رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتور محمد أنس أرناؤوط

مساحة إعلانية

مقالات

24

الدكتور محمد أنس أرناؤوط

الأطباء الرقميون: حدود المسؤولية الطبية

13 أكتوبر 2026 , 12:00ص

يمر القطاع الصحي في العالم بتحول جذري ومتسارع مع تغلغل خوارزميات الذكاء الاصطناعي في صياغة التشخيصات الطبية الحرجة وتحديد خطط العلاج المعقدة، وهذا الانتقال السريع والمفاجئ من دور "الآلة المساعدة" إلى "الموجّه الفعلي والمباشر للقرار الإكلينيكي" العلاجي، يضع الأنظمة القانونية المعاصرة أمام معضلة تشريعية غير مسبوقة وسؤال أساسي هو: كيف يمكننا إعادة تعريف المسؤولية التقصيرية للمستشفيات عندما تخطئ هذه البرمجيات الذكية في تشخيص مريض؟

تُظهر النقاشات الأكاديمية والدعاوى القضائية الحديثة في الولايات المتحدة ملامح أزمة قانونية حادة في الأفق القريب. تاريخياً، حيث استقرت أحكام القضاء الأمريكي على معيار "الطبيب العاقل"، معتبرة التكنولوجيا مجرد أداة صماء تابعة بالكامل لتقدير الطبيب البشري، وبموجب هذه الرؤية التقليدية – واستناداً إلى نظرية "الوسيط المتعلم" المستقرة قضاءً – تقع المسؤولية القانونية الكاملة على كاهل الطبيب الذي وقع على التقرير النهائي، لكن القفزة النوعية والتطور الحاصل لذكاء الآلة نسفت هذه الفرضية من جذورها؛ فالأطباء اليوم يواجهون ظاهرة نفسية ومهنية خطيرة تُعرف بـ "الاعتماد المفرط الأعمى" Automation Bias، بسبب الإرهاق تحت وطأة ضغوط العمل اليومية، وتفوق الآلة إحصائياً في مجالات معينة كالأشعة، وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: كيف نحاسب طبيباً بشرياً على عدم رصد خطأ خوارزمي مستتر خلف ما يُعرف تقنياً بـ "الصندوق الأسود"، Black-Box Opacity وهو أمر يتجاوز القدرة البشرية على التحليل الفوري والمقارنة؟

أمام هذا التعقيد التشابكي، يتجه الفقه القانوني المعاصر في أمريكا إلى نقل مركز الثقل من مسؤولية الطبيب المنفرد نحو "المسؤولية المؤسسية المباشرة للمستشفيات"، فلم يعد الخطأ محصوراً في لحظة التشخيص في العيادة نفسها، بل بات يمتد ليشمل أبعاداً تنظيمية وهيكلية جديدة تُسأل عنها إدارة المستشفى بشكل مباشر، وأبرزها خطآن جسيمان هما:

• الإهمال في الاختيار والتدقيق التقني: عبر إدخال خوارزميات برمجية للمنظومة دون اختبارها محلياً، أو استخدام أنظمة تعاني من انحراف خفي في البيانات التدريبية لا يتوافق مع الطبيعة الديموغرافية والجينومية لمرضى المستشفى الفعليين.

• غياب بروتوكولات الرقابة والامتثال المستمرة: ويتمثل في فشل المؤسسة الطبية في توفير بيئة سيبرانية مرنة قادرة على مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي بشكل دوري وعزل الأخطاء التقنية فور حدوثها وقبل وصولها للمريض.

إن النتائج العميقة لهذه التحولات القضائية تعيد صياغة مفهوم "معيار الرعاية الطبية" بأكمله في البيئات الرقمية. فالقضاء لن يعفي إدارة المستشفى مستقبلاً لمجرد أن الطبيب وافق على رأي الآلة؛ إذ يرى كبار الفقهاء أن المؤسسة التي تفرض بيئة عمل رقمية تعتمد على خوارزميات معيبة أو غير خاضعة للرقابة المستمرة تُعد مخطئة ومقصرة إدارياً وقانونياً بشكل جسيم.

في النهاية، يتطلب هذا الواقع المعقد من المستشفيات التخلي تماماً عن دور المتفرج الذكي. إنها بحاجة ماسة إلى بناء إستراتيجيات حوكمة دفاعية صارمة، تبدأ من التدقيق الرقمي المشترك، وتصل إلى إعادة صياغة عقودها التجارية مع شركات البرمجيات العملاقة لتوزيع المخاطر والتعويضات بشكل عادل يحمي كافة الأطراف. فالذكاء الاصطناعي قد يعزز كفاءة الطب الإنساني، لكنه دون أطر محاسبة مؤسسية واضحة وصارمة ستحوله المحاكم إلى حقل ألغام قانوني يهدد سلامة المرضى واستقرار المنظومة الصحية برمتها.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية