رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نوت الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

138

نوت الدوسري

بين رجلٍ ورؤية... وُلدت الحكاية

18 سبتمبر 2026 , 12:15ص

في الثاني من ديسمبر عام 2010، كان العالم ينتظر اسما. ظرف صغير في مدينة زيورخ، وثوان قليلة بدت أطول من المعتاد، ثم جاءت الكلمة التي غيرت ملامح المشهد: قطر.

ارتفعت الأعلام. تعالت الأصوات. وامتلأت الشاشات بصورة وطن يحتفل. كان من السهل أن نظن أن الحكاية بدأت هناك. لكن الحقيقة أن العالم في تلك اللحظة لم يشاهد البداية، شاهد النتيجة فقط. أما البداية، فلم يكن فيها ظرف ينتظر أن يفتح. ولا منصة. ولا ملايين يتابعون. كان فيها شيء أقل ضجيجا بكثير، رجل يرى.

يرى قطر لا بحجمها على الخريطة، بل بحجم المكان الذي يمكن أن تصل إليه. ويرى في الإنسان مشروع الوطن الأول. وفي التعليم أبعد من فصل وكتاب. وفي الحلم الكبير شيئا لا يحتاج أن يصدقه الجميع، كي يستحق أن يبدأ.

ربما لهذا، لا تقاس الرؤى بما نراه بعد اكتمالها. بل بما استطاع صاحبها أن يراه، حين لم يكن هناك شيء يرى بعد. نحن نعرف الطريق بعد أن نقطعه. ونؤمن بالأفكار غالبا بعد أن تثبت أنها كانت تستحق الإيمان. لكن ماذا عن اللحظة التي سبقت كل ذلك؟ حين كانت الفكرة وحدها في مواجهة سؤال كبير: هل يمكن؟ هناك تحديدا، تبدأ الحكايات التي تستحق أن تروى.

لم تكن الرؤية تبنى من أجل لحظة يصفق لها العالم. كانت أبعد من ذلك بكثير، أن يصبح الإنسان القطري قادرا على أن يقف في عالم يتغير بسرعة، دون أن يقف على هامشه. أن يكون التعليم بابا لا سقفا. وأن يعرف جيل قادم أن صغر المكان، لا يعني أبدا صغر الاحتمالات.

ولهذا، لم يكن كأس العالم هو الحكاية كلها. كان مشهدا كبيرا جعل العالم يرى شيئا كان يتشكل منذ سنوات. فالأوطان لا تصل إلى لحظاتها الكبرى مصادفة. قبل كل لحظة يراها الجميع، هناك سنوات لا يراها أحد. قرارات. اختيارات. رهانات على الإنسان. وإيمان بأن المستقبل لا يبدأ يوم نصل إليه، بل يوم نقرر أن نستعد له.

وربما كان بين من شاهدوا إعلان الفوز في ذلك اليوم طفل قطري جلس أمام شاشة التلفاز. لم يكن يعرف شيئا عن الملفات، ولا القرارات، ولا السنوات التي سبقت تلك اللحظة. كان يعرف شيئا واحدا: قطر فازت. ثم كبر الطفل. ومرت اثنتا عشرة سنة. وجاء عام 2022، فلم يعد يشاهد الحلم من خلف شاشة. كان يمشي داخله. في شوارع يسمع فيها لغات العالم. وفي ملاعب تتجه إليها أنظار الملايين. وفي وطن اكتشف فيه ذلك الطفل أن الأحلام التي تبدو بعيدة، قد تصبح يوما مكانا يمشي فيه.

لكن المشهد الأهم لم يكن في المدرجات. ولا في عدد الزوار. ولا حتى في الليلة التي انتظرها العالم. كان في شيء لا تستطيع الكاميرات التقاطه: سقف ارتفع داخل جيل كامل. فبعض الإنجازات لا تغير شكل المكان فقط، تغير ما يعتقد أبناؤه أنه ممكن. يتغير السؤال من: هل نستطيع؟ إلى: ولماذا لا نستطيع؟

وهنا ربما يكون الأثر الذي لا تسجله الأرقام. قد تحفظ الكتب التواريخ. وتحفظ الصور اللحظات. وتحفظ الأرقام حجم ما تحقق. لكن بعض التحولات لا تجد مكانا في الجداول، كسقف حلم ارتفع داخل طفل. أو جيل نظر إلى وطنه، ثم رأى نفسه بطريقة مختلفة. وربما يكون هذا هو التحول الأبعد أثرا: أن يصبح ما كان مستحيلا بالأمس، احتمالا اليوم. وهنا نفهم الفرق بين إنجاز يصنع، ورؤية تصنع ما بعده. فالإنجاز نراه حين يكتمل. أما الرؤية، فتجعلنا نرى ما لم يكتمل بعد.

ولهذا أعود إلى الظرف في زيورخ. إلى الثواني التي انتظر فيها العالم اسم الدولة الفائزة. وإلى اللحظة التي قيل فيها: قطر. يومها ظننا أننا نشاهد بداية حلم. لكن بعد كل هذه السنوات، تبدو الصورة مختلفة. لم تكن البداية هناك. كان العالم فقط قد وصل متأخرا، إلى حكاية بدأت قبل أن يتلفت إليها. وبين رجلٍ لم ينتظر المستقبل ليأتي، ورؤية بدأت في الإنسان قبل أن تظهر في المشهد، وُلدت الحكاية.

اقرأ المزيد

خلف الكواليس خلف الكواليس

انتهى الحفل، امتلأت مواقع التواصل بالصور، وتصدرت العناوين أسماء المتحدثين، وتبادل الناس مقاطع التصفيق، بينما بقي اسم واحد... اقرأ المزيد

156

| 19 أغسطس 2026

حين يضيع معنى الاستحقاق حين يضيع معنى الاستحقاق

أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد

294

| 06 أغسطس 2026

ما وراء الممر ما وراء الممر

ليست كل الأخبار تُقرأ، بعضها يعيد ترتيب العالم في داخلنا. ولهذا، لم يكن غريبا أن يعود اسم ممر... اقرأ المزيد

465

| 30 يوليو 2026

مساحة إعلانية