رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تضوي أفكار الشباب بعد الثورة بإشراقات كثيرة وأسئلة أكثر يلقونها على أنفسهم بعد اثني عشر شهرا من الثورة تجمع بين الأمل واليأس وكأن انفراجا قد بدأ يصيب اليأس والاكتئاب الذي أصاب جموع الشعب والشباب معاً بعد مرور أيام من تنحي حسني مبارك.
مزج الشباب بين الحلم والواقعية وأدرك أن الأفكار مهما كانت صعبة التحقيق وتبدو مستحيلة، تحتاج إلى جهد البناء كما هي تحتاج إلى زخم الدعم الشعبي.
ويؤكد الشباب بعداً جديداً استقر في يقينه ووجدانه أن الزعامة المطلقة كما السلطة المطلقة مفسدة مطلقة وأن العمل الجماعي يحتاج قيادة جماعية ولا يحتاج إلى القائد الفرد الأسطورة.
ويقرر الشباب في أمر الثورة معادلة اقتصاد القوة ورغم تعدد التجمعات، ورغم أن الوقت ينظم حالة الحضور والانصراف والاعتصام إلا أن هذا التعدد وتأثير الوقت المتاح أمامهم، أدخل معادلة اقتصاد القوة وتوجيهها في عملهم فاستقرت واحدة من سمات الأداء.
قبل الشباب بالتنوع السياسي فيما بينه وخاض البعض منه تجربة الانتخابات البرلمانية وخرج منها بضرورة التنسيق بين أطياف الشباب وهي معادلة لبناء وحدة أداء وليس وحدة التنظيم.
واكتشف إمكانية وحدة الأداء عند وضوح الهدف والمهام الواجبة لتحقيقه وتجنب البحث عن وحدة التنظيم التي مآلها إلى انقسامات أكثر وزمن يضيع من بين أيديهم.
كشفت الحوارات مع الشباب أن منهجا جديداً يحكم التفكير وأنه أقرب إلى منهج إدارة الأزمات وما يؤكد استيعابهم لهذا المنهج هو القدرة على اكتشاف "الفرص المتاحة داخل الأزمات" والإمساك بها حتى وإن كان الأمل في تحقيق نجاح فيها يبدو في البدايات ضئيلاً ولكنهم وبإصرار يسعون إلى تنظيمه.
وتخلص الشباب من مجرد الجدل العقيم حول الأفكار التي تطرح عليه وأصبحت هناك موجة لمستخدم مشرط الجراح في تناول الأفكار المثيرة للجدل فاقترب من الواقع أكثر.
وأعاد البعض من الشباب توجيه اهتمامه العملي فهو يخرج عن مسار دراسات تكميلية تعتبر استطرادا لدراساته الجامعية إلى آفاق جديدة في الدراسات الإدارية والاجتماعية أي أنه بعد تأهيل ذاته لمهام قادمة تحتاج إلى جيل جديد بتدريبات جديدة ومتنوعة غابت عنه في البدايات ولكنها ضرورة للاستمرار في تحمل مسؤولية المستقبل.
كانت أولى موجات الفتنة التي أصابت ثورة يناير 2011 هي محاولة خلق صدام بين الشباب والشعب والفصل التعسفي بين الأجيال وأحال الشباب هذا الأمر إلى معيار للقياس هو مدى خدمة الأفكار والمناهج لمطالب التغيير ومهامها.
ولم تعد هناك قاعدة "لن أعيش في جلباب أبي" ولكن ماذا يملك الآباء لغدنا وليس ما الذي قدموه من قبل وأوصلنا إلى ضرورة دفع الدم للتخلص منه وبدأ حركة التغيير. هذا التغير في التعامل مع الأجيال السابقة جعلهم قادرين على فرز الرؤى والآراء ومكنهم من الاستفادة من خبرات إيجابية موجودة داخل المجتمع بل بلغ الأمر بهم أن يحددوا ما الأسئلة التي يريدون إجابات عنها.
ووسط ضجيج بورصة أوراق التصويت في الانتخابات البرلمانية والنسب الساحقة لهذا أو لذاك تمكن الشباب من رؤية وتحديد القوى المؤثرة في المجتمع.
ورغم الصدامات المتكررة مع المجلس العسكري والقوة التي يملكها والقرارات التي يتخذها إلا أنه انتقل من مرحلة الهتاف ضده إلى مرحلة دراسة إمكانية الحركة والتغيير مع التوصيف الدقيق لموقفه.
وأدرك الشباب بأنه لا يملك إمكانية وقف آلة القتل ولكنه يملك إمكانية استمرار القبول بدفع الثمن من دماء الشهداء. أي أن الشباب أدرك أن هناك مستقبلاً يريده وأن الطريق إليه عبر صراع متصل وهذا الصراع بالكلمة والدعوة والعمل والشهادة يمكن أن يستعيد التوازن بين أطراف الصراع ويفتح أمام التغيير آفاقاً واسعة للتحقق.
