رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

681

الدكتورة حصة حامد المرواني

التجارب لا تُجامِل

24 فبراير 2026 , 01:00ص

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت عنوان ( من فكرة إلى صناعة نفوذ ) أقول إن النظر إلى التجارب الدولية الناجحة يثبت أن التعليم غير النظامي لا ينجح عندما يُترك كجهود متفرقة أو مبادرات موسمية، بل ينجح عندما يتحول إلى منظومة دولة متكاملة. وتعد سنغافورة من أبرز النماذج العالمية التي استطاعت تحويل التدريب والتعليم غير النظامي إلى سياسة وطنية عبر مشروع Skills Future، حيث قامت الدولة بإنشاء منصة موحدة تتيح للمواطنين الوصول إلى برامج تدريبية معتمدة، وربطت هذه البرامج مباشرة باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل، مع وجود نظام تمويل ودعم رسمي يضمن استمرار التعلم مدى الحياة. وقد أصبحت سنغافورة من خلال هذه المنظومة مثالًا عالميًا على كيف يمكن للدولة أن تصنع رأس مال بشري عالي الكفاءة دون الاعتماد فقط على التعليم الجامعي التقليدي.

(ألمانيا) حين يصبح التدريب جزءًا من الاقتصاد

وفي المقابل، تقدم ألمانيا نموذجًا مكملًا لا يقل أهمية، حيث نجحت عبر نظامها المعروف بالتعليم المزدوج في دمج التدريب المهني ضمن الاقتصاد الحقيقي، وربطت التعليم غير النظامي مباشرة بالمؤسسات الإنتاجية والشركات. فالتدريب في ألمانيا ليس شهادة إضافية، بل هو مسار توظيف واستقرار اقتصادي، مما جعل التعليم غير النظامي جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني، وأداة فعالة لإنتاج مهارات عالية الدقة تواكب التطورات الصناعية والتكنولوجية.

قطر تدمج النموذجين

إن دولة قطر تمتلك فرصة استراتيجية لتبني نموذج مشابه ولكن بصياغة قطرية خاصة، تقوم على دمج التجربتين ضمن إطار واحد، بحيث تتبنى قطر فلسفة سنغافورة في بناء المنصة الوطنية الموحدة للتعليم غير النظامي، ونظام الاعتماد والتمويل وربط التدريب بالتحول الوطني، وفي الوقت ذاته تستلهم من ألمانيا فكرة الربط المباشر بين التدريب والمؤسسات والشركات والوظائف الفعلية. ومن هنا يمكن تأسيس منظومة قطر للتعليم غير النظامي بحيث تكون كل البرامج التدريبية داخل الدولة، سواء المقدمة من الجامعات أو الجهات الحكومية أو القطاع الخاص أو مراكز التدريب، جزءًا من إطار وطني موحد ومعايير قياس أثر واضحة، بما يجعل التدريب رافعة وطنية تدعم رؤية قطر الوطنية 2030 وتخدم أهداف التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية.

من سيستفيد؟

أما الفئات التي سيخدمها تطبيق هذا النظام في قطر، فهي فئات واسعة تبدأ من الشباب وطلبة الجامعات، مرورًا بالموظفين الحكوميين والقطاع الخاص، ووصولًا إلى النساء، ورواد الأعمال، والمتقاعدين، بل وحتى الفئات ذات الأولوية التنموية التي تحتاج إلى برامج تمكين خاصة. كما يمكن أن يخدم التعليم غير النظامي المقيمين في قطر من خلال برامج تعزز المهارات وتدعم سوق العمل، وهو ما يعزز الإنتاجية العامة للدولة.

النتائج… أكبر من التدريب

وإذا تم تطبيق هذا النظام بالشكل الصحيح، فإن النتائج التي ستحققها قطر ستكون متعددة الأبعاد. أولها بناء رأس مال بشري قادر على المنافسة العالمية، وثانيها رفع كفاءة المؤسسات الحكومية والخاصة، وثالثها دعم الاقتصاد الوطني من خلال تعزيز ريادة الأعمال وتقليل الاعتماد على الوظائف التقليدية، ورابعها تعزيز الاستقرار الاجتماعي عبر بناء منظومة قيم وسلوكيات ووعي مجتمعي متقدم.

النفوذ الناعم… حين تتحول قطر إلى مصدر

أما الأثر الأهم، فهو أن قطر ستتحول إلى دولة مصدرة للمعرفة، وليس فقط دولة مستهلكة لها. أي أن التعليم غير النظامي سيكون أداة لصناعة النفوذ الناعم القطري، عبر تصدير برامج تدريبية إقليمية ودولية، وبناء شراكات مع المنظمات العالمية وعلى رأسها اليونسكو، وتحويل التدريب إلى مسار دبلوماسي ثقافي يعزز حضور قطر العالمي.

ما تفهمه الدول الكبرى

إن الدول التي تفهم اليوم قيمة التعليم غير النظامي لا تعتبره نشاطًا تدريبيًا، بل تعتبره أمنًا استراتيجيًا ناعمًا. ومن هذا المنطلق، فإن قطر تمتلك فرصة تاريخية لتبني منظومة وطنية للتعليم غير النظامي، لا تكون مجرد برامج تدريب، بل تكون مشروع دولة، ومؤشرًا من مؤشرات التنمية، وأداة لصناعة الإنسان، وأداة لصناعة النفوذ.

خاتمة: من التعليم إلى الريادة

وبذلك، يصبح التعليم غير النظامي في قطر ليس خيارًا إضافيًا، بل سياسة وطنية تتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030، وتمنح الدولة مساحة جديدة من الريادة، ليس فقط في الاقتصاد أو السياسة، بل في صناعة الإنسان الذي يقود المستقبل.

مساحة إعلانية