رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ عقدين من الزمن العربي الإسلامي الصعب وأنا لم أكف عن متابعة ما يكتبه هذا الصحفي البريطاني الأمين (ديفيد هيرست) وهو الذي دعاه المركز القطري للصحافة للحديث عن طوفان الأقصى كما أن الجزيرة خصصت له حوارا ثريا والشكر للمركز وللقناة على اختيارهما لاعلامي بريطاني أمين وهي حقيقة تبينت لي وللرأي العام العربي المسلم لأن جميع تحاليله ورؤاه شديدة الاطلاع على خفايا السياسات الأمريكية والأوروبية تجاه حضارة الإسلام وهو الذي على موقعه الشهير (ميدل إست أي) يوميا يفضح مؤامرات الغرب وانخراط اليمين الإسرائيلي العنصري في لعبة خطيرة نسميها نحن (إخراج الإسلام من التاريخ وإبادة المسلمين فكرا وقيما وأخلاقا) فيما يشبه الحملات الصليبية السبعة التي انطلقت من كاتدرائية (كليرمون فيران) في فرنسا على أيدي بابا المسيحية الفرنسي (يوربان الثاني) واخترت أن نتابعه اليوم في محطة طوفان الأقصى مع التوجه بالشكر والتقدير لهذا الصوت النزيه ولموقع (عربي 21) المناضل الذي يترجم مقالات هيرست لجمهور القراء العرب خاصة وأنه اليوم يحذر إسرائيل من أن تهجير مليون فلسطيني من غزة بغاية وهمية هي تشكيل خارطة جديدة للشرق الأوسط ستكون بداية النهاية للدولة العبرية وفي هذا الصدد نشر موقع "ميدل إيست آي" مقالا للكاتب البريطاني ديفيد هيرست، تحدث فيه عن النكبة الثانية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد أهالي قطاع غزة وشكك هيرست في قدرة الاحتلال على تغيير الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط، بمجرد "القضاء على فصيل واحد". قال هيرست:"منذ اللحظة الأولى لهجوم حماس من داخل غزة، قطع رئيس الوزراء الإسرائيلي وعدا لم ينتبه له الكثيرون في حديثه مع عمد البلدات الحدودية قال إن رد إسرائيل "سوف يغير الشرق الأوسط". وعاد وكرر نفس الشيء في خطابه الموجه إلى الشعب المصدوم، حيث قال: "ما سنفعله بأعدائنا خلال الأيام القادمة، سوف يظل صداه يتردد معهم لأجيال قادمة". فما الذي يجول في خاطره؟
نعلم أنه انتظر طويلا رجاء أن يتمكن من ضرب مرافق إيران النووية بعد مرور ثلاث سنين على إحباط محاولته في عام 2010 قال في مقابلة مع سي بي إس: "لن أنتظر حتى يفوت الأوان." كما نعلم أيضا أنه يريد أن يجتث حزب الله وحماس، التي وصفها ذات يوم في حديث له معي (عندما كان في المعارضة)، إنهما بمنزلة حاملتي طائرات تعملان لإيران. لقد استخدم منذ الهجوم الذي شنه المقاتلون الفلسطينيون يوم السبت كلمات وعبارات مشابهة لتلك التي صدرت عن الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش ردا على هجمات الحادي عشر من سبتمبر في أثناء مطاردة القاعدة في أفغانستان، كان نائب الرئيس السابق ديك تشيني القوة الحقيقية من وراء العرش يفكر بهجوم أكبر على العراق.
هل يفكر نتنياهو باستغلال الدعم الهائل الذي يحظى به حاليا من المجتمع الدولي في تنفيذ حملته ضد غزة؟ من أجل تحقيق شيء أكبر، كما فعل بوش في 2001؟ ولقد أومأ زعيم المعارضة الإسرائيلية، بيني غانتز، هو الآخر إلى شيء أكبر، حين قال: "سوف ننتصر ونغير الواقع الأمني والاستراتيجي في المنطقة."
إن إعادة احتلال غزة والقضاء على فصيل فلسطيني مسلح واحد، لن يغير الواقع الاستراتيجي في المنطقة، ولا تحتاج إلى جيش قوامه 360 ألف جندي حتى تستعيد احتلال غزة. يمثل ذلك أضخم عدد من الاحتياطيين يتم استدعاؤهم في تاريخ البلد. وبحسب مصادري، يوجد لدى حماس من الرجال المسلحين ستون ألفا كحد أقصى، وقد تتمكن بصعوبة بالتعاون مع الفصائل الأخرى من تشكيل قوة تعدادها ثلث ذلك العدد. وطبعا من الممكن أن يكون ذلك مجرد تبجح – من نمط اللغة العدوانية التي يتسم بها خطاب نتنياهو. لكم جاءت مثل هذه التعهدات بتغيير الشرق الأوسط على لسان مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين سابقين، وثبت أنها جوفاء. خذ على سبيل المثال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، الذي ألف كتابا يشرح فيه كيف ستعيد أوسلو تغيير شكل الشرق الأوسط. وكذلك وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، التي أشارت إلى تشكل “شرق أوسط مختلف"، عندما حثت إسرائيل على تجاهل المطالبات بوقف إطلاق النار بعد أحد عشر يوما من قصفها لحزب الله في جنوب لبنان في عام 2006. ولكن ماذا لو كان ذلك الذي يتم التخطيط له مشروعا أكبر من ذلك؟ على ماذا سوف ينطوي؟ وما هي الأخطار التي يشكلها على المنطقة ككل؟ أول وأوضح إجابة هي نكبة ثانية أو طرد جماعي لجزء كبير من سكان قطاع غزة الذين يبلغ تعدادهم 2.3 مليون نسمة وهو رقم يكفي لتغيير القنبلة الزمنية السكانية التي لا يغيب هاجسها عن ذهن كل واحد من الإسرائيليين.
