رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

234

الدكتورة حصة حامد المرواني

زوبعة العم سام في فنجان الزعفران

05 مارس 2026 , 03:31ص

ليست كل زوبعة مقدمة لعاصفة، فالعالم اعتاد في أوقات التوتر أن يرفع صوت القلق أكثر مما يرفع حجم الحقيقة، وبين ضجيج الأخبار المتلاحقة وتحليلات المنصات المتعددة، يجد الإنسان نفسه أحيانًا محاطًا بسيل من التوقعات والافتراضات التي قد تضخم المشهد أكثر مما هو عليه، لكن الحكمة تقتضي أن ننظر إلى الصورة بهدوء، وأن نتذكر أن الاستقرار لا يقاس بعدد الأخبار العاجلة، بل بمتانة الأوطان التي نعيش فيها، وبقوة المؤسسات التي تدير شؤونها.

في منطقتنا الخليجية، تعلمت الشعوب عبر العقود أن تفرق بين الضجيج العابر والحقائق الثابتة، فقد مرت على هذه المنطقة تحديات عديدة، وسمعنا عبر التاريخ الكثير من التوقعات المتشائمة، لكن الواقع كان دائمًا يقول كلمة مختلفة، الاستقرار يُبنى بالرؤية، ويُحفظ بالحكمة، ويستمر بفضل قيادة تعرف كيف تدير اللحظات الصعبة بثبات واتزان.

بين ضجيج الأخبار وهدوء الواقع

عندما تشتد الأخبار وتتسارع العناوين، يظن البعض أن العالم يقف على حافة المجهول، لكن الحقيقة أن كثيرًا من الأزمات في عالم السياسة تمر بمراحل من التصعيد الإعلامي قبل أن تتضح حدودها الحقيقية، فالأخبار بطبيعتها تبحث عن الإثارة، والتحليلات أحيانًا تتسابق في رسم السيناريوهات، بينما الواقع يسير غالبًا بخطى أكثر هدوءًا وتعقّلًا.

ولذلك فإن القراءة الواعية للأحداث لا تقوم على الخوف أو القلق، بل على فهم أن ما يحدث في العالم ليس دائمًا بالحجم الذي يُصوَّر به، فالعواصف السياسية قد تبدو كبيرة في العناوين، لكنها في كثير من الأحيان لا تتجاوز كونها زوبعة في فنجان، سرعان ما تهدأ عندما تتقدم لغة العقل والحسابات الواقعية.

نعمة الأمن التي نعيشها

من أجمل النعم التي يعيشها الإنسان في الخليج اليوم نعمة الأمن والاستقرار، هذه النعمة التي قد يعتادها الناس حتى يظنوا أنها أمر طبيعي، بينما هي في الحقيقة نتيجة عمل طويل وجهود متراكمة بذلتها الدول عبر سنوات من التخطيط والتنمية.

فالأمن ليس مجرد شعور مؤقت، بل منظومة متكاملة من السياسات الحكيمة، والإدارة الواعية، والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والاقتصاد، ولذلك عندما ننظر إلى حياتنا اليومية في الخليج نجد أن الاستقرار ليس شعارًا، بل واقعًا نعيشه في تفاصيل الحياة، في الطرق الآمنة، في المؤسسات القوية، وفي المجتمعات التي تنمو بثقة وهدوء.

قيادات صنعت الاستقرار برؤية

لم يأتِ هذا الاستقرار من فراغ، بل كان ثمرة قيادات آمنت بأن بناء الدولة مسؤولية طويلة المدى، فقد اختارت دول الخليج أن تبني مستقبلها على أسس واضحة، تنمية اقتصادية، واستثمار في التعليم، وتعزيز لمكانة الإنسان، وبناء علاقات متوازنة مع العالم.

هذه الرؤية جعلت المنطقة اليوم واحدة من أكثر المناطق استقرارًا في محيطها، ليس فقط بسبب الإمكانات الاقتصادية، بل بسبب الحكمة في إدارة التحديات، فالدول القوية لا تُقاس بردود الفعل اللحظية، بل بقدرتها على اتخاذ القرارات الهادئة التي تحمي مصالحها وتحافظ على استقرار مجتمعاتها.

الاطمئنان ثقافة مجتمعية

الطمأنينة ليست مجرد شعور فردي، بل هي ثقافة مجتمعية تتشكل مع الزمن، فعندما يعيش الناس في بيئة مستقرة ويشعرون بثقة في مؤسسات دولتهم وقيادتها، يتحول الاطمئنان إلى حالة عامة تسود المجتمع.

وفي الخليج، اعتادت المجتمعات أن تنظر إلى الأحداث بعين متوازنة، فالتجربة علمتنا أن الأزمات مهما بدت كبيرة فإنها تمر، وأن الأوطان التي تبنى بالحكمة قادرة دائمًا على تجاوز التحديات.

بين الزوابع والحقائق

قد تتعالى الزوابع في سماء السياسة، وقد تتسابق العناوين في تصوير المشهد وكأنه على وشك التحول إلى عاصفة كبرى، لكن التاريخ يعلمنا أن كثيرًا من هذه الزوابع لا تلبث أن تهدأ عندما تتقدم الحكمة على الانفعال.

وفي الخليج، حيث تتجذر قيم الاعتدال والتوازن، يبقى الاطمئنان خيارًا واعيًا لا سذاجة، فالثقة في القيادة، والإيمان بقدرة الدول على إدارة التحديات، والنظر إلى ما نملكه من خيرات وإنجازات، كلها عوامل تجعلنا نقرأ الأحداث بوعي وهدوء.

وفي النهاية، قد تمر الزوابع هنا وهناك، لكن الأوطان التي بُنيت على الحكمة والرؤية تبقى ثابتة، وما نعيشه اليوم من أمن واستقرار ليس صدفة عابرة، بل نتيجة مسيرة طويلة من العمل والبناء، ولذلك، وبين كل ما يُقال ويُكتب، يبقى الواقع شاهدًا على حقيقة واحدة، أن الطمأنينة التي نعيشها أكبر من أي زوبعة عابرة.

مساحة إعلانية