وأشد أنواع التعذيب، وأحقر عمليات الاعتقال وأقسى عمليات الإعدام، وقطع الرؤوس، وإرسالها إلى باريس، ليتم عرضها في ما يسمونه «متحف الإنسان»!
لكنهم، رغم كل ذلك الإجرام الاستعماري الفرنسي المنظم، لم يستسلموا، ولم يتراجعوا ولم يضعفوا، ولم يتضعضعوا، ولم يتقهقروا، ولم يُقهروا.
ولم يوجهوا أصابع الاتهام، إلى قادة المقاومة، بأنهم دمروا البلاد، وأنهم تسببوا في استشهاد مليون ونصف المليون جزائري.
ولم يخرجوا في مظاهرات فوضوية، اجتماعية، ضد قيادات المقاومة الوطنية، بل كانت تظاهراتهم الشعبية الحاشدة، ضد المستعمر الفرنسي، الذي ظل يستعمر الجزائر، منذ عام 1830، ولم يغادرها، إلا بالكفاح المسلح.
أكرر، بالنضال المسلح، بعدما أدركت الأحزاب الجزائرية، أن أهدافها الوطنية، لن تتحقق إلا بالمقاومة والمواجهة.
ولهذا قررت الانخراط، في الثورة المسلحة، بقيادة جبهة التحرير الوطني، التي انطلقت شرارتها في ليلة 31 أكتوبر 1954، وأسفرت بعد 7 سنوات من النضال، بإعلان الاستقلال في الخامس من يوليو 1962.
وما من شك، في أن الثورة الجزائرية المسلحة، شكلت ملحمة بطولية خالدة، في تاريخ الأمة العربية، ومسيرة النضال الوطني، وحركة التحرر من الاستعمار.
وأثبت الجزائريون، خلال ثورتهم ـ المسلحة ـ أن ظلم المستعمر المسعور، لا يدوم، وأن الاحتلال، لا يمكن أن يصمد، أمام إرادة الشعوب، التي تسعى لنيل حريتها.
وهكذا، فإن من يريد الحرية، لا بد أن يدق أبوابها، بكل يد مضرجة بالدماء، ولا بد لتحقيق الهدف الوطني، من تحريك قوافل الشهداء.
* ووسط هذه الحقائق، المستقاة من الثورة الجزائرية ـ المسلحة ـ خرج علينا المتحدث باسم حركة فتح في غزة، المسمى «منذر الحايك» بتصريح تمت حياكته في «النول» الإسرائيلي، مطالباً حماس بالتخلي عن إدارة القطاع المقطع، تمهيداً لإعادة غزة، إلى الحالة التي كانت عليها قبل 20 عاماً، عندما كانت خاضعة، لسيطرة السلطة الفلسطينية.
ولكن، مهلاً أيها «الحايك»، على رسلك أيها المتحدث باسم «فتح».
اسمح لي أن أفتح معك، هذا النقاش وأسألك:
ما هي المدن والبلدات والمخيمات، التي تخضع حالياً لسلطة السلطة، المتآكلة، في مناطق الضفة الغربية المحتلة، التي لم تسلم من العدوان الإسرائيلي؟
وخصوصاً بعدما عاثت إسرائيل فساداً، وتمعنت إفساداً في جميع الأماكن.
ولا أقصد، ما يقوله «محمد عبده»، عن «الأماكن» المشتاقة كلها، لمن يخضعها لسلطة صاحب الأغنية.
ولنفترض ـ جدلاً ـ أن حماس غادرت المشهد الفلسطيني، إلى غير رجعة، كيف سيكون «اليوم التالي» لهذه المغادرة؟
هل ستقبل إسرائيل بمبدأ «حل الدولتين»، الذي تطرحه «المبادرة العربية» والقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية؟
هل سترحب «تل أبيب» بقيام دولة مستقلة، للفلسطينيين، جنباً إلى جنب مع الكيان الصهيوني؟
هل سيحصل كل فلسطيني، على حقوقه المشروعة غير القابلة للانتقاض أو المساومة؟
هل ستوقف حكومة التطرف الإسرائيلي، مخططات تهويد القدس، ومحيطها المقدس؟
هل سيضمن لنا «الحايك»، بعد تخلي «حماس» عن حكم غزة، توقف جحافل الغوغاء المستوطنين، من انتهاك حرمة المسجد الأقصى؟
ولا أعتقد، أن المتحدث باسم «فتح» في غزة، لا يعلم أن العدوان على أهله الفلسطينيين، لم يبدأ بعد السابع من أكتوبر.
وأن الاعتداءات الصهيونية الهمجية الوحشية، على الشعب الفلسطيني، لم تنطلق انتقاماً، من «طوفان الأقصى»، فحسب.
ولكنها تتواصل ضد الفلسطينيين، منذ عقود وعهود، قبل أن يولد «الحايك»، وقبل أن ينسج تصريحاته، على «النول» الإسرائيلي، وقبل تأسيس حركة حماس عام 1989.
