رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقيس الناتج المحلي الإجمالي مجموع الإنتاج النهائي للسلع والخدمات في اقتصاد معين خلال فترة زمنية محددة، يستعمل الناتج الحقيقي لتقييم حجم الاقتصاد وتطوره من سنة إلى أخرى، أو ما يعرف بالنمو، للمقارنة بين الاقتصادات، لابد من استعمال مؤشرات مكملة كالناتج الفردي الذي يقيم مستوى المعيشة أو ناتج العامل الواحد الذي يقيم الإنتاجية الدافعة الأساسية للنمو والتطور. تصدر الاقتصادات المتطورة إحصاءات عن الناتج فصلية وحتى شهرية كي يستطيع المتابعون والمسؤولون تقييم الأوضاع ومعالجة الخلل قبل تفاقمه. تصدر الاقتصادات العادية أرقاما سنوية وأحيانا متأخرة سنة أو أكثر عن قيمة الإنتاج الوطني وكيفية تقسيمه بين مكوناته الأربعة أي الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي والميزان الخارجي الصافي للسلع والخدمات. بدأ استعمال الناتج كمؤشر أساسي عن حجم، بل قوة الاقتصاد في ثلاثينيات القرن الماضي، أبرز الاقتصاديين الذين كونوه وطوروه هو "سيمون كوزنيتس" Kuznets الروسي الأبيض في الأصل الذي هاجر إلى أمريكا للعمل وحصل على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1971.
الناتج المحلي الإجمالي هو الرقم المستعمل الأكثر في العالم، ليس لأنه مثالي وإنما لعدم وجود إحصاءات أفضل تقيم الأوضاع الاقتصادية وتبدلها. من نواقص الناتج عدم إدخاله عمل ربات المنازل غير المقيم بالإحصاءات، لكنه يؤثر بشكل كبير ومباشر على الاقتصاد والأوضاع العائلية والإنسانية. كيف يمكن تجاهل السنوات الطويلة للعمل المنزلي المهم المؤثر على تربية الأولاد ومستقبلهم. يقول العديد من الاقتصاديين إن السنوات القليلة الأولى للأطفال التي يمضونها في المنزل مع الوالدين، خاصة الأم، هي الأهم في الحياة والأشد تأثيرا على تفكير ونضوج الطفل، يتبعها في الأهمية المدرسة الابتدائية التي تكمل ما بناه الأهل قبلا، مع ضرورة الاستمرار في الإشراف النوعي من قبلهم. من المواضيع الأخرى التي يتجاهلها الناتج هو التلوث وتكلفته والذي يأتي من الإنتاج والاستهلاك، مما يؤثر على صحة الإنسان ونوعية حياته، هنالك أمور أخرى يتجاهلها الناتج ومن بينها التطور التكنولوجي الذي يرفع الإنتاجية ويخفض التكلفة، وبالتالي ينخفض الناتج على المدى القصير ليرتفع فيما بعد بعد أن يكبر حجم الاقتصاد.
حاول الكثيرون ومن بينهم "جو ستيغليتز" إيجاد مؤشرات أخرى تقيم، بالإضافة إلى الإنتاج المادي، الأوضاع الاجتماعية والإنسانية والنفسية. فشل بسبب دقة وصعوبة تقييم الأوضاع النوعية، كسعادة المجتمع والاطمئنان والارتياح، كما الاكتفاء الذاتي والعام والقناعة والرضا وغيرها، بالإضافة إلى كل النشاطات المرتبطة باللهو والعطل والفراغ التي يحتاج إليها كل مواطن لمواصلة العمل وتحسين صحته وأوضاعه النفسية والإنسانية. مثلا الناتج المحلي الإجمالي في لبنان هذه السنة أعلى بقليل من ناتج سنة 2013، لكن الجميع يؤكد أن القلق ارتفع وبالتالي أوضاع المجتمع أسوأ نفسيا وشبابيا وسياسيا. لا شك أن هذه الأوضاع إذا ما استمرت ستنعكس على أرقام الناتج، إذ لا يمكن الحفاظ على مستوى الإنتاجية الحالي إذا بقي اللبنانيون غير راضين عن أوضاع بلدهم.
