رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه محطات ثلاث من رتل قطار الربيع العربي السائر المندفع على السكة يطوي الأرض طيا كما كان يقول الشاعر العربي لكننا يجب أن نقف وقفة تأمل واعتبار من حين إلى حين حتى ندرك أين وصل هذا القطار وإلى أي غاية يسعى؟ وهل هو على الطريق الصحيح أم وقع تحويل وجهته إلى جهات مجهولة؟ وما هي أخطاؤنا؟ نحن جميعا نحب الحكم والمعارضة الذين سرنا وراء الشباب المتمرد المطالب بحقه في الشغل والكرامة والحرية فكنا تابعيه ووراءه ولم نكن نقوده أو أمامه حين هب الناس في سيدي بوزيد تلك المدينة التونسية المهمشة والمحرومة حيث أحرق محمد البوعزيزي شبابه وأمنياته بالبنزين والكبريت ذات يوم 17 ديسمبر 2010 وقتل في القاهرة الشاب المصري خالد سعيد ذات يوم 6 يونيو 2010 بين أيدي أعوان أمن الدولة حيث تحول ذلك الشاب المصري الوسيم الوديع إلى رمز من رموز استهانة الدكتاتورية المصرية وبوليسها بأرواح الناس. وسرى اللهيب إلى طرابلس وبنغازي للقضاء العسير والنهائي على حالة اللادولة وتغول عقيد محدود المدارك وأولاده في ليبيا التي حولوها إلى مزرعة خاصة وإلى كاريكاتور سلطة مجنونة أهدرت ثروات الشعب الليبي الصابر على مدى 42 سنة فكانت (الجماهيرية) مثار استهزاء العقلاء من الليبيين الشرفاء ومثار ضحك الأجانب لأن ليبيا لا تستحق هذه المأساة الملهاة بشعبها الذي ظل فقيرا رغم ثرواته النفطية والبشرية بينما يلعب أولاد القذافي بالسيارات الفخمة في شوارع باريس ولندن وكان أبوهم نجم الخيمة في الخارج ونجم القمم العربية في العالم العربي ونجم مؤتمر الشعب العام واللجان الشعبية والكتاب الأخضر في الداخل.. ثم جاء دور اليمن وأرادت أغلبية من الشعب اليمني أن تضع حدا لصراع أجنحة قبلية يمنية غلبت مصالحها الفئوية على المصلحة العليا للوطن السعيد. ثم كانت الصيحة الكبرى في إدلب ودير الزور وحمص وحماه وريف دمشق معلنة نهاية مرحلة القائد المنقذ والزعيم الأوحد الذي كان أسدا لمدة ثلاثين عاما وخلف شبلا لمدة اثني عشر عاما. ولا صوت يعلو على صوته في نظام مخابراتي بامتياز قد يتعلل بنوع من الأمن والتعايش وخرافة الممانعة التي جعلت الاحتلال الإسرائيلي للجولان ينام على فراش وثير من حرير بحدود آمنة لم تطلق فيها رصاصة يتيمة منذ 1967 لكن هذا النظام الذي يرمي الناس بالبراميل المتفجرة لا يملك أي شرعية شعبية تمكنه من البقاء والخلود بقمع كل صوت حر وتعذيب ممنهج لكل من يرفع الرأس ويأبى الرضوخ.