واتخذ الشباب موقفاً من نتائج الانتخابات هو ذاته موقف العامة من الجماهير التي تقول بأننا جربنا الجميع فما هي الخشية من تجربة الآخرين. الشعب يقول بهذا لأنه لم يجد توازناً موضوعياً يخترق وعيه ويوجه اختياره وبغريزة البقاء والدوام لدى الشعوب التي تبنى قدرتها على الاستمرار في الحياة قبل بمخاطرة القبول بما هو مطروح عليه قاعدة "التجربة والخطأ" ولكن باتساع الزمن والكتل الشعبية رغم كل المحاذير التي أطلقت حول الجديد القادم ولكن لكونها فقط محاذير وليست بديلاً موضوعياً جرى الحشد من حوله لم تؤثر على الوعي في عمق الريف والمدينة وصارت الطوابير المحتشدة تعبر عن اختيار يبدو للعقلاء أن الشعب يضع أصبعه في عينه.
ولكن اختيار الشباب لذات الموقف هو رغبة لعدم خوض المعارك في غير توقيتها وهي رغبة في الوصول إلى عمق تكوين هذا القادم وتصنيفه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وهي في الوقت ذاته تعبير عن مبدأ في الصراع بعدم خوض معارك لم يأت حينها بعد بينما الزمن كفيل بتغيير ميزان القوى داخل الصراع ولكن الزمن وحده غير كاف بل هو احتياج لضرورة بناء علمي لقوى التغيير في المجتمع.
والشباب بذلك يحاول الانتقال بالصراع من مرحلة الصدام والدم واحتمالات الحرب الأهلية إلى مرحلة توازن القوى في المجتمع وهي مهمة كل الأزمنة وهي السبيل الوحيد لتجنب الديكتاتورية أو الصراع الدموي في مواجهتها. والعظيم في هذا الاختيار أن الشباب بتنوعه لم يسقط الاستعداد لتقديم الشهداء.. معادلة صعبة ولكن الشباب يأخذ بها وهي دلالة اتساع الأفق في رؤية الصراع وإدخال المعامل الزمني فيه وليس الانزلاق إلى اللحظة وأحداثها.
وبهذه الخيارات أعمل الشباب قوانين التغيير العلمية دون أن يعلن عنها وتكاملت آراؤه وأفكاره وأداءاته لتؤكد أن الأسلوب العلمي للتفكير قد وجد لنفسه مكانا بين الشباب.
أدرك الشباب أن الجديد ينبع من القديم وإعادة توصيف تنوع الأجيال داخل القوى المطالبة بالتغيير من حالة الصراع إلى حالة الاستنباط والتكامل.
وأدرك الشباب قانون صراع الأضداد والمتناقضات بين الأطراف وفي داخل كل طرف على حدة فطرح أفكاره ورؤاه حتى وإن كانت في مراحل الشعارات وأصر عليها وقبل دفع ثمن الدم لها ففرضها على المجتمع وأحاطها بالاستعداد للشهادة ففرض استمرار حضورها وصارت تعمل أثرها بين الأطراف وداخل كل طرف منها وصار الجدل إيجابيا وليس سلبياً.
وأقام الشباب معادلة ترابط عناصر الحياة وربط بين كل ما هو مطروح عليه في منظومة تحاول صياغة ذاتها وأن كل العناصر المكونة للحياة في داخل الوطن هي حلقات في سلسلة تمثل قوام القوة والضعف داخل المجتمع وإن اختلفت القوة بين حلقات هذه السلسلة انقطعت وفقدت قدرتها على خلق الاستقرار الإيجابي داخل المجتمع وفتحت الباب أمام أسباب جديدة لتجدد الصراع.
واختيارات الشباب تؤكد قدرة ذاتية على إدراك دلالة التراكمات الكمية والتغيرات الكيفية وهذه المعادلة هي واحدة من قواعد الأسلوب العلمي للتفكير وإعمال معادلات التفكير العلمي في قضية التغيير وهي منهج ضروري للانتقال من حالة العشوائية إلى حالة الأداء المنتج.
وهذه القياسات لعناصر الأسلوب العلمي للتفكير ليست محاولة إلباس أداء الشباب وأفكاره قسرا صفة العلمية وليس الارتجال ولكنها عناصر تقيم ما وصل إليه عبر تجربة العام المنصرم.
إن اتجاه الشباب من مرحلة التوصيف والنقد ومجرد التظاهر والاعتصام إلى مرحلة جديدة يسعى فيها إلى الوجود في أداءات المجتمع والدولة ومكوناتها هو دلالة صحة وبدايات عملية لعملية التغيير بالوجود والحوار والمشاركة قد تبدو أنها تجريبية وفي البدايات ولكنها منهج جديد يضيف إلى نداءات المطالب باتجاهات حركة لا تكتفي بمجرد المطالبة.