هنالك اقتصادات أخرى نجحت في تطوير ناتجها الإجمالي في أجواء استقرار عامة ومنها المكسيك وبولونيا وكوريا الجنوبية. لم نعد نتكلم اليوم عن الاقتصاد الصيني كالماضي، إذ نجح بتفوق وتجربته أصبحت معروفة، ضعف النمو الصيني مؤخرا، لكن هنالك اقتصادات أخرى استفادت من التجربة الصينية لتنجح هي أيضا. لم يعد يكفي الاتكال فقط على إنتاج وتصدير مواد أولية للنمو والازدهار، بل أصبحت مصادر النمو متكاملة ومعقدة وشاملة.
في المكسيك مثلا تغيرت الأوضاع كثيرا مع انتخاب الرئيس الجديد "انريكي بينيا نييتو" منذ سنة والذي أعطى دفعا جديدا للاقتصاد بفضل حيويته الشابة وسياساته الجديدة. قبله تدنى النمو الاقتصادي وتبعا لصندوق النقد من 3.6% في سنة 2012 إلى 1.2% في سنة 2013. ارتكز الرئيس على الغنى المادي الموجود في المكسيك ومن بينه النفط واستفاد إلى أقصى الحدود من السوق الأكبر في العالم الموجود شمال الحدود. مع انتخاب الرئيس الجديد اعتقد العالم أجمع، ومن ضمنه المؤسسات الدولية المعروفة، كالبنك وصندوق النقد الدوليين، أن وقت النهوض المكسيكي قد حان وها هي النتائج الإيجابية تبدأ بالظهور مع تحول الاقتصاد تدريجيا من متكل على المواد الأولية إلى مرتكز على الصناعة والخدمات. انتقلت المكسيك من الاقتصادات المنغلقة نسبيا إلى الأخرى الأكثر انفتاحا في العالم. ليس صحيحا أن الاتجاه العالمي الحالي هو في العودة إلى تدخل أكثر للقطاع العام في الاقتصاد، إنما الصحيح هو أن السياسات العامة تختلف بين دولة وأخرى تبعا لأوضاعها ومصالح شعوبها.
بينما كانت صادرات النفط تشكل في السابق %75 من المجموع المكسيكي، أصبحت السلع الصناعية هي الأساس، حيث شكلت هي مؤخرا ثلاثة أرباع قيمة الصادرات.
من النتائج الأساسية لتغيير السياسات وتدفق الاستثمارات:
أولا: ارتفاع الأجور في المكسيك مما يؤثر سلبا على الاستثمارات التي كانت تتوجه أصلا إليها بدافع التكلفة المنخفضة.
ثانيا: إلى أين تتوجه الاستثمارات التي كانت تأتي سابقا إلى المكسيك؟ الأجور ارتفعت أيضا في الصين، وبالتالي فإن الاستثمارات الغربية الحديثة، خاصة الأمريكية، ربما تفضل المكسيك على الصين بسبب ارتفاع الإنتاجية وتكلفة النقل المنخفضة نتيجة القرب الجغرافي.
ثالثا: هنالك ميزة مهمة للاقتصاد المكسيكي وهو احترامه أكثر من الآسيوي، خصوصا الصيني، للملكية الفكرية التي أصبحت في غاية الأهمية مع تركيز المجتمع الدولي على الإبداع والتغيير والابتكار.
رابعا: دخول المكسيك منذ سنوات في اتفاقية شمال أمريكا للتجارة الحرة NAFTA وسع أسواقها وجعلها جاذبة أكثر للاستثمارات الغربية.
هل أصبح الاقتصاد المكسيكي الأفضل أو الأمثل في العالم؟ حتما لا، إذ تبقى تحديات كبرى تواجه الرئيس الجديد ومنها الأمن والفساد وتطوير وتحديث البنية التحتية، كما الفوقية، الضروريتين للنمو في الاقتصاد الحديث.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5730
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5520
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026