رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ابن عباس أول من استخدم المصطلح بوصف من تبيضّ وجوههم بأنهم أهل السنة والجماعة
مالك عرّف أهل السنة بأنهم من ليس لهم لقبٌ يُعرفون به لا جهمي ولا قدَري ولا رافضي
أهل السنة والجماعة لا يقدمون العقل على النقل ولا يوجبون على الله شيئاً
أعيب على بعض السلفيين غلوَّهم في تبديع وتفسيق المخالفين لهم من أهل السنة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، وبعد:
فقد اختص الله هذه الأمة بخير كتاب أنزل، وخير نبي أرسل، وجعلها آخر الأمم، وقد ترك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم صحابته ـ على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وظلت الأمة متحدة على الجادة على العقيدة الإسلامية بنقائها وسلامتها وبساطتها؛ خلافةَ أبي بكر وعمر وعثمان، ثم كانت الفتن الكبرى: مقتل عثمان، وقتال المسلمين بعضهم بعضًا، في حربين كبيرتين، كانتا سببًا في قتل المئات بل الألوف، من المسلمين، في معركة الجمل ومعركة صفين، أضفْ إلى هاتين الحربين حرباً ثالثة: معركة النهروان، وانتهت المعركة بهزيمة الخوارج، الذين خططوا لقتل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب. وقتلوه رضي الله عنه.
خرجت الأمة من هذه الفتن، وقد ظهرت فيها أصول فرق الخوارج، والقدرية، والشيعة الأوائل، ثم ظهرت بعد ذلك فرقة المعتزلة، وتعصبت كل فرقة لنفسها ومعتقدها، وكبرائها.
وبعد مقتل الإمام علي رضي الله عنه، رأى الإمام الحسن أن يحقن دماء الأمة بالتنازل والصلح، زهداً وإيثاراً، وتبرماً بفوضى أنصاره، رضي الله عنه، ليحقق ما بشر به الرسول الكريم أمته، حين قال: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". وسمى المسلمون هذا العام بعام الجماعة، غير أن هذا الاجتماع لم يدم طويلاً، فقد جرى في النهر مياه كثيرة، كوقعة الحَرَّة، وخروج الحسين، وعبدالله بن الزبير رضي الله عنهم. في هذا الجو المضطرب تميزت أغلبية الأمة، والجمهور الأعظم منها، ممن تمسك بالعقيدة الصحيحة، من غير اتباع لهوى، ولا استحداث لبدعة بهذا اللقب: (أهل السنة والجماعة)، انتسبوا إلى (السنة) وإلى (الجماعة)، والسنة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهديه وطريقته، ومنهجه. و(الجماعة) هي جماعة المسلمين، وليست كما يظن بعض السطحيين من المعاصرين أنها جماعة من الجماعات المعاصرة. وهي إيذان من أول أمر: أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بوحدة الأمة، ويرفضون الفرقة، امتثالاً لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103]. وقوله عز وجل: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92].
ظهور المصطلح ودلالته
وقد ظهر هذا التعبير أول ما ظهر في قول ابن عباس رضي الله عنهما، في تفسير قوله تعالى: { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }. قال: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والضلالة.
وتبعه على هذا المعنى الإمام محمد بن سيرين، قال: "كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فيُنْظر إلى أهل السنة، فُيؤخذ حديثهم، ويُنْظر إلى أهل البدعة فتُردّ رواياتهم".
فكلمة (السنة) هنا ما تقابل البدعة في الاعتقاد والأعمال والتعبد.
وبهذا المعنى استخدم الفضيل بن عياض مصطلح (أهل السنة) في مقابل أهل البدع، قائلاً: "إن أهل الإرجاء يقولون: إن الإيمان قول بلا عمل. ويقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل. ويقول أهل السنة: الإيمانُ: المعرفةُ والقول والعمل".
وهذا ما حدا بالإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي، أن يذكر في مقدمة عقيدته المشهورة: (هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة).
ويعجبني هنا ما نقله ابن عبد البر عن الإمام مالك إمام دار الهجرة: أنَّ رجلًا سأل مالكًا، فقال: مَن أهل السنَّة؟ قال: أهل السنَّة الذين ليس لهم لقبٌ يُعرفون به؛ لا جهمي ولا قدَري ولا رافضي.
فـ (أهل السنة والجماعة) هو الاسم العَلَم لأمة الإسلام؛ المطلوب توحدها واجتماعها وتألفها على الإسلام العظيم، وعلى كتاب الله تعالى، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما اجتمع عليه الصحابة، وتابعوهم بإحسان.
ويمكن القول: بأن أهل السنة امتداد طبيعي للصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل القرون الثلاثة الأولى، وأنهم هم الأصل الذي حادت عنه كل الفرق.
المكونات الثلاثة لأهل السنة والجماعة:
وكما انقسم أهل السنة في الفقه إلى مدارس، أشهرها المذاهب الفقهية الأربعة، فقد انقسموا في الاعتقاد إلى أصحابِ الحديث، ومعهم جل الحنابلة، والمتكلمين من الأشعرية والماتُريدية ومعهم جل الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية، وظل الأمر ملتئما بين علماء كل طوائف أهل السنة، لا يُخرج بعضهم بعضًا من دائرة أهل السنة الواسعة.