نعم هو مشوار طويل ولكنها بديات صحيحة وفي اتجاه صحيح لم يسقط من يده أي من عناصر القوة التي يمتلكها.
"سمر" هي مهندسة شابة أضيفها هي ومجموعة العمل من مهندسين ومهندسات شباب أضيفها إلى "بائعة الذهب" "وابنة أبيها" اللاتي كن في حلبة المواجهة في يناير 2011 وهي كانت معهم هناك ومازالوا جميعا مرتبطين بميدان التحرير الرمز والفكرة ولكن تفكيرها هو الشاهد على كل هذه الملاحظات حول خيارات الشباب.
مجموعة عمل من المهندسين الشباب هي قوة المهمة الرئيسية لإدارة عملية انتخابات نقابة المهندسين تداعوا أفراداً للمشاركة التطوعية في إدارة الانتخابات وأعلنوا أن الأداء التطوعي لا يمكن أن يقبل مقابلا ماديا لجهده ويعلنون في النهاية أنهم جميعاً خلقت التجربة داخلهم إحساس الأسرة.
يحاورون كل من يمر بهم دون عرض الذات أو الجدل العقيم. يدركون حجم الفساد ويسعون إلى تغييره ولا يشيرون بأصبع الاتهام إلى أشخاص ولكنهم يقومون بتحليل النظم التي أدت إلى هذا. لا يشايعون طرفا دون طرف آخر بل إن صدمتهم قد تساوت فيها كل الأطراف إذا بعدت عن الموضوع وكان الحديث عن الذات.
سمر. سلمى. منال. سارة. سارة " أم علي". جوزيف. أمير. محمود. ياسمين. ياسين. كريم. إسلام. ماريان. رمضان ومصطفى. أسماء جميعهم إشراقات عقل وعلم وأداء وانتماء تؤكد أن الشباب قادر إذا ما وجد بيئة عمل صالحة بل ويستطيع الإدارة إذا وجد الفرصة. ونجحوا في جذب الانتباه للمحيطين بهم وباتساع الوطن كله في مهمة واحدة وبلغ الأمر أن الشباب في كافة المحافظات كان على ذات درجة الانتماء والحركة والأداء الإبداعي. كانوا صادقين صدقا يتجاوز الصدأ الذي أصاب العديد من الأجيال الماضية.
وهكذا مصر تجدد شبابها بهذه الدماء الجديدة.
أحسست بالأبوة لهم. أزحتها جانبا في الوجدان وأطلقت مفهوم "الزمالة" صفة الجمع بين زملاء مهمة على ذات القدر من المسؤولية وبالتالي من سلطة القرار وأيضا من نصيب في أسباب النجاح.
كلنا شركاء مسؤولية وجلباب الأب قد يكون حنونا أو صارما. ولكن توصيف " الرفاق " و" الزملاء " في منظومة العمل هو مصدر الندية والقوة لجماعية العمل.
وجمعتنا جميعا مسيرة لتكريم شهداء المهندسين، فأحسست بعودة الروح وكل من كانوا يوما قيادات للمظاهرات في زمن الستينيات والسبعينيات ذابوا داخل مسيرة الشباب.
يتجاوز الشباب توصيف النجاح والفشل والنصر والهزيمة في قاموس اللغة ويتحدثون عن تراكم الإنجاز عبر المراحل وأنه السبيل للبناء شرط أن يكون الهدف واضحا وأن تكون الإستراتيجية واضحة وأن يكون المجتمع وعاء التراكم ليس مثقوبا بفعل "الأنا".
نتائج أولية لثلاثة أشهر مضت تشوهت فيها علاقات كانت ممتدة عبر 45 عاما لأن "الأنا" تعاظمت داخل هذه العلاقات وفقدت الموضوعية مكانها بإطلاق رصاصات كاذبة في غير اتجاهها ولكن الموضوع "البناء" اكتسب زخم الشباب الصادق ليمتد بأعمارهم ومستقبلهم الذي يصنعونه على أعينهم العمر بي وأشعر أن الخلود قد أصابني بأن للوطن جنودا للمستقبل.
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
48
| 06 أغسطس 2026
رفقاً بقلوب الوالدين
تأثرت كثيراً بقصة الأم التي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي، والتي أصيبت بسكتة قلبية وهي تحتضن أطفالها وتحاول حمايتهم... اقرأ المزيد
51
| 06 أغسطس 2026
حالة اللا حرب واللا سلام!
أهمية الوقت في الحياة الإنسانية لا يختلف عليها اثنان، وتزداد أهميته في الظروف الحرجة، وخصوصاً أيام الحروب والقتل... اقرأ المزيد
63
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
5664
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
3477
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2346
| 01 أغسطس 2026