رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

222

الدكتورة حصة حامد المرواني

مؤثرون.. أم مسوقون؟

06 أبريل 2026 , 05:01ص

لم يعد السؤال اليوم: من هو المؤثر؟

بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من الذي شوّه معنى التأثير؟

في السنوات الأخيرة، تضخّم هذا المصطلح حتى فقد وزنه الحقيقي. 

أصبح (المؤثر) لقبًا يُمنح بسهولة، لا بناءً على عمق الفكرة، بل على عدد المتابعين. 

وبدل أن يكون التأثير مسؤولية، تحوّل إلى صناعة سريعة، تقاس بالأرقام، وتُختزل في مشاهدات عابرة. 

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في انتشار الظاهرة... 

بل في تطبيعها. 

حين يعتاد المجتمع أن يرى التأثير مجرد إعلان، أو رأيًا سريعًا، أو محتوى بلا جذور، فإنه يبدأ (بشكل غير مباشر) في فقدان قدرته على التمييز بين من يقوده… ومن يستهلكه. 

نحن لا نعيش أزمة محتوى. 

نحن نعيش أزمة معنى. 

وفي أوقات الأزمات تحديدًا (حين ترتبك المجتمعات، وتتصاعد الأسئلة، وتضعف القدرة على اتخاذ القرار) يصبح التأثير عنصرًا حاسمًا. 

ليس أي تأثير… بل التأثير الذي يبني وعيًا، لا الذي يشتت الانتباه. 

لكن ما يحدث اليوم هو العكس تمامًا. 

أصوات كثيرة… حضور كثيف… لكن أثر ضعيف. 

ومن هنا، لم تعد الحاجة إلى (مؤثرين) أكثر، 

بل إلى إعادة تعريف التأثير نفسه كأحد أدوات الاستقرار المجتمعي، لا مجرد نشاط إعلامي عابر. 

وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: 

هل يمكن ترك مفهوم التأثير دون إطار؟ دون توجيه؟ دون مسؤولية مؤسسية؟

لأن التأثير، حين يُترك للفوضى، لا يبقى محايدًا... 

بل يتحول إلى قوة غير منظمة، قد تُعيد تشكيل وعي المجتمع، ولكن في الاتجاه الخاطئ. 

لهذا جاءت مبادرة مؤثرون... 

لا لتضيف صوتًا جديدًا إلى الضجيج، 

بل لتطرح نموذجًا مختلفًا: 

التأثير كمنظومة… لا كأفراد. 

مبادرة تجمع نخبة من المدربين والمختصين من مختلف الدول العربية، لكنها لا تقوم على فكرة (التجميع)، بل على التكامل—تكامل في الخبرات، في الزوايا، وفي القدرة على التعامل مع الإنسان في مختلف أبعاده: الفكرية، النفسية، والسلوكية. 

ما تطرحه مؤثرون يتجاوز فكرة المحتوى... 

إلى بناء مسارات: 

ورش، برامج، مناظرات، ومبادرات مجتمعية—تصنع وعيًا تدريجيًا، لا تأثيرًا لحظيًا؟ 

والأهم من ذلك، أنها تقدم نموذجًا يمكن أن يُقرأ كأداة من أدوات التعليم غير النظامي، الذي تتجه إليه اليوم كبرى المنظمات الدولية، باعتباره رافدًا أساسيًا في بناء المجتمعات وتعزيز قدرتها على التكيّف مع المتغيرات. 

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: 

أن مثل هذه المبادرات (مهما بلغت قوتها) لا يمكن أن تحقق أثرها الكامل إذا بقيت في إطار الجهود الفردية 

لأن إعادة تشكيل الوعي... 

ليست مهمة فرد، 

بل مسؤولية منظومة. 

منظومة تدرك أن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد، 

وأن ضبط (خطاب التأثير) لا يقل أهمية عن ضبط أي قطاع آخر يمس المجتمع. 

إننا اليوم أمام فرصة حقيقية:

إما أن نترك التأثير يُعاد تشكيله بشكل عشوائي، 

أو أن نشارك في توجيهه ليكون قوة بناء. 

مؤثرون لا تدّعي أنها الحل، 

لكنها تضع نموذجًا… قابلًا للتوسع، قابلًا للشراكة، وقابلًا لأن يكون جزءًا من منظومة أكبر، تؤمن أن التأثير ليس رفاهية… بل ضرورة. 

وفي النهاية...  المجتمعات لا تُقاس بعدد من يتحدثون فيها، 

بل بجودة من يؤثرون فيها. والسؤال الذي سيبقى مطروحًا:  هل نكتفي بالمشاهدة...أم نشارك في صناعة الأثر؟

مساحة إعلانية