رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرة أخرى تتألق الدبلوماسية القطرية بالزيارة التي أداها معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى (كييف) عاصمة أوكرانيا وإعلانه عن مبادئ أصيلة ترتكز عليها مواقف دولة قطر بتوجيه من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله، وإعلانه أيضا على الإسهام المالي في جملة من الحلول الإنسانية لصالح أطفال أوكرانيا المهجرين قسرا من وطنهم، وكذلك لصالح الشعوب الإفريقية التي تضررت من الحرب وسدت عليها منافذ استيراد الحبوب. في نفس الوقت وفي الدوحة يجتمع ممثلو أفغانستان والولايات المتحدة ليتفقوا على حل سلمي في موضوع الأموال الأفغانية المصادرة المودعة في المصارف الأمريكية ورفع العقوبات المسلطة على كابل حتى تنتهي معضلة بين الدولتين دامت عشرين عاما ثم بفضل الوساطة القطرية تم إغلاق ملفها.
ويأتي انقلاب الجيش في النيجر ليؤكد إعادة توزيع مناطق النفوذ بين الأقطاب حيث يبدو أن فرنسا خسرت موقعا آخر من مواقع مستعمراتها القديمة بعد مالي وبوركينا فاسو (يكفي أن نعلم أن فرنسا استخرجت خلال 30 سنة الأخيرة 100 ألف طن من اليورانيوم من مناجم النيجر، بينما تصنف النيجر من أكثر 10 دول فقرا! وأن نذكر أن 30% من كهرباء فرنسا تأتي من المفاعلات النووية التي تنتج الكهرباء باليورانيوم النيجري!.
وأتذكر طروحات المفكر المسلم الفرنسي رجاء جارودي منذ ثلاثين سنة. فقد كان رحمه الله أول من أشهر إسلامه من كبار المثقفين الغربيين مباشرة بعد استفاقته التاريخية من غفلة المذهب الشيوعي (وكان عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الفرنسي وأحد المقاومين للاحتلال النازي لفرنسا) ولي مع الرجل تاريخ بالصدفة منذ أن طالعت كتابه (حوار الحضارات) بالفرنسية سنة 1998 حين كنت مديرا للنشر في دار نشر (جون أفريك بباريس) وتسلمت من صاحبة المؤسسة مخطوطا جديدا من تأليف رجاء جارودي لأتولى نشره وكان عنوانه (الإسلام والغرب) فقرأته لأجده استمرارا للكتاب الأول وإنصافا للإسلام نادرا في هذه الربوع، ثم تعرفت على جارودي شخصيا وأصبحنا نلتقي أسبوعيا في مكتبي نصحح المطبوع ونتحادث طويلا فوجدت أن ما كان يكتبه جارودي وما كان يقوله قبل الآخرين يتحقق اليوم عام 2023 أمام عيوننا لأنه استشرف قبل الجميع أن الصراع الحضاري الاستعماري قادم ما بين قوى استكبارية غاشمة وسارقة وبين عدوين اثنين هما الإسلام والقارة الإفريقية!.
وها نحن كمسلمين وكأفارقة نشهد على تحقق رؤية جارودي وما يجري من اجتماع بوتين في موسكو مع القادة الأفارقة ووعده لهم بأن يضخ على شعوبهم القمح مجانا وما جرى من انقلابات عسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر يؤكد التصادم بين مصالح فرنسا وأوروبا والغرب عموما وبين مصالح كل من روسيا والصين.