وليست مدرسة من هذه المدارس الثلاث معصومة من كل خطأ، فلا عصمة في هذه الأمة إلا لنبيها محمد صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء جميعا اجتهدوا، وقد بلغوا رتبة الاجتهاد، وبلغوا من المنزلة في فهم الدين والخشية والورع والعبادة، ما يؤهلهم لهذا الاجتهاد. فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، وكلهم يُرجى له الخير.
وهذا ما قاله السفاريني الحنبلي صاحب العقيدة السفارينية؛ في تعريفه لأهل السنة: أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، والماتُريدية وإمامهم أبو منصور الماتُريدي.
وقاله عبدالقاهر البغدادي في (الفَرْق بين الفِرَق): (أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث، دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين، وقراؤهم ومحدِّثوهم، ومتكلمو أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة؛ في توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أبواب النبوة والإمامة.. وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق.. فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها، ولم يخلط إيمانه بها بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية، وسائر أهل الأهواء، فهو من جملة الفرقة الناجية).
الخلاف المقبول في فروع العقيدة بين مكونات أهل السنة:
والحق أن الخلاف بين هذه الطوائف الثلاث في بعض أوصاف الله تعالى، لا يخرج عن كونه من الاجتهاد المقبول في فروع العقيدة؛ بل عده بعض العلماء من قبيل الخلاف اللفظي، كما نقل العلامة السلفي محمد جمال الدين القاسمي، حين قال: "وكأنّ الخلاف بين المذهبين لفظي، إذ مبنى مذهب الخلف، على أن الظاهر غير مراد. ويعنون بالظاهر ما للخلق، مما يستحيل على الخالق، فوجب تأويله. وأما السلف فينكرون أن معنى الظاهر منها ما للخلق. بل هو ما يتبادر إلى فهم المؤمن، الذي يعلم أن ذاته تعالى، كما أنها لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات. لأنها لا تكيف ولا تعلم بوجه ما. فهي حقيقة النسبة إليه سبحانه. على ما يليق به. كالعلم والقدرة. لا تمثيل ولا تعطيل".
وأنا أرى أن هذا الخلاف يظل من الخلاف المستساغ، الذي لا يقتضي تكفيراً، أو تفسيقاً، أو تبديعاً. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه، كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية).
أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة:
وإذا كان المسلمون وسَطًا بين الأمم والملل، فإن أهل السنة وسط بين الفرق، يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمنون بالقدر خيره وشره.
وهم يؤمنون بأن الله "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، ويصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه، وما وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح من سنته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، خلافاً للمرجئة، الذين يقولون: إن العمل ليس داخلاً في حقيقة الإيمان، وإن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن أصحاب المعاصي مؤمنون كاملو الإيمان.
وهم لا يكفرون أهل القبلة بارتكاب الكبائر، ولا يستحلون دماءهم، ولا يرون قتال أئمة العدل، أو يرفعون السيف على أمة محمد، خلافا للخوارج.
كما يؤمنون بأن أفعال العباد من كسبهم، ولكنها لا تكون إلا بمشيئة الله وإرادته وخلقه. وأنه سبحانه يعلم ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، خلافا للقدرية الذين ينفون قدر الله وعلمه المسبق، والجبرية الذين ينفون اختيار الإنسان لأفعاله.
وأهل السنة والجماعة لا يقدمون العقل على النقل، ولا يوجبون على الله شيئاً، ويثبتون رؤية الله تعالى للمؤمنين في الآخرة، ولا يخلِّدون أصحاب الكبائر في النار، خلافا للمعتزلة.
ويرون أن الإمامة من مسائل الفروع، وليست من أركان الإسلام، وأن الأئمة ليسوا معصومين، ولا يتلقون العلم من الله مباشرة. ويعظمون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأزواجه وآل بيته الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة، خلافا للشيعة.
مصطلح (أهل السنة والجماعة) لجمع الأمة وليس أداة للشقاق
وإنما المقصد الأول لهذا الاسم أو المصطلح (أهل السنة والجماعة) جمع جمهور الأمة تحت مظلة واحدة، لا أن يصبح هذا المسمى أداة للتنابز والشقاق والفرقة، بأن يحاول بعض أهل السنة أن يحتكروا هذا الاسم، ويخرجوا الآخرين من مظلته الجامعة.
لذا، أعيب على بعض السلفيين غلوهم في تبديع وتفسيق المخالفين لهم من أهل السنة، من الأشاعرة والماتُريدية، وأعيب كذلك على بعض مخالفيهم من الأشاعرة الغلو في اتهامهم بالضلال والمروق، وتقويلهم ما لم يقولوه في دين الله، ورميهم بالتجسيم والتشبيه، وهم يبرؤون منهما في كل ما كتبوه، حتى قالوا عن الإمام الرباني علّامة الأمة وشيخ الإسلام ابن تيمية، ما لا يجوز، ولا يقبل أن يقال بحال من الأحوال.
وفي الختام، أحب أن أؤكد أن أهل السنة والجماعة، هم الأمة الإسلامية بمجموعها وأغلبيتها، ليسوا فرقة من الفرق، ولا طائفة من الطوائف، وإن جاز أن تضل أو تنحرف بعض المجموعات الصغيرة من الأمة، فقد عصم الله الأمة الإسلامية بمجموعها أن تجتمع على ضلالة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3297
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1266
| 28 سبتمبر 2026