هذه هي خارطة الربيع العربي التي نراها اليوم بعيون مختلفة لأنها تتشكل أمامنا بألوان من العنف وتراكم الأخطاء وانحراف عن غايات الثورات مما يهدد مكاسب الحرية بالتراجع والانتكاس في محيط إقليمي ودولي لا يرتاح للتغييرات ولا يساعد على ما يعتقده إخلالا بالتوازنات الإستراتيجية التقليدية القديمة والقائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على خدمة مصالح الغرب والقوى العظمى وبخاصة الحفاظ على حالة اللاسلم واللاحرب التي ضمنت إلى حد 2010 توغل إسرائيل بعنجهية وخرقها للقانون الدولي دون حساب أو مساءلة. فالذي يجري في ساحة التحرير من رفض لممارسات فرعونية جديدة باسم الشرعية ومن مظاهرات مضادة للرافضين ومؤيدة للرئيس محمد مرسي هي إرهاصات ما بعد الثورة من أجل تصحيحها حتى يفرض الشعب مواقفه ومصالحه ويحمي مصر من أي انقضاض على الثورة تحت ستار الدين في بلاد يتعايش فوق أرضها المباركة المسلم والمسيحي والمثقف العلماني منذ قرون. وفي سليانة التونسية هب المواطنون ليقولوا كلمتهم ويطالبوا بالتشغيل والتنمية والعدالة الاجتماعية مؤكدين أن هذه الأهداف هي التي خرج في سبيل تحقيقها شباب أعزل يوم 17 ديسمبر 2010 وأدت إلى فرار زين العابدين بن علي يوم 14 يناير 2011. وجدت السلطة الجديدة نفسها في مواجهة مع شباب قالت هي ذاتها بأن مطالبه مشروعة لكنها كانت تتمنى لو عبر عنها سكان سليانة دون عنف وبدون إحراق مقرات الأمن والإدارة. وسبق لي الأسبوع الماضي أن علقت على أحداث سليانة على قناة فرنسا 24 فقلت إن فلاسفة اليونان القديمة كانوا يقولون بأنه في حالة تصادم الحق بالباطل فإن ذلك هو المشكلة أما تصادم الحق مع الحق فتلك هي المأساة. وإني أحسب والله أعلم بأن مواطني سليانة على حق حين يستبطأون التنمية وتحسن الأحوال المعيشية بعد تضحيات أبنائهم بحياتهم وبأن السلطة على حق حين تدعو للتريث والتعبير عن المشاغل باحترام القانون وبالطرق السلمية الدستورية. لكننا في تونس لسنا في مأمن من الاختراقات والتجاوزات وتوجيه الرأي العام والتلاعب بعواطف الجماهير وهو ما يهدد بانحراف الثورة عن أهدافها والتخبط دون بوصلة في دوامة الفوضى غير الخلاقة.
وفي سوريا وصل الثوار إلى مشارف مطار دمشق وهي المرحلة المعروفة في تاريخ الهزات السياسية بكونها مؤذنة ببلوغ نقطة اللاعودة ونذكر جميعا كيف أخذت الأزمات منعرجا حاسما في مطارات كابل وبيروت وبغداد وطرابلس وتونس والقاهرة وصنعاء لأن المطارات هي الواجهة الدولية لكل العواصم وبوابتها التي تنفتح على الخارج وعلى العالم ومتى تم إغلاق مطار أو السيطرة عليه فإن منعرجا أساسيا انفتح أمام صفحة جديدة من التاريخ. وللتاريخ لو علمتم دورات ومنعرجات لم يدركها مع الأسف بعض حكامنا أمثال ابن علي وحسني مبارك والعقيد القذافي وعلي عبدالله صالح ولا نرى أن بشار يشذ عن غياب الوعي الذي يصيب بعض القادة بالفتنة والغرور والجنوح للانفراد والطغيان في لحظات غفلة قاتلة ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الخليج بين صلابة الدفاع وحكمة القرار
ستظل دولة قطر عصية على أي اعتداء يستهدف أمنها وسيادتها، ولن تنجرّ دول مجلس التعاون الخليجي إلى حربٍ... اقرأ المزيد
189
| 04 مارس 2026
فوضى الحرب لا تنتصر
في اليوم الخامس من المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط وفي قلب الخليج العربي والفوضى التي تتصاعد يوما بعد... اقرأ المزيد
210
| 04 مارس 2026
صباح السبت استيقظت دول الخليج على مشهد لم يكن معتادا لأهلها، صواريخ تعبر السماء، وصافرات إنذار تعلن هجمات... اقرأ المزيد
177
| 04 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2583
| 01 مارس 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1059
| 26 فبراير 2026