* ونعلم جميعاً، أن إسرائيل، تريد تفكيك حركة «حماس»، لأنها تقود المقاومة ضد المشروع الصهيوني، لتكون بعدها بلا حماس، وبلا إحساس، وبلا ساس، وبلا راس، وبلا حاضنة شعبية من الناس.
ونعلم أيضاً، أن إسرائيل تريد نزع سلاح المقاومة، حتى يسهل عليها، افتراس الجميع، في قطاع غزة وخارجه، وفرض مخطط التهجير، والتطبيع، والتركيع، وضمان عدم وجود، قطعة «جراخي» واحدة، يتم إطلاقها حتى احتفالاً بقدوم العيد.
وما من شك، في أن أحداث مخيمات اللاجئين، في «طولكرم» و«نابلس» و«جنين»، تشهد، على أن الاستهداف الإسرائيلي، لا يقتصر، على قطاع غزة، الذي تديره «حماس».
ولكنه يشمل حتى المناطق، التي يفترض أنها تخضع لحكم السلطة».
وما أدراك ما السلطة، المتعاونة، أو المتفاهمة أو الفاهمة، لمتطلبات المرحلة «الانبطاحية»، التي أجبرتها على القبول بالجزرة، حتى لا تستهدفها العصا، على اعتبار أن العصا الإسرائيلية، لمن عصى، حكومة نتنياهو!
* ونصل إلى الحقيقة الكبرى، التي ربما يعرفها المتحدث باسم «فتح»، بأن إسرائيل، تريد فعلاً سلاماً، مع الفلسطينيين، لكنها تريده، ناقصاً، مهشماً، مهمشاً، منزوعاً من السلام!
وتريد شعباً فلسطينياً صامتاً، لا يقدر على الكلام، ويظل دوماً، في حالة صيام، ليس بسبب شهر رمضان، الذي ودعناه، لكن بسبب سياسة التجويع، التي تطبقها إسرائيل على الجميع.
أما سبب تراجع القضية الفلسطينية، قبل أحداث غزة، فيرجع إلى أن «المنظمة»، المعنية بتحرير الوطن الفلسطيني المحتل، نسيت أن اسمها يتضمن كلمة «التحرير»، وأصبحت منفصلة عن شعبها وشعابها!
وقامت بتسليم أدوارها إلى حركة «فتح»، التي باتت لها كلمة الفصل، في كل ما يصدر عنها ومنها، لدرجة تحويل «المنظمة»، إلى مجرد واجهة، لتنفيذ المشروع «الفتحاوي» السياسي الخاص والخالص، ولا أقول المخلص!
والمؤسف، أن «المنظمة»، ومعها ذراعها الأشهر «فتح»، تبرمجت، وتكيفت مع ما تريده إسرائيل منها، وليس ما يريده الشعب الفلسطيني.
أما «السلطة»، التي تريد العودة، لكي تحكم قطاع غزة، فالمؤسف أنها تحولت إلى جهاز أمني بامتياز خاضع للاحتلال، متسلط على الشعب، وعلى المقاومة الوطنية، ولم يعد يهمها سوى التنسيق الأمني المفرط مع «تل أبيب»، وحماية مشروعها السياسي الفاشل، المتمثل في الدفاع بشكل أساسي عن أوهام «اتفاق أوسلو»!
* وبعيداً عن العاصمة النرويجية، التي شهدت ذلك الاتفاق المشوه، ومن العاصمة القطرية، المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني، أقترح على المتحدث باسم «فتح»، أن يفتح أبواب عقله جيداً، ويقرأ عن الجزائر كثيرا وغيرها من الدول التي حاربت مستعمريها، حتى استطاعت أن تنتزع حريتها انتزاعا، ويتعلم من دروس «ثوراتها»، ويبتعد عن الخضوع والخنوع لمشاريع الاحتلال الإسرائيلي، ولا يتأثر بطريقة تفكير «ثيران» الاستسلام، ويعيش الواقع الحقيقي بعيدا عن الظن والأوهام!
أفول أوروبا ورسائل التدافع
التدافع سُنّةٌ من سنن الاجتماع الإنساني، وقانونٌ يحكم حركة التاريخ كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الكون. فلا استقرار... اقرأ المزيد
108
| 08 فبراير 2026
سقوط الأقنعة الأخلاقية
شكّلت قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكبر الفضائح الأخلاقية والقانونية في العصر الحديث، بعدما كشفت... اقرأ المزيد
201
| 08 فبراير 2026
شكراً للعيون الساهرة
دعوني أولاً أعبر عن تقديرنا الكامل لكل الجهود المبذولة من وزارة الداخلية في تتبع كل ما من شأنه... اقرأ المزيد
129
| 08 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2136
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
951
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
732
| 04 فبراير 2026