رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذكرت في الحلقة الأولى بأن ما حفزني لكتابة هذا المقال، هو ما تشهده بلادنا الحبيبة من تطور في صناعة المتاحف. ثم تناولت دبلوماسية المتاحف باعتبارها نوعاً من الدبلوماسية الثقافية، وهي بدورها نوع من الدبلوماسية العامة، التي تختلف عن الدبلوماسية التقليدية، كونها تُخاطب الشعوب والرأي العام العالمي مباشرة، وتستخدم وسائل القوّة الناعمة، غير أنها لا تخرج عن مرتكزات السياسة الخارجية للدول. وأوضحت بأن دبلوماسية المتاحف أصبحت أداة حيوية للدول لتعزيز حضورها الثقافي عالميًا. وذكرت بأن دولة قطر كانت حاضرة وبقوة، في هذا المجال، بل قدمت نموذجاً رائداً في صناعة المتاحف. واليوم نستكمل.
عشرون عاماً من صناعة المتاحف والتمكين لدبلوماسيتها
تطوّرت صناعة المتاحف في قطر، بصورة كبيرة منذ إنشاء هيئة متاحف قطر في العام 2005 بموجب قرار أميري رقم (65) لسنة 2005. ونصت المادة (4) من القرار على أهداف الهيئة، قائلة: «تهدف الهيئة إلى النهوض بالمتاحف والآثار ومشروعات التنقيب عنها، وإدارتها والإشراف عليها، وتطويرها، وجمعها وتسجيلها، وحمايتها بكافة الوسائل، وتهيئتها للانتفاع العام، والمحافظة على الآثار ومقتنيات المتاحف». وبدخولنا في العام 2025، تكون قد مرت (20) عاماً على ميلاد هيئة متاحف قطر، واستمرار العطاء في صناعة المتاحف، والتمكين لدبلوماسية المتاحف. لقد شهدت صناعة المتاحف مع قيام هيئة متاحف قطر، تحت رعاية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى «حفظه الله»، وبقيادة سعادة الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني، رئيس مجلس أمناء متاحف قطر، قفزة تكاد تجعل منها، المجال الأكثر تطوراً في الدولة، إذا ما اتكأنا على قيم المنافسة المحمودة والمطلوبة، في سباق المجالات والمؤسسات، من أجل نهضة بلادنا الحبيبة.
1. عملت متاحف قطر منذ تأسيسها، على تطوير العديد من المتاحف، ولايزال عملها مستمراً، من تلك المتاحف: متحف الفن الإسلامي، الذي يشتمل على أفضل مجموعات الفن الإسلامي في العالم، حيث يتضمن روائع متنوعة من التراث الإسلامي، وقادمة من فضاءات مختلفة من قارات العالم. والمتحف العربي للفن الحديث، الذي أسسه سعادة الشيخ حسن بن محمد بن علي آل ثاني مؤسسه، وهو يُعد رائد الفن العربي الحديث في دولة قطر، وتمثل مجموعة مقتنياته الفنية الآن واحدة من أكثر المجموعات الفنية قيمة وشمولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويشغل الشيخ حسن منصب نائب رئيس متاحف قطر، ومستشار الشؤون الثقافية في مؤسسة قطر. وهناك أيضاً متحف قطر الوطني، الذي يُعد من أكبر وأهم المتاحف في قطر، حيث يعرض تاريخ قطر منذ العصور القديمة حتى العصر الحديث. ومتحف قطر الأولمبي والرياضي. وهو أرقى المتاحف الرياضية في العالم. ودَدُ . متحف الأطفال في قطر، ومن غير الأطفال يستحق العناية والاهتمام والتنشئة العلمية بما يحقق تطوير إمكاناته وصقلها، وتنمية القدرات الفردية. وكذلك متحف قطر للسيارات، ومتحف مطاحن الفن، ومتحف لوسي. كما أن هيئة متاحف قطر اقامت علاقات تعاون مع متاحف ومؤسسات دولية. كذلك هناك مبادرات شخصية تصب في المسؤولية الوطنية، وهي قد ساهمت في تطوير المتاحف، ومن أبرزها جهود الشيخ فصيل بن قاسم آل ثاني الذي أثرى ثقافة المتاحف بمقتنياته الشخصية، لا سيما متحفة بمزرعة السامرية. إلى جانب صالات العرض والفضاءات الفنية، مثل جاليري متاحف قطر– الرواق، وجاليري متاحف قطر– كتارا، و3-2-1، وغيرها، فضلاً عن اطلاق ودعم المشاريع الفنية والإبداعية، مثل مطافئ: مقر الفنانين، وتصوير: مهرجان قطر للصورة، وM7، المركز الإبداعي للتصميم والابتكار والأزياء، وليوان، استديوهات ومختبرات التصميم، وغيرها.