سبق لأحد المؤرخين الامريكان (كريستوفر ميرولد) صاحب كتاب (بونابرت في مصـر) ان كتب قائلا (ليس هناك ما يشرف الاحتلال الأوروبي للشرق على مدى القرون من اعدام شيوخ الأمة الابطال في مصـر الى حرق قبائل الجزائر في جبال الاطلسي) كل التاريخ الاوروبي منذ قرونهم الوسطى الى ممارسات الولايات المتحدة الامريكية وريثة الاستعمار الاوروبي يمثل سلسلة غير مشرفة من عمليات الابادة الجماعية وبالطبع دائما، فالمسوغات والمبررات جاهزة للاستهلاك. فاحتلال مصـر سنة 1798 كان (لتمدين) الشعب المصـري وانقاذه من استبداد المماليك حتى ولو أدى الامر الى اعدام العلامة حسن الشرقاوي والامام العمدة عبدالوهاب الشبراوي والفقيه العالم يوسف المصيحلي وفضيلة الشيخ اسماعيل البراوي والشيخ الفاضل عبدالقاسم والشيخ سليمان الجوسقي العالم الضرير البصير والحكم غيابيا على تسعة آخرين بالاعدام. الحقيقة أن الحملة الفرنسية على مصر والشام كانت مخططة لمقارعة الإمبراطورية البريطانية وقطع طريق الهند عليها. هذه هي (المدنية) تسعى قادمة من أوروبا لتعدم المجاهد العتيد والبطل محمد كريم ثم ترفع رأسه على حربة عبرة لمن يعتبر وتطوف به الاسواق ثم يأتي الخزي الاكبر بطريقة قتل سليمان الحلبي قاتل كليبر بأكثر الاساليب وحشية. وننتقل من مصـر الى المغرب الاسلامي والجزائر لنقرأ شهادات في مذكرات لجنرالات الاستعمار نشرها كاملة وعلق عليها الصديق رجاء جارودي وفيها من عمليات الابادة الجماعية ما يشيب له الولدان والشعار المرفوع هو التمدين والتنصير، بينما كان الاستعمار يجهض صحوة اسلامية وشورية مباركة في مصـر وفي المغرب الاسلامي ويخنق حركة اصلاحية (ديمقراطية) اسلامية انتفضت في سبيلها الشعوب العربية. وما يجري اليوم من ضرب السودان بحرب أهلية مصطنعة وتعديات عنصرية على الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية انما هو امتداد لتلك الفلسفة الغربية القائمة على ارادة اخضاع الاخرين لهيمنة التحالف المسيحي اليهودي والتمهيد لأسواق النخاسة والهيمنة ولإقامة دين جديد اسمه الإبراهيمية. أحيانا يريد الجبناء إحباطنا برفع شعار (الواقعية) وأنا لا أفرق بين الواقعية والانهزامية وأعترف انني في بعض الحوارات والمواقف تجيش بي بعض العواطف واتحمس لقضية اعتبرها قضية حق الى ان يقنعني محاوري بعكس ذلك. واعترف انني لا اميل الى ما يسميه البعض بالواقعية والبعض الاخر بالجدية والاكاديمية عندما يتعلق الامر بمناقشة قضية ساخنة تهدد مصالح بل وجود العرب والمسلمين. ثم انني اعتبر الواقعية مصطلح تورية وتقية وقناعا لطيفا لنوع من أنواع الاستكانة والانهزامية. فتصوروا ماذا كان يكون مسار التاريخ الاسلامي لو تمسك صلاح الدين الايوبي بالواقعية عندما قيل له ان القوى الصليبية الغازية تمثل جيوش فرنسا والمانيا واسبانيا وايطاليا وبلجيكا والمجر وبيزنطا؟ وماذا كان يكون حال التاريخ المغاربي لو كتب على أمير السيف والقلم عبد القادر الجزائري ان يكون واقعيا؟ وكذلك لو كان الزعيم الفيتنامي (هوشي منه) من أقطاب الواقعية، وكذلك الشهيد البطل الشهم جوهر دوداييف زعيم الشعب الشيشاني المسلم لو قبل الحلول الواقعية التي كان يعرضها الروس، وقس على ذلك لو كان الشيخ احمد ياسين واقعيا ولم يقبل السجن والتضحيات ومثله نيلسون مانديلا الذي حرر شعبه واقام دولة الحق والعدل، سبع وعشرون سنة من السجن لم تجعل منه رجلا عاديا "واقعيا". ان التاريخ يكتبه دائما رجال فضلوا الحلم على الواقع وانحازوا للمستحيل على الممكن. ذلك قدرهم وتلك ارادة الله تعالى.
رمضان.. الصمت الذي يروي القلب
يطل رمضان بهدوئه الخاص، وكأن الزمن نفسه يتباطأ ليمنحنا فرصة للنظر داخل أنفسنا، والاستماع إلى أصوات قلوبنا. الصيام... اقرأ المزيد
72
| 20 فبراير 2026
نحو بيئة داعمة للذكاء الاجتماعي المبكر
يُعد الذكاء الاجتماعي إحدى الركائز الأساسية في بناء شخصية الطفل المتكاملة، خاصة في الصفوف الأولى من التعليم، حيث... اقرأ المزيد
36
| 20 فبراير 2026
تحديات الحضانة
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل مكانة أساسية في تعزيز استقرار المجتمع القطري، ودعم تماسكه، إذ... اقرأ المزيد
36
| 20 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6531
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
963
