رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ.د. عبد الله خليفة الشايجي

 تويتر @docshayji

‏@docshyji

مساحة إعلانية

مقالات

360

أ.د. عبد الله خليفة الشايجي

حدود القوة.. كيف تستنزف حروب الحسابات الخاطئة القوى الكبرى؟

06 سبتمبر 2026 , 02:00ص

دخلت الحرب الأمريكية على إيران شهرها السابع من دون انتصار حاسم، ومن دون تسوية سياسية تقبل طهران بموجبها الشروط الأمريكية. وفي الشهر السابع تراوح الأوضاع مكانها بحالة استنزاف منهكة ومكلفة واضحة - لم تكس رتابته هدن مددة، ومعلنة وغير معلنة، ومفاوضات متعثرة ولقاءات واجتماعات في باكستان ومسقط والدوحة وجنيف - لم تفض إلى حسم يعيد الأمور إلى نصابها.

وتقلصت أهداف الحرب من اسقاط وتغيير النظام، وتكرار مطالب ترامب ونتيناهو بانتفاضات شعبية، لتكرار بسذاجة تجربة فنزويلا بالانتصار السهل-بإسقاط نظام مادورو اليساري واعتقاله ومحاكمته بتهم الاتجار بالمخدرات. لكن لا وجود لرودريغير إيراني.

انتقلت إدارة ترامب بعد عقم العمليات العسكرية (لا يسميها حرباً)- ولكلفة ومخاطر العملية العسكرية على شتى المستويات. إلى الخنق والعزل الاقتصادي نهاية أغسطس الماضي فيما يُعرف ب"عملية المنبوذ والإقصاء الاقتصادي"- لقطع شرايين إيران الاقتصادية والمالية ومعاقبة الدول التي تساعد إيران على خرق العقوبات بفرض عقوبات ثانوية عليها. بهدف إرغام إيران المحاصرة والنازفة اقتصاديا و غير القادرة على تصدير نفطها - لتغيير سلوكها والإذعان للشروط.

ولكن من تجارب فرض عقوبات على دول حول العالم بما فيها روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران منذ حوالي نصف قرن، نادرا ما تنجح العقوبات بتغيير سلوك ومواقف الدول.لا بل تلحق الضرر بالشعوب التي تدفع الفاتورة الأكبر نتيجة للعقوبات القاسية التي تُفرض على انظمتهما.

كما لم ينجح ترامب وإدارته باستثمار الإنجازات العسكرية على أرض المعركة وتحويلها إلى رصيد سياسي يمكنه عبرها انتزاع تنازلات من إيران حول الملفات الشائكة والمعقدة وخاصة النووي. وتحولت المواجهة بلا إستراتيجية انتصار إلى التباحث حول قضايا لم تكن من ضمن قائمة أسباب ومبررات اندلاع الحرب الأمريكية - الإسرائيلية المشتركة.

فتحولت المواجهة من إسقاط وتغيير النظام وتحويل إيران لدولة تدور وتتحالف مع الغرب، وتتخلى عن برنامجها النووي وامتلاك سلاح نووي، إلى التفاوض حول مضيق هرمز وحرية الملاحة والشحن وأمن الطاقة - وتهديد الاقتصاد العالمي، وارتفاع أسعار النفط والوقود! والتي كانت متوفرة وبشكل سلس قبل حرب الحسابات الخاطئة.

خاصة أن تداعيات الحرب (العمليات العسكرية) انقلبت سلباً على الرئيس ترامب وحزبه. بتراجع الرضا عن أدائه في الاقتصاد والاهتمام بالقضايا التي تهم الناخبين الأمريكيين. لذلك تعارض أغلبية الناخبين (70%) الحرب لتأثيرها الكبير على ارتفاع أسعار المعيشة والغذاء والطعام والشحن والوقود.

وتتكرر معضلة إدارة الرئيس ترامب التي واجهت الإدارات الأمريكية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في أفغانستان والعراق- بفخ الحروب الدائمة. وبامتلاك قدرة هائلة على التدمير، لكن الفشل بتحويلها إلى تسوية سياسية. والضربات بين الحين والآخر على مواقع الحرس الثوري في جزر قرب مضيق هرمز، ورد انتقام إيران بقصف دول خليجية والأردن، وتعمدها تجنب ضربات انتقامية على البوارج والقطع الحربية البحرية الأمريكية القريبة من شواطئها. وهذا تكتيك غير مجدٍ للطرفين يكرس المراوحة. ويُبقي الولايات المتحدة وإيران والمنطقة عالقين ومستنزفين.