المقدم الإسرائيلي ريتشارد هيشت قال في حديث مع الصحفيين: إنه ينصح اللاجئين الفلسطينيين "بالخروج" من خلال معبر رفح على حدود غزة الجنوبية مع مصر. ثم اضطر مكتبه لأن "يوضح" ما قاله هيشت من خلال الإقرار بأن المعبر كان مغلقا. و من جهة أخرى أثار الأزهر الشريف أكبر مؤسسة دينية في مصر إمكانية أن تضطر مصر للسماح للاجئين المتدفقين من قطاع غزة بالعبور إليها – وهو نفس ما حدث بعد حربي عام 1948 وعام 1967 بين العرب والإسرائيليين. ودعا الأزهر الفلسطينيين إلى الصمود والثبات وحثهم على البقاء حيث هم. ما الذي سيدفع الأزهر إلى إصدار مثل هذا التصريح لولا أن إمكانية حدوث نزوح جماعي جديد قد تمت مناقشتها خلف الأبواب المغلقة. فمن شأن وصول مليون فلسطيني من غزة إلى سيناء وبدون أدنى مبالغة أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه بالنسبة لمصر وذلك بعد عقد من الانهيار الاقتصادي تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي. منذ فترة وأعداد غير مسبوقة من المصريين يركبون البحر في قوارب يدرك السيسي نفسه هذا الخطر ولذلك لم يكن منه إلا أن كرر الدعوة الصادرة عن الأزهر. لا يوجد أدنى شك فيما سيكون للطرد الجماعي للفلسطينيين من أثر على التوازن الدقيق بين الفلسطينيين وسكان الضفة الشرقية من الأردن الذي يشترك مع إسرائيل في أطول حدود وهي الحدود التي ماتزال حتى الآن على الأقل أهدأ الجبهات. ومن شأن النكبة الثانية أن تخلق أزمة وجودية لأول بلدين عربيين اعترفا بإسرائيل، وذلك أن مثل هذه الأزمة سوف تهدد قدرة كل واحد من النظامين على السيطرة على دولته. وعلى الرغم من ذلك، وكما هو جلي من تصريحات القيادة الإسرائيلية ومن أفعال طياريها، فإن الطرد الجماعي هو بالضبط ما قد تحاول إسرائيل حمل أهل غزة عليه في الوقت الراهن.
وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت وصف الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية"، وذلك تعليقا على مزاعم تقول؛ إن حماس قطعت رؤوس الأطفال، وهي مزاعم لم يمكن التحقق من صحتها بشكل مستقل، ولم تصدر عن الصحفيين الإسرائيليين عندما سمح لهم للوهلة الأولى برؤية آثار ما وقع داخل كفار عزا. ودعا عضو الكنيست ريفيتال غوتليف إسرائيل إلى التفكير باستخدام القنبلة النووية ضد غزة، وغرد قائلا: "فقط انفجار يهز الشرق الأوسط من شأنه أن يعيد للبلد كرامته وقوته وأمنه. آن لنا أن نرسلهم إلى الجحيم." ثم هذا غيورا إيلاند، الجنرال السابق، يقول: إنه يتوجب على إسرائيل "خلق أزمة إنسانية غير مسبوقة" في غزة، وهدد بنكبة أخرى قائلا: "فقط تعبئة عشرات الآلاف وصيحة المجتمع الدولي يمكن لهما أن يمارسا الضغط اللازم على غزة، لتختار بين أن تكون بلا حماس أو تكون بلا شعب. إننا في حرب وجودية".
لقد حطم المقاتلون الفلسطينيون في غارة الفجر صبيحة يوم واحد الأسطورة التي نسجت حول مناعة إسرائيل وهي التي تمتعت بها منذ أن هزمت ثلاثة جيوش عربية في حرب الأيام الستة في عام 1967. بل حتى حرب 1973 لم تسبب صدمة تعادل تلك التي نجمت عن هجوم حماس. تقول إسرائيل الآن: إن هذه الحرب حرب وجودية. ولكنْ ثمة إحساس في الشارع بأن إسرائيل بلد لا وجود للسلطة فيه بلد يمكن للإسرائيليين أن يأخذوا حقوقهم بأيديهم بلد راح المواطنون العاديون الذين لا يربطهم شيء لا بالمستوطنين ولا باليمين المتطرف يتجولون في الشوارع والطرقات وهم مسلحون. هذا هو ما وصل إليه المستوى العام من الكراهية والخوف، وما هي إلا مسألة وقت قبل أن يبدأ الفلسطينيون في الداخل يتعرضون للاعتداء. الخلاصة والعبرة هما: نعم حملة غزة التي تتطور إلى خطة يمكن أن تغير الشرق الأوسط، من الممكن أن ترتد عكسيا على الدولة العبرية وبشكل خطير جدا، وعلى مساندي المجزرة من الغرب والعرب وينبغي أن تتوقف قبل فوات الأوان وقبل أن ترسم للتاريخ صورة إبادة جماعية أكبر من الهولوكوست.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8400
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4869
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1059
| 09 أغسطس 2026