| 16 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها عبر الوسائط الإلكترونية والعقوبات المقررة لها والإجراءات التي تتم بشأن مكافحتها ضمن القانون رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، وقد أناط من أجل ذلك بجهاز النيابة العامة مهام جمع الأدلة والإثباتات حول ملابسات ارتكابها، وأوكلها سلطة التحقيق من أجل بيان الحقيقة بشأنها. ونظرا لخصوصية هذا النوع من الجرائم التي يختلف فيها مسرح الجريمة عن باقي الجرائم الأخرى، فإن إجراءات التحقيق وجمع الأدلة المثبتة لها بدورها تختلف عن الإجراءات الواجب اتباعها عند الاستقصاء عن الجرائم الأخرى. والمقصود بمسرح الجريمة هنا هو العالم الافتراضي الذي يمكن وُلُوجه عبر وسيط إلكتروني سواء عبر الإنترنت أو أي وسيلة أخرى تحقق من خلالها الفعل الجرمي الذي يصبح موضوع بحث من طرف النيابة العامة، ومن هنا تبدأ هذه الأخيرة في التقصي عن نسبة الجريمة الإلكترونية للشخص موضوع الاتهام، وتصبح مهمتها تحديد مدى إمكانية ولوج ذلك الشخص إلى الوسيط الإلكتروني موضوع الجريمة، وهل ثبت لديها حقا ارتكابه للفعل موضوع البحث والتحقيق أم لا. ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا سمح القانون للنيابة العامة بالتحري والاطلاع على علاقة ذلك الشخص بالوسائط الإلكترونية، والاستعلام عن الوسائل التي يستخدمها في حياته الاعتيادية وربطها بالجريمة، حتى وإن كان ذلك يبدو فيه مساس بحياته الشخصية وأموره الخاصة به، لأن الوسائل التقليدية للبحث والتحقيق لن تفيد في الوصول إلى الحقيقة. إن بعض الجرائم الإلكترونية من أجل كشف غموضها والوصول إلى فاعليها لا يكفي فقط الاطلاع أو الاستعلام عن الوسائط الإلكترونية والوسائل الخاصة بالمتهمين، بل يستدعي الأمر أحيانا بحثا معمقا من طرف النيابة العامة لن ينجح إلا عن طريق الاحتفاظ بتلك الوسائل وحرمان المتهم منها لغاية انتهاء التحقيق بشأنها، مثل الهواتف المحمولة أو أجهزة الحاسوب أو أية وسيلة أخرى يشتبه ارتكاب الجريمة بواسطتها، بل أحيانا يتطلب البحث والتحقيق إلزام المتهم بترك حساباته على بعض مواقع التواصل مفتوحة ورهن استعمال جهات التحقيق، بل قد يكون ملزما بتزويدهم باسم المستخدم وكلمة المرور. تأكيدا لذلك فقد نصت المادة 18 من القانون رقم 14 لسنة 2014 على حق النيابة العامة في أن تأمر كل مشتبه في ارتكابه جريمة إلكترونية بتسليم أية أجهزة أو أدوات أو أية معلومات مثل بيانات المرور تفيد في الكشف عن حقيقة الجريمة، وليس له حق مواجهتها بالخصوصية أو السرية حتى لو تعلق الأمر بأسرار المهنة، اعتبارا لكون البحث والتحقيق في الجريمة الإلكترونية من النظام العام الذي يهدد المجتمع، وهو أولى بالحماية من المصلحة الشخصية أو السرية المهنية للمشتبه فيه، واعتبارا كذلك لكون النيابة العامة بصفتها ممثلة المجتمع لن يضر اطلاعها على المعطيات الشخصية للمتهم في شيء، بل المفترض أن حدود اطلاعها وبحثها سوف تتم في إطار ما يهم الجريمة موضوع الاتهام، ولا يهمها الاطلاع على باقي ما يخص حياة المشتبه فيهم. ولم يحدد القانون مددا معينة للاحتفاظ بالأجهزة المشتبه باستخدامها في ارتكاب الجرائم الإلكترونية مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، إذا لا نجد التنصيص على أدنى مدة أو أقصاها، بل ترك المشرع المجال مفتوحا، لكنه من الناحية المنطقية فإن الاحتفاظ بتلك الأجهزة مدته مرتبطة بمدى الانتهاء من التحقيق بشأنه، فإذا تبين للنيابة العامة على سبيل المثال أن الهاتف المحمول المحتفظ به لا يحمل أي دليل أو شبهة تدين المتهم أو تفيد في الوصول إلى المتهم الحقيقي وإيضاح معالم الجريمة، يمكنها أن تعيده لمن يخصه بمجرد تأكدها من ذلك سواء تم ذلك خلال ساعات أو يوم أو أكثر، أما إذا ظهر لها أن ذلك الهاتف يحتاج مزيدا من الاستعلامات أو إعادة مخزون محذوف منه، أو الاستعانة بخبرة بشأنه وأن الأمر يتطلب أياما أو شهورا فإنه يجوز لها الاحتفاظ به طيلة تلك المدة. وإذا كانت للنيابة العامة حرية مطلقة بالتحفظ على الأجهزة والوسائل والبيانات التي تساهم في حل خيوط الجريمة الإلكترونية، فهي ملزمة في المقابل بالمحافظة على تلك الأشياء التي تحت تحفظها، بحيث لا يجوز لها محو بيانات أو تعديل معلومات أو تغييرها أو المساس بها لحين صدور قرار من الجهات القضائية بشأنها.
789
| 16 فبراير 2026