رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عالم القيادة تبرز عبارة خبير القيادة العالمي جون سي ماكسويل: (عليك أن تكون قريبًا بما يكفي لتتواصل مع الناس، لكن بعيدًا بما يكفي لتلهمهم)، هذه العبارة، رغم أنها وُلدت في سياق القيادة الإدارية، إلا أنها تنسحب بعمق على أحد أكثر الأدوار حساسية وتأثيرًا في الحياة دور الأب في الأسرة.
الأب… حضور يتجاوز الجدران
في كثير من البيوت، يبدو الأب وكأنه بعيد عن التفاصيل اليومية، منشغلٌ بعمله أو مسؤولياته. لكن هذا البُعد لا يعني الغياب، فالأب وإن لم يكن حاضراً جسدياً طوال الوقت، إلا أن تأثيره يظهر في اللحظات المفصلية:حين يُستشار في قرار تربوي مهم، حين يتدخل لحسم خلاف بين الأبناء، حين يُعبّر عن رأيه في مسار تعليمي أو سلوكي.
هذا النوع من الحضور يُشبه إلى حد كبير ما يسميه ماكسويل بـ»القيادة الملهمة»: أن تكون بعيدًا بما يكفي لتُرى من زاوية عليا، لكن قريباً بما يكفي لتُحدث فرقاً.
هيبة في الغياب… ووزن في الكلمة
في دراسة تربوية نُشرت في مجلة (Parenting Science)، وُجد أن تدخل الأب في لحظات محددة يحمل تأثيراً مضاعفاً على الأبناء مقارنة بالتوجيهات اليومية المتكررة، فكلمة الأب، حين تأتي في توقيتها المناسب، تُحدث أثراً نفسياً وسلوكياً يفوق التوقعات. وهذا ما يُفسر لماذا يُنظر إلى الأب غالباً كـ»صمام أمان» في الأسرة، أما الأم، بحكم قربها اليومي، تمثل الحنان والرعاية، لكن الأب يمثل الهيبة والتوجيه الاستراتيجي، وهذا التوازن هو ما يمنح الأسرة استقرارها العاطفي والتربوي.
القيادة الأسرية… فن التوازن
جون ماكسويل يرفض فكرة القائد المتسلط أو المنعزل، بل يدعو إلى قيادة متوازنة، تُراعي القرب الإنساني دون أن تُفقد القائد مكانته، وهذا بالضبط ما يحتاجه الأب في بيته: أن يُصغي دون أن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، أن يُشعر أبناءه بالأمان دون أن يُغرقهم بالحماية الزائدة، وأن يُلهمهم من خلال القدوة، لا من خلال الأوامر، في هذا السياق، يقول المفكر التربوي «د. عبد الكريم بكار: (الأب الناجح هو من يُشعر أبناءه بأنه موجود دائمًا، حتى لو لم يكن حاضراً جسدياً).
دروس من قلب الأسرة
الأسرة، كما يراها كثير من علماء النفس، هي أول مدرسة للقيادة وفيها يتعلم الأبناء مفاهيم عديدة مثل: احترام السلطة دون خوف، اتخاذ القرار بحكمة، التوازن بين العاطفة والعقل، والأب، حين يُجيد لعب دوره القيادي، يُرسخ هذه المفاهيم دون أن يُلقي محاضرات، يكفي أن يروا كيف يتصرف، كيف يُعالج المواقف، وكيف يُعبّر عن رأيه.
نموذج يعقوب عليه السلام
في قصة نبي الله يعقوب عليه السلام، نرى كيف كان قريبًا من أبنائه، يستمع إليهم، ويشاركهم مشاعرهم، لكنه في الوقت ذاته كان قائدًا حكيمًا: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾.
سورة يوسف الآية: (5)، يعقوب هنا يتدخل في الوقت المناسب، ويوجه ابنه يوسف بحكمة، دون أن يفرض أو يبالغ في الحماية، وفي لحظة أخرى، حين طلب منه أبناؤه أن يأخذوا يوسف معهم، نراه يتردد، لكنه لا يمنعهم تمامًا، بل يوازن بين الحذر والثقة:﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾.
سورة يوسف الآية (13)، هذا التوازن بين القرب العاطفي والقيادة الحكيمة هو جوهر القيادة الأسرية التي تحدث عنها ماكسويل.
ولنا في رسول الله ﷺ قدوة حسنة
النبي محمد ﷺ كان نموذجا فريدا في القيادة الأسرية، فقد جمع بين اللين والحزم، وبين القرب من الأبناء والتوجيه الراشد، كان النبي ﷺ يحمل الحسن والحسين، ويُقبلهما، ويُشعرهما بالحب، حتى قال أحد الصحابة متعجبًا: (إن لي عشرة من الولد ما قبّلتُ أحدًا منهم)، فقال النبي ﷺ: (من لا يَرحم لا يُرحم)، هذا القرب العاطفي لا يُضعف القيادة، بل يعززها، ويُرسخ الثقة بين الأب وأبنائه.
كسرة أخيرة
في زمن تتداخل فيه الأدوار الأسرية، وتزداد فيه التحديات التربوية، يبقى على الأب أن يستحضر نموذج القيادة الذي رسمه ماكسويل: (كن قريبًا لتفهم… وبعيدًا لتؤثر)، فالأب ليس مجرد مُعيل، بل هو قائد تربوي، يُلهم أبناءه من خلال حضوره الرمزي، وتدخله الحكيم، وكلمته التي تأتي في الوقت المناسب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1662
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1167
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
954
| 07 يناير 2026