رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

18

الدكتورة حصة حامد المرواني

جيل المناظرات.. لحظة مفصلية في إصلاح التعليم

23 فبراير 2026 , 04:38ص

ليست كل مراحل التعليم متشابهة. هناك مراحل تحسين، ومراحل تطوير، وهناك لحظات مفصلية تعيد تعريف المسار بالكامل، نحن اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات.

لم يعد السؤال: كيف نُحسّن المناهج؟ السؤال الحقيقي: هل طريقة التعليم نفسها ما زالت صالحة لعصر تُدار فيه الدول بالأفكار، وتُحسم فيه المعارك بالحُجّة، وتنتشر فيه المعلومات في ثوانٍ؟

التعليم القائم على التلقين والحفظ والاختبار قد يمنح الطالب معرفة مؤقتة، لكنه لا يمنحه حصانة فكرية. وفي زمن تتصارع فيه السرديات قبل المصالح، تصبح الحصانة الفكرية أولوية وطنية لا خيارًا تربويًا.

هنا تبرز المناظرات، لا كنشاط إضافي، بل كأداة إصلاح. المناظرة ليست تدريبًا على الخطابة، بل تدريب منهجي على التفكير. هي تعلم الطالب أن يبحث قبل أن يتحدث، وأن يستند إلى دليل قبل أن يتبنى رأيًا، وأن يُصغي قبل أن يرد، وأن يختلف دون أن ينفعل. هذه ليست مهارات تجميلية، بل مهارات بقاء في قرن الأفكار.

الدول المتقدمة لم تعتبر المناظرات ترفًا ففي المملكة المتحدة يفرض المنهج الوطني تضمين مهارات التحدث والاستماع، بما يشمل النقاشات المنظمة، ضمن التقييمات الأساسية في المراحل الدراسية.

الفوائد تتجاوز قاعة الصف. فكريًا، تعزز المناظرات التفكير النقدي وتحليل القضايا من زوايا متعددة، وتُدرّب الطالب على التمييز بين الرأي والمعلومة. اجتماعيًا، تبني ثقافة احترام الرأي المختلف والعمل الجماعي. نفسيًا، ترفع مستوى الثقة بالنفس، وتُنمّي القدرة على التعبير تحت الضغط. وطنيًا، تُعد جيلًا يفهم القضايا العامة بوعي، ويشارك بمسؤولية، ويحصّن المجتمع من الانجرار خلف التضليل.

من هنا، يصبح إدماج التعليم غير النظامي، وعلى رأسه المناظرات، خطوة إصلاحية حقيقية لا تجميلية.

المقترح واضح: إدراج مسار إلزامي للتعليم غير النظامي ضمن الخطة الدراسية، يكون شرط اجتياز للانتقال بين المراحل، دون احتساب في المعدل التراكمي، مسار يركز على المناظرات والتفكير النقدي والتدريب العملي.

كما لا ينتقل الطالب دون نجاح في المواد الأساسية، لا ينبغي أن ينتقل دون إثبات قدرته على التفكير والحوار.

أما آلية التنفيذ في قطر، فهي ممكنة دون أعباء إضافية. تتولى مناظرات قطر وضع الإطار الوطني للمناظرات التعليمية، وإعداد دليل موحد، وتأهيل واعتماد المدربين، وتنفذ مراكز التدريب الخاصة المعتمدة البرنامج داخل المدارس والجامعات بعد حصولها على الاعتماد، بينما تقوم وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي بإدراج المسار كمادة اجتياز إلزامية وتحديد آلية التقييم والمتابعة.

إصلاح التعليم لا يعني إلغاء الإرث، بل تطويره وتهيئته لمتطلبات المستقبل.

نحن أمام لحظة مفصلية فعلًا: إما أن نكتفي بتحسين الأدوات القديمة، أو نمتلك الجرأة لإضافة مهارات تواكب قرن الأفكار.

جيل المناظرات ليس شعارًا، بل رؤية لصناعة عقول تُحاور بدل أن تنفعل، وتُقنع بدل أن تصطدم والقرارات المفصلية لا يُقاس أثرها اليوم، بل بعد سنوات، عندما نرى الفرق بين جيل يُجادل بعلم وجيل ينجرف خلف الصوت الأعلى.

مساحة إعلانية