لقد أصبحت المتاحف في قطر، بفضل جهود سعادة الشيخة المياسة، وهي تسعى لبناء مستقبل قطر الإبداعي، وتعزيز دور المؤسسات الثقافية والمواقع التراثية، وبفضل عطاء فرق عمل متاحف قطر المختلفة وتفانيها، أصبحت المتاحف جزءاً مهماً من الهوية الثقافية والاقتصادية للدولة، ومنصة عالمية للمشاريع الفنية والتراثية والتاريخية. لتصبح دولة قطر واحدة من أبرز الدول التي تهتم بالتطوير الثقافي والتاريخي والتراث الإنساني في منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم. كما أنها المتاحف في قطر تعتبر محطات رئيسية لاستضافة الفعاليات الثقافية الدولية والمعارض الفنية الكبرى، وقبلة للزوار والسياح والعابرين، وقبل ذلك المواطنين والمقيمين. وبهذا استطاعت هيئة متاحف قطر أن تجعل من دبلوماسية المتاحف في قطر جزءًا أساسيًا من استراتيجية الدولة في تعزيز مكانتها الثقافية العالمية وبناء علاقات دبلوماسية عبر الثقافة والفنون. كون المتاحف في قطر غدت أداة دبلوماسية قوية تمكّنها من نقل رسائل ثقافية وسياسية، وتساهم في تعزيز الروابط مع الدول الأخرى، وإقامة شراكات عالمية عبر مبادرات ثقافية وفنية مبتكرة. ولم تعد الشراكات، في ظل ثقافة المتاحف، تقوم على الجوانب المادية، وإنما تقوم على الشراكات في الأخيلة والتصورات والطاقات الإبداعية، القادمة من مرجعيات ثقافية وفكرية من مختلف أنحاء العالم. وهكذا يخدم التفاهم بين الشعوب، والتعايش بين الثقافات، والتعارف بين الأخيلة، والبناء للسلام العالمي. التحية والاحترام لأسرة هيئة متاحف قطر، مع كامل التقدير لهذا العطاء الإبداعي المستمر والمتميز. وفي تقديري لو أن هناك جائزة من الدولة تقدم للمؤسسات تقديراً لعطائها، لاستحقتها هيئة متاحف قطر، وبجدارة.
حراك المدن الحية: الاستشراق الجديد (1 - 2)
المدن الحية ليست هي المدن التي تسهر حتى الفجر، أو تلك التي تضج بالحركة والزحام والصخب والضوضاء، وإنما... اقرأ المزيد
741
| 28 أبريل 2025
الأسرة لبنة المجتمع ومهد الهوية الإنسانية
يوافق الخامس عشر من شهر أبريل من كل عام، الاحتفال بيوم الأسرة في دولة قطر. وترجع فكرة تخصيص... اقرأ المزيد
1113
| 21 أبريل 2025
السودان في القلب.. عن زيارة سعادة الوزيرة مريم المسند
تابعت باهتمام زائد واحتفاء خاص زيارة سعادة السيدة مريم بنت علي بن ناصر المسند، وزيرة الدولة للتعاون الدولي،... اقرأ المزيد
1380
| 14 أبريل 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4629
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026