وفيما يقترب استحقاق انتخابات التجديد النصفي الحاسمة - برزت ظاهرة ملفتة بتحقيق مرشحي الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي انتصارات كبيرة في الانتخابات التمهيدية في عدة ولايات. عبدالرحمن السيد لعضوية مجلس الشيوخ في ولاية ميشغيان- وعائشة خطاب أول نائبة مسلمة من أصول أفغانية عن ولاية كاليفورنيا. وكذلك انتصارات في ولايات أخرى. مستفيدين من تذمر واستياء الناخبين من أوضاعهم المعيشية وحرب إيران ودعم الحروب الخارجية وتمويل حرب إبادة إسرائيل. بتوظيف تداعيات الحرب على إيران للتكسب السياسي ودفع الناخبين أكثر لانتقاد ترامب ووزير حربه وإدارته، لخوض حرب لا تخدم الناخب الأمريكي المستاء من آثارها المكلفة والمرهقة.

والواقع، ستقرر نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس مستقبل الرئيس ترامب في العامين الآخيرين من رئاسته الأخيرة. لذلك سيواجه ترامب وحزبه الجمهوري مأزقا وانتكاسة كبيرة إذا خسروا أغلبيتهم الضئيلة في مجلس النواب - والسيناريو الكارثي خسارة الأغلبية في مجلس الشيوخ أيضاً! وذلك بتقييد صلاحياته وتشكيل لجان تحقيق والحد من سلطته المطلقة التي استلبها من المشرعين الجمهوريين في مجلسي الكونغرس. بتنازلهم الطوعي عن ممارسة صلاحياتهم الدستورية.

يذكرني الواقع الأمريكي الصعب بمقال جورج باكر-1999:"أطول الحروب: ريتشارد هولبروك وتراجع القوة الأمريكية"-برغم مرور ربع قرن على المقال- إلا أن أهميته في تكرار المأزق، برغم نجاح الدبلوماسية الأمريكية بإنهاء حرب البوسنة بقيادة الدبلوماسي الأمريكي ريتشارد هولبروك، لكن الولايات المتحدة خسرت ذلك الإنجاز المهم، بشن حروب بلا أفق وبلا انتصارات في أفغانستان والعراق، تحت يافطة "الحرب على الإرهاب"!، ووسّعت الأهداف، لكنها فشلت بتحقيق أهداف الحرب الرئيسية بتحويلها لرصيد دبلوماسي تنهي الحروب. بدلاً من تحولها لحروب دائمة (Endless Wars).

ويتقاطع استنتاج باكر فريدريك كامب، رئيس المجلس الأطلسي - أن المال والقدرات العسكرية وولاء الحلفاء ليست موارد لا تنضب. ويحذر القوى العظمى (أمريكا) تبدأ بالتراجع عندما يفشل التفوق التكتيكي بتحقيق أهداف استراتيجية، وتتوسع التزاماتها بوتيرة أسرع من مواردها، ويسيء قادتها ترتيب أولوياتهم. ويعود السؤال الذي تكرر بحربي أفغانستان والعراق- لماذا تفشل أمريكا بتحويل نتائج حروبها لمكاسب. وبالتالي نشهد انتكاسات استراتيجية- تكمن بفشل تحول التفوق العسكري-لاستراتيجية تسوية ناجحة ودائمة

استراتيحية إيران تكمن بالصمود ومقاومة الخنق العسكري والاقتصادي ومنع إدارة ترامب من تحقيق أهدافها. وإطالة أمد الحرب، وزيادة كلفتها الاقتصادية والسياسية للضغط ولاستنزاف، ودفع أمريكا لإعادة حساباتها، وإنهاء العمليات العسكرية. مستلهمة دروسا أطول حروب أمريكا على طالبان في أفغانستان..وفشل القوات الأمريكية بهزيمة مقاتلي حركة طالبان بعد عشرين عاماً من الحرب. بل سقطت كابول وفر النظام الموالي لواشنطن- ووسعت حركة طالبان سيطرتها على مدن ومناطق داخل أفغانستان أكثر من الرقعة الجغرافية التي كانت تسيطر عليها طالبان في فترة حكمها الأولى من 1996-2001. كما قاومت وصمدت حركة طالبان، تسعى إيران لتكرار ذلك النموذج في مواجهة الحرب ضد الولايات المتحدة.

مساحة